إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1153 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> إنجلترا في القرن الخ -> الإنسانيون الإنجليز 7-الإنسانيون الإنجليز


1153

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> إنجلترا في القرن الخ -> الإنسانيون الإنجليز

7-الإنسانيون الإنجليز


يجدر بنا ألا ندهش من أن وفرة الدراسة للكلاسيات في إيطاليا لعهد كوزيمو ولورنزو دي مدتشي، لم تثر إلا صدى ضئيلاً في إنجلترا، التي كان تجارها لا يعبأون بالأدب إلا قليلاً، والتي كان نبلاؤها لا يخجلون من أميتهم على الرغم من ثرائها. ورأى السير توماس مور: في مطلع القرن السادس عشر أن أربعين في المائة من الشعب الإنجليزي فقط يستطيعون القراءة. وكانت الكنيسة، والجامعات التي تسيطر عليها، هي التي ترعى الدارسين وحدها. وإلى إنجلترا يرجع الفضل في أن رجالاً أمثال جروسيني وليناكر ولانيمير وكوليت: استطاعوا، في هذه الظروف، وتحت وطأة الحرب المدمرة الضارية، أن يقتبسوا من الشعلة الإيطالية: وأن يحملوا قدراً كافياً من ضوئها وحرارتها إلى إنجلترا، فيجعل ذلك رجلاً مثل أرازمس الحكم الفيصل في الأدب يشعر بأنه في وطنه عندما هبط الجزيرة عام 1499. ووقف الإنسانيون أنفسهم، على دراسة الثقافتين الوثنية والمسيحية على السواء، فأنكرتهم قلة غير ناضجة من "الطرواديين" الذين خافوا أن تأتي هؤلاء اليونان "بالنفائس من إيطاليا، ولكنهم وجدوا من يدافع عنهم بشجاعة ومن يصادقهم بين أكابر رجال الكنيسة، أمثال وليم الوينفليتي، أسقف ونشستر ووليم ورهام رئيس أساقفة كانتربري وجون فيشر، أسقف

روشستر، وفيما بعد توماس كاردينال وُلـْسي، رئيس قضاة إنجلترا.
واستشعر بعض الدارسين من الإنجليز، منذ زيارة مانويل شريسو لوراس، (1408) لإنجلترا بحمى لا يطفئها في نظرهم غير الرحلة إلى إيطاليا للدراسة أو المجون، ولقد عاد همفري، دوق جلوسستر، من إيطاليا، مغرماً بالمخطوطات، وجمع مكتبة، أثرت فيما بعد، مكتبة بودليان. ودرس جون تيتوفت، إيرل جوارينو الفيروني في فيرارا وجون أرجيرو بولوس في فلورنسه.ثم عاد إلى إنجلترا وبين يديه من الكتب أكثر مما في نفسه من الفضائل. ودرس الراهب وليام تيلي من عام 1464-1367 في بادوا وبولونيا وروما، وأحضر معه كثيراً من الآثار الكلاسية، ثم أخذ يدرس اللغة اليونانية في كانتربري.
وكان توماس ليناكر أحد تلاميذه المتحمسين هناك. ولما عاد تيلي، (1487) إلى إيطاليا، اصطحبه ليناكر معه، وظل اثنتي عشرة سنة. ودرس في فلورنسة على بوليتيان وشالكوند يليز وحقق كتباً يونانية لالدس مانوتيوس، وعاد إلى إنجلترا متبحراً في فروع مختلفة من المعرفة، حتى استدعاه الملك هنري السابع، ليؤدب آرثر، أمير ويلز. وأوجد مع جروسين ولاتيمر في أكسفورد "حركة أكسفورد" لإحياء اللغات والآداب القديمة، فألهمت محاضراتهم جون كولت وتوماس مور، واجتذبت أرازمس نفسه. وكان ليناكر أشهر الإنسانيين الإنجليز، يجيد اللغتين اليونانية واللاتينية، وترجم جالينوس، وارتقى بالطب العلمي، وأسس الكلية الملكية الأطباء وأوقف ثروته على تمويل كراسي أستاذية الطب في أكسفورد وكمبردج. وقال أرازاموس، إن الفضل يرجع إليه، في أن الدراسة الجديدة، بلغت من الاستقرار في بريطانيا، حظاً لا يحتاج معه أي إنجليزي إلى أن يرحل إلى إيطاليا في سبيل العلم.

وكان وليم جروسين قد بلغ الأربعين عندما انضم إلى ليناكر في فلورنسه. فلما عاد إلى إنجلترا عام 1492، استأجر غرفاً في كلية أكستر وفي أكسفورد وكان يحاضر عن اللغة اليونانية، على الرغم من احتجاج المحافظين الذين كانوا يرتعدون خشية، أن تقضي النسخة اليونانية الأصلية للعهد الجديد على ترجمة جيروم اللاتينية الشائعة وهي التي ظلت الحجة ألف سنة، ولكن جروسين أكد من جديد، أنه صحيح المعتقد، مستقيم إلى حد التزمت. ولم ينشأ في نفس الإنسانيين الإنجليز أي عداء للمسيحيين حتى العداء المضمر الخفي، كما حدث لبعض الدارسين في عصر النهضة الإيطالية، ولقد حرص هؤلاء الإيطاليون على التراث المسيحي، وجعلوه مقدماً على جميع عناصر التربية العقلية، ولم يجد أشهر هؤلاء، حرجاً من تولي منصب نائب مطران كنيسة سانت بول.
ولقد كان جون كولت أكبر أبناء سير هنري كولت، وهو تاجر غني أنجب أثنين وعشرين طفلاً وتولى منصب عمدة لندن مرتين. وفي أكسفورد مست الشاب، جذوة الإنسانيين من ليناكر وجروسين "فالتهم بشغف" كتب أفلاطون وأفلوطين وشيشيرون روحل عام 1493 إلى فرنسا وإيطاليا، وقابل أرازمس وبوديه في بالريس، وتأثر بسافونارولا تأثراُ عميقاً في فلورنس، وهاله نزق الكرادلة والبابا اسكندر السادس وتحررهم في روما. ولما عاد إلى إنجلترا، ورث ثروة أبيه، وأصبح من اليسير عليه أن يحرز مكانة مرموقة في السياسة، ولكنه آثر حياة الدرس في أكسفورد وتجاهل التقليد القديم الذي يجعل تدريس علوم الدين وقفاً على القساوسة وأخذ يحاضر أهل روما عن إنجيل القديس بولس، فأحل النقد والشرح للنص الشائع،

محل الحذلقة والجدل، وانتعشت جماهيره الغفيرة بطرافة منهجه، وبتركيزه على الحياة الفاضلة باعتبارها أسمى علوم الدين، ولقد وصفه أرازموس الذي رآه في أكسفورد عام 1499، بأنه قديس تغريه الشهوة والترف دائماً، ولكنه "احتفظ بزهرة عذرته إلى وفاته" واحتقر الحياة اليسيرة التي يعيشها الرهبان في زمانه، وأوصى بثروته للأعمال الدينية والخيرية.
وكان يمثل معارضة الكنيسة مع ولائه لها، فقد أحبها على الرغم من أخطائها. وتسائل عن الصدق الحرفي لسفر التكوين، ولكنه قبل القول بأن الكتاب المقدس منزل بالوحي. وسبق المصلحين الدينيين بتأكيده صحة الكتب المقدسة على روايات الكهنوت وأشكاله، ورفضه أن تكون الفلسفة المدرسية للقرون الوسطى، المزيج العقلي المخفف للمسيحية البسيطة، وشكه في قدرة القسس على التطهير بالاعتراف، ووجود المسيح بالفعل في القربان، وفي استنكار الحياة الدنيوية التي يعيشها رجال الدين:
"ولو أن الأسقف الأكبر، الذي نسميه البابا... كان أسقفاً بحق، لما فعل شيئاً بنفسه، ولكن الله فيه هو الذي يفعل. فإن حاول شيئاً بنفسه، فإنه يكون نافث سم.... لقد حدث هذا كثيراً بالفعل منذ سنوات طوال، وازداد في هذه الأيام زيادة كبيرة، حتى سيطر على جميع أعضاء الكنيسة المسيحية، وإذا لم يقبض المسيح بيده على كنيستنا الممعنة في الاضطراب فإنها تشرف على الموت.....، إن أولئك القساوسة اليائسين، الذين يوجد منهم في هذا العصر كثرة هائلة ليترددون في الفجور الشنيع، فهم لا يخشون الخروج من بطن بغي حقيرة إلى هيكل الكنيسة وإلى مذبح المسيح وإلى الأسرار الإلهية.. ولسوف تحل عليهم نقمة الله في يوم من الأيام.

وفي عام 1504 نصب كولت نائباً امطران كنيسة سانت بول، ومن هذا المنبر الرفيع عارض بيع الأسقفية، والفساد الناجم عن قوامة رجل واحد على موارد كنائس متعددة. وأثار بآرائه هذه معارضة عنيفة، ولكن ورهام كبير الأساقفة، عمل على حمايته. وكان ليناكر وجروسين ومور، قد استقروا وقتذاك في لندن وقد برئوا من جمود أكسفورد وتعصبها القديم، وشحذت عقولهم زيارات أرازموس وسرعان ما حظوا بتأييد الملك هنري الثامن. وبدا أن كل شيء ممهد لنهضة إنجليزية، ستتحرك مصطحبة، إصلاحاً دينياً سليماً.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق