1203
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> ألمانيا قبيل عهد لوث -> الألمان
3- الألمان
(1300 - 1517)
ربما كانوا إبان ذلك العهد أصح الشعوب أبداناً وأقواهم جسداً وأشدهم حيوية في أوروبا، فإنهم، كما نراهم في لوحات فولجيموت وديرر وفي صور كراناخ وهولبين، أناس أقوياء البنية غلاظ الأعناق كبيرو الرؤوس، لهم قلوب سوداء، على تمام الأهبة لالتهام العالم، واستساغته بشراب الجعة. كانوا أجلافا ولكنهم ظراف تخفف من ورعهم نزواتهم الشهوانية. وكان في وسعهم أن يكونوا غلاظ الأكباد كما تدل على ذلك أدوات التعذيب المروعة التي اعتادوا استخدامها مع المجرمين؛ ولكنهم مع ذلك كانوا رحماء كرماء قلما عرضوا تزمتهم الديني بوسائل بدنية، إذ لقيت محاكم التفتيش في ألمانيا مقاومة باسلة وكان نصيبها القمع عادة. لقد جبل الألمان بنفوسهم القوية على المرح الذي يتسم بإدمان الشراب أكثر مما يتسم بالفطنة الجافية، ولقد أدى هذا كله إلى تبلد حسهم بالمنطق والجمال وحرمهم من ظرف العقلية الفرنسية أو الإيطالية ودهائها وتعثرت نهضتهم الهزيلة في غمرة حماستهم الزائدة لتفسير الكتاب المقدس ومع ذلك فقد كان عندهم إصرار ثابت وصناعة منظمة وشجاعة فائقة في الفكر الألماني مكنتهم من كسر شوكة سلطان روما وأتاحت لهم فرصة أن يصبحوا أعظم علماء في التاريخ. وهم شعب نظيف بالقياس إلى غيرهم من الأمم فالاستحمام عادة وطنية. وكل بيت حسن التنسيق فيه حمام حتى في المناطق الريفية. والحمامات العامة العديدة توفر أكثر من حمام
إذ يستطيع الرجال هناك أن يحلقوا ذقونهم وتستطيع النساء أن يصففن شعورهن كما كانت توفر فيها ضروب مختلفة من التدليك وكان يسمح فيها بالشرب والمقامرة ويمكن أن يجد فيها كل من يضيق ذرعاً بالزوجة الواحدة خلاصاً. وكان الناس من الجنسين يستحمون عادة معاً وهم يرتدون ملابس محتشمة وإن لم تكن هناك قوانين تحرم المغازلة، ولقد قال أحد الدارسين الإيطاليين بعد أن زار بادن - بادن عام 1417: "ليست هناك في العالم حمامات أكثر ملاءمة من هذه لإنجاب النساء".
ولا يمكن أن يتهم الألمان إبان ذلك العهد بأنهم من أنصار مذهب التطهير إذ كان حديثهم ورسائلهم وأدبهم ومرحهم تتسم أحيانا بالجفاء إذا قيست بمعايير عصرنا، ولكن هذا يتفق مع قوة أبدانهم وأرواحهم، فهم من جميع الأعمار يشربون ويفرطون في ممارسة الجنس إبان شبابهم. وكانت مدينة ارفورت عام 1501 في نظر لوثر الورع لا تفضل ماخوراً أو مشرباً للجعة. ولقد وافق الحكام الألمان - من رجال الدين ومن العلمانيين على السواء على رأى سانت أوجستين والقديس توما الأكويني بأنه يجب أن يسمح بالبغاء إذا كانت النساء بمنأى عن الإغراء أو الاغتصاب. وكانت بيوت البغاء تحصل على ترخيص وتفرض عليها ضريبة. وإنا لنقرأ عن أساقفة ستراسبورج وماينز الذين كانوا يحصلون على دخول من المواخير بل إن أسقف فيرتسبورج أعطى ماخوراً تابعاً للبلدية إلى جراف فون هيننبرج باعتباره إقطاعية تدر دخلا. وكانت الضيافة لكبار الزوار تشمل وضع بيوت للسيدات تحت تصرفهم، وقد كرم الملك سيجموند بهذا الامتياز في برن (1414) وفي أولم (1434) بإخلاص أرضاه كل الرضا حتى أنه شكر مضيفه علنا من أجله، والنسوة غير المرخصات كنّ ينشئن أحياناً بيوتاً غير قانونية، وفي عام 1492 شكت البغايا المرخصات للعمدة من هذه المنافسة غير العادلة فحصلن عام 1508 على إذن بمهاجمة البيوت غير القانونية وقمن
بذلك فعلا، وكان التردد على بغي يقابل بالصفح باعتباره خطيئة مغتفرة، وإن كانت طبيعية، وذلك في نظر القانون الأخلاقي الساري في أوروبا في أواخر العصور الوسطى، ولعل انتشار الزهري بعد عام 1492 جعل منه وباء فتاكاً.
وكان الزواج إتحاداً بين الملكيات كما هو الشأن في كل مكان آخر والحب يعد نتيجة طبيعية للزواج لاسبباً معقولا له. وكانت الخطبة ملزمة كالزواج والزفاف يتم في حفلات مترفة بين جميع الطبقات. وربما استمرت الاحتفالات أسبوعاً أو اثنين وكان شراء الزوج يكلف غاليا كالاحتفاظ بالزوجة. وكان للذكر نظرياً سلطة مطلقة ولكنها كانت أكثر واقعية في الأفعال منها في الكلام. ونلاحظ أن السيدة ديرر كان لديها كلام كثير تقوله لزوجها. وقد كانت نساء نورمبرج من الجرأة بحيث اجتذبن الإمبراطور ماكسمليان وهو نصف عار من الفراش وألقين غطاء حول جسمه ثم إستقنه في رقصة ليلية مرحة إلى الشارع.
وتذهب أسطورة قديمة إلى أن بعض الرجال من الطبقات العليا في القرن الرابع بألمانيا كانوا يضعون حزاماً للعفة "من الحديد حول وسط زوجاتهم وأفخاذهن ويغلقونه بقفل ويأخذون معهم المفتاح وذلك عندما يسافرون في رحلات يغيبون فيها طويلاً عن الوطن. وثمة آثار لهذه العادة في البندقية بالعصور الوسطى في فرنسا وفي القرن السادس عشر وإن كانت الزوجة أو العشيقة تلبس الحزام طواعية وتعطي المفتاح للزوج أو العشيق ضماناً لإخلاصها للزوج أو العشيق.
وازدهرت حياة الأسرة. ويحصى سجل تاريخي بارفوت ثمانية أو عشرة أولاد لكل زوجين في المعدل ولم تكن الأسرة التي تضم خمسة عشر ولداً بالنادرة، وهذه الأعداد تشمل أبناء السفاح لأن الأطفال غير الشرعيين، اللذين كثروا كانوا يؤخذون عادة إلى بيت الوالد بعد زواجه. وشاع استخدام الألقاب في القرن الخامس عشر وكثيراً ما أشارت
إلى مهنة السلف أو إلى موطنه الأصلي وإن كانت بين آن وآخر تجمد دعابة لحظة في صراحة الزمن. وكان يراعي الضبط والحزم في البيت وفي المدرسة، بل إن ماكس الذي صار إمبراطورا فيما بعد كثيراً ما تلقى الصفعات، ويبدو أن هذا لم يسبب ضررا إلا للأب أو المدرس. وكانت البيوت الألمانية وقتذاك (1500م) أكثر البيوت راحة في أوروبا إذ كانت درجاتها متسعة ولها درابزين متين وفيها أثاث ضخم ومقاعد وثيرة وخزائن منحوتة ونوافذها من الزجاج الملون وأسرة لها كلة وجدرانها مطنفسة وأرضيتها مكسوة بالسجاد وفيها مواقد منبعجة ورفوف تزخر بكتب أو أزهار أو آلات موسيقية أو عليها طبق فضي ومطابخ تتألق بكل الأوعية الصالحة لإقامة مأدبة ألمانية.
وشيدت البيوت من الخارج في عظمها من الخشب، وكثيراً ما شبت فيها الحرائق، وكانت الطنف المتدلية والشرفات تظلل الطرقات، ولم يكن في المدن الكبيرة إلا قليل من الطرقات المرصوفة، ولم تعرف إنارة الشوارع إلا في ليالي الأعياد وكانت الحياة خارج البيوت غير مأمونة بالليل. وكان صغار المجرمين ينافسون في الكثرة الخنازير والبقر التي كانت تهيم في الطريق على غير هدى. ولم تكن هناك شرطة نظاميون، وكانت توقع عقوبات صارمة لردع الجريمة فقد كانت عقوبة السرقة الموت أو قطع الأذنين في حالة السرقة الخفيفة. وكانت تقطع ألسنة الكفار والمجدفين أما المنفيون الذين يعودون إلى نومبرج دون مبرر شرعي فكانت تسمل عيونهم. وكانت النساء اللاتي يقتلن أزواجهن يدفن أحياء أو يعذبن بملاقط تسخن إلى درجة الاحمرار ثم يشنقن. ومن بين آلات التعذيب التي عرضت فيما مضى في شلوس أو قلعة نورمبرج صناديق ممتلئة بأحجار مدببة يسحق بها جسد الضحية وتروس تمد بها أطرافها ومواقد لحرق كعوب أقدامها وإطارات مدببة من الحديد لثنيها من الجلوس أو الاستلقاء أو النوم ثم العذراء
الحديدية الملعونة التي كانت تستقبل المحكوم عليه بذراعين من الصلب وتحيطه بهما في حضن شائك ثم ترخي ذراعيها وتدعه يسقط دامي الجسد من أثر اختراق المسامير محطم العظام ليموت موتاً بطيئاً في جب تدار فيه مدى وقضبان مدببة.
وساوت الأخلاق السياسية الأخلاق العامة في انحلالها فتفشت الرشوة وبلغت أقصاها في قمة الكيان الاجتماعي، وشاع الغش في السلع وذلك على الرغم من دفن رجلين وهما على قيد الحياة في نورمبرج لغشهما النبيذ (1456)، وكانت التجارة - التضحية بالأخلاق في سبيل المال - قوية في جميع الأعمار، فالمال لا الإنسان هو مقياس كل شئ، ومع ذلك فإن هؤلاء الأوساط المتزاحمين المتدافعين من المواطنين تبرعوا بمبالغ كبيرة على سبيل الإحسان. وكتب لوثر: "في العهود البابوية كان الناس يتبرعون بكلتا اليدين في جذل وبولاء عظيم. كانت السماء تمطر صدقات وإنشاءات وهبات. كان أجدادنا من السادة والملوك ومن الأمراء وغيرهم من الشعب، يتبرعون بسخاء، أجل، إلى درجة تغمر كل شئ، للكنائس والأبرشيات والمنح الدراسية والمستشفيات، ومن دلالات هذا العهد الدنيوي أن كثيراً من تركات المحسنين أو قفت" لا على الهيئات الدينية فحسب" ولكن على مجالس المدن لتوزيعها على الفقراء.
وأصبحت الأخلاق أشد جفاء في فرنسا وإنجلترا وفي ألمانيا أيضا عندما خلفت حكومة السراة بالمال حكومة الأرستقراطية بالميلاد في السيطرة على الاقتصاد. وكان السكر رذيلة وطنية وقد ندد به كل من لوثر وهوتن على الرغم من أن هوتن فضله على "مخاتلة الإيطاليين وسرقة الأسبان وزهو الفرنسيين" ولعل بعض الانغماس في الشراب يرجع إلى التوابل الحريفة التي استخدمت في إعداد وجبات الطعام. ولقد أعوز
التهذيب آداب المائدة ووصلت "الشُّوَك" إلى ألمانيا في القرن الرابع عشر ومع ذلك فقد آثر الرجال والنساء أن يستخدموا أصابعهم في تناول الطعام. بل ان واعظا في القرن السادس عشر أدان "الشوَك" باعتبارها مخالفة لإرادة الله " الذي لو كان يريد منا أن نستخدم الشوك لما منحنا أصابع".
وكان اللباس فخماً، أما العمال فكانوا يكتفون بارتداء قلنسوة أو قبعة من اللباد وقمصان قصيرة وسراويل متداخلة - أو تحشر في أحذية طويلة الرقبة، وكانت الطبقات الوسطى تضيف إلى هذه الملابس صدرية وسترة مفتوحة مبطنة أو تزين حوافها بالفراء. وكان ذوو الأنساب يدخلون في منافسة محمومة مع جامعي الجلدرات في روعة ثيابهم. وكانت قبعات الرجال عند هاتين الطبقتين عبارة عن لفائف معقدة متسعة من القماش الثمين تزين حافاتها أحيانا بالريش أو الشرائط أو اللآلئ أو الذهب، أما القمصان فكانت من الحرير غالبا، كما كانت الأثواب الخارجية الزاهية تبطن بالفراء وربما تخللها خيوط من الفضة. وكانت الثريات من النساء يضعن على رؤوسهن تيجانا من الذهب أو قلانس مطرزة بالذهب ويضفرن شعورهن بخيط ذهبي، وأما العذارى الخفيرات فكن يغطين رؤوسهن بمناديل من الموسلين يربطنها تحت الذقن.
وقد زعم جايلر فون كايزرسبرج أن النساء الأنيقات كن يمتلكن خزائن للملابس تقدر بنحو 4000 فلورين (10.000 دولار؟) وكان الرجال يحلقون ذقونهم ويعنون بشعر رؤوسهم ويعنون بتعهد ضفائرهم. لاحظ خصلات شعر ديرر التي كانت موضع اعتزازه وخصائل شعر ماكسمليان الجميلة. واتخذت الخواتم شعارا على الطبقة الاجتماعية أو للتخييل بالانتماء إليها كما هو الحال الآن، وقد قال كونرادوس سيلتس إن الأزياء تغيرت في ألمانيا بسرعة أكبر منها في أي مكان آخر، وحدث هذا كثيراً
في أزياء الرجال وفي أزياء النساء. وربما فاق الرجال النساء في فخامة الزي في مناسبات الأعياد.
وكانت المهرجانات متعددة وهي استمرار لروح القرون الوسطى المولعة بالتظاهر وعرض المرح مع تأجيل العمل والتحلل من الوصايا العشر. وكان عيد الميلاد لا يزال يتسم بالمسيحية على الرغم مما صاحبه من الآثار الوثنية. وأما شجرة عيد الميلاد فإنها ابتدعت في القرن السابع عشر.
وكانت كل مدينة تحتفل بمهرجان أو عيد لقديسها الحامي لها وكان الرجال والنساء يرقصون معا في الشوارع ويسود المرح الجميع وكأنه أمر محتوم، ولا يمكن لأي قديس أو واعظ أن يقلل من بهجة العربدة العنيفة. وكان الرقص يتحول أحيانا إلى جنون وبائي كما حدث في متيز وكولونيا واكس عام 1374 أو في ستراسبورج عام 1412. كان بعض من يعانون من رقصة سانت فيتوس في بعض هذه الحالات يلتمسون الشفاء من كانوا يعتقدون أنه مس شيطاني وذلك بالرقص حتى يسقطوا من الإعياء كما يفعل بعض الشبان المتهوسين اليوم. ووجد الرجال متنفسا لغرائزهم في الصيد والقنص أو في ممارسة رياضة المبارزة القاتلة. وكان آلاف الرجال والنساء يسافرون متذرعين غالبا بحجة التردد على مزار وينتقلون في ابتهاج أليم على صهوة الجياد أو على ظهور البغال أو في عربات أو على مقاعد تحمل على الأكتاف ويتحملون مشاق الطرق غير الممهدة والخانات القذرة. وكان بعض الأشخاص المرهفي الحس يسافرون كلما أمكنهم ذلك، بالقارب على صفحة نهر الراين ونهر الدانوب أو على غيرهما من مجاري الماء في وسط أوروبا. وما إن حل عام 1500 حتى كانت هناك خدمة بريدية متاحة للجميع تربط المدن الكبرى.
والكل معا في الصورة رجل واحد من شعب قوي ناشط سعيد
لا يرضى بعد أن يرسف في أغلال الإقطاع أو ظلم روما. وقد غلب بالاعتزاز بالقومية الألمانية كل انقسام سياسي، وكبح جماح الأباطرة الذين رأوا أنفسهم فوق الوطن، والبابوات الذين اعتقدوا أنهم فوق الطبيعة، وهكذا قدر للإصلاح الديني أن ينتصر على الإمبراطورية الرومانية المقدسة وعلى البابوية أيضا. وفي عام 1500 نشبت الحرب بين التيوتون والرومان وكان النصر مرة أخرى حليف ألمانيا كما حدث في القرن الخامس من قبل.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق