1149
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> إنجلترا في القرن الخ -> الأخلاق والطباع
3-الأخلاق والطباع
كتب سفير البندقية حوالي عام 1500، تقريراً إلى حكومته:
"معظم الإنجليز-سواء أكانوا رجالاً أم نساءً، وفي جميع الأعمار-حسان وأجسامهم ممشوقة.. وهم يحبون أنفسهم حباً عظيماً، ويحبون كل شيء يتعلق بهم ويعتقدون، أنه ليس في الناس سواهم، وليس هناك عالم آخر سوى إنجلترا، وكلما رأوا غريباً جميلاً قالوا "إنه يشبه الإنجليزي، ومن الأسف الشديد أنه ليس كذلك".
وقد يجيب الإنجليز، بأن معظم هذا الوصف، بشيء من التعديل الضروري ينطبق على كل الشعوب.. ومن المؤكد أنهم كانوا شعباً قوياً في الجسم والأخلاق والحديث. وهم يقسمون بحرارة حتى إن جان دارك أسمتهم دائماً الملاعين.
وكان النساء أيضاً يتكلمون ببساطة، ويتحدثن عن مسائل فسيولوجية وجنسية بحرية، قد تذهل السفسطائيين اليوم. ومزاجهم كحديثهم خشن مفحش. وطباعهم جافية، حتى عند الطبقة الأرستقراطية، وعليهم أن يدربوا ويستأنسوا، بقانون سلوكي صارم. ولقد نشأت الروح الشهوانية التي اتسم بها الإنجليز في عهد أليزابث في القرن الخامس عشر، نتيجة لحياة يكتنفها الخطر والعنف والقحة. وكان على كل امرئ أن يكون شرطي نفسه، مستعداً أن يقابل الصفعة بالصفعة، وأن يقتل عند الضرورة برباطة جأش. وهؤلاء الحيوانات القوية نفسها يمكن أن تكون كريمة، شهمة ورقيقة في بعض الأحيان. فلقد بكى محاربون جفاة، عندما مات سيرجون تشاندوس وهو فارس مغوار، وتظهر رسالة مارجريت باستون إلى زوجها المريض (1443)، كيف يكون الحب، لا عصر له ولا يضارعه شيء.
ويجب أن نذكر أن هذه السيدة نفسها، قد هشمت رأس ابنتها، عندما رفضت أن تتزوج من اختاره أبوها.
ونُشّئت البنات في حصانة رصينة واحتشام، لأن الرجال كانوا حيوانات مفترسة، وكانت العذرة عدة اقتصادية في سوق الزواج. ويعد الزواج حادثاً من أحداث تنقل المتاع. فالفتيات قد يتزوجن زواجاً شرعياً في سن الثانية عشرة، والصبيان في سن الرابعة عشرة، حتى بغير موافقة والديهم، ولكن الخطبة كانت تعد في الطبقات العليا تعديلاً للمعاملات المالية، بواسطة الآباء والأمهات، عقب بلوغ الأطفال السنة السابعة من العمر مباشرة. وما دام زواج الحب شاذاً، والطلاق محرماً، فقد شاع الزنا، وبخاصة في الطبقة الأرستقراطية. ويقول هولنشد: "لقد سادت هناك، الرذيلتان الوبيئتان السكر والزنا، مع الفحش البغيض، وبخاصة عند الملك" واختار إدوارد الرابع، بعد أن مر بتجارب عديدة في الحب، جين شور، لتكون الحظية الأثيرة لديه. وقد خدمته بإخلاص نزق، وأثبتت أنها صديقة رحيمة في البلاط لكثيرين من ذوي الحاجات. ولما مات إدوارد، أرغمها رتشارد الثالث أن تجوب شوارع لندن، في ثوب الندم الأبيض وربما كان ذلك استعراضاً لآثام أخيه، وإخفاء لآثامه هو؛ وعاشت حتى بلغت أرذل العمر، محتقرة من أولئك الذين ساعدتهم.
ولم يحدث في التاريخ المعروف إطلاقاً أن شعباً كان يماثل الإنجليز (الذين يتشبثون بالقانون اليوم) في استهتارهم إذ ذاك بالقانون إلى حد بعيد. ولقد جعلت الحرب المائة سنة الناس قساة مستهترين، واستمر النبلاء بعد عودتهم من فرنسا، يحاربون في إنجلترا، واستخدموا جنوداً مسرحين في منازعاتهم. وشارك أبناء الطبقة العليا، التجار الجشعين الذين داسوا كل فضيلة للحصول على المال. وكانت السرقات لا تحصى. وباع التجار الرديء من السلع واصطنعوا الزائف من الموازين، وكاد
التدليس في نوع الصادرات ومقدارها يقضي على تجارة إنجلترا الخارجية، في فترة من الفترات. واستغلت التجارة في البحار القرصنة، وكانت الرشوة عامة أو تكاد: وقلما يحكم القضاة دون أن يحصلوا على "هدايا"، وكان جباة الضرائب يرشون، تيسيراً للتخلص منها، ويطلب إلى الضباط المجندين مثل فولستاف الذي صوره شكسبير، أن يتغاضوا عن مدينة من المدن، فقد استطاع الأعداء، أن يشتروا جيشاً إنجليزياً، كان يغزو فرنسا، واشتد جشع الناس للمال وقتذاك إلى حد الجنون كما هو الآن، وأنكر شعراء مثل تشوسر الجشع في شعرهم، ولنهم مارسوه في واقع حياتهم وكان من الممكن أن يتقوض الكيان الأخلاقي للأمة، لولا أن أسسه قد دعمتها حياة البساطة التي اتسم بها الرجل والمرأة في الطبقة العامة، ففي الوقت الذي كان فيه من هم أفضل منهم، يدبرون الحروب والشرور لذلك العصر، احتفظ هؤلاء العامة بالحياة المنزلية وحافظوا على الجنس.
وعاشت جميع الطبقات، ما عدا التجار والعمال، في الريف أطول مدة يستطيعونها كل سنة. وتحولت القلاع التي لم تعد حصينة، بعد انتشار المدفع، ببطء إلى منازل كبيرة. وحل الآجر محل الحجر، ولكن البيوت المتواضعة، كانت لا تزال تقام من الخشب والطين. وفقدت الردهة الوسطى، مساحتها وفخامتها القديمتين وهي التي كانت تستعمل في يوم من الأيام لجميع الأغراض، وتقلصت إلى دهليز يؤدي إلى غرفة معيشة كبيرة، وغرف صغيرة، وقاعة استقبال للحديث الخاص. وضعت السجاجيد على جدران بيوت الأغنياء، وأضاءت النوافذ، وهي من زجاج ملون في بعض الأحيان المدخل الذي كان مظلماً من قبل. أما دخان المواقد الذي كان يترسب قبلاً من النافذة والباب والسقف، فقد جمع في مدخنة، ومدفأة ضخمة تزين غرفة المعيشة. وقد تعلقت السقوف بالخشب والأرضيات بالبلاط، في حين ظلت السجاجيد قليلة نادرة. إذا نحن صدقنا أقوال إراسموس التي يغلب فيها الجانب الأدبي على الدقة في التصوير.
"كانت جميع الأرضيات تقريباً من الصلصال، مفروشة بحصير من حلفاء المستنقعات، وقليلاً ما تجدد حتى إن الأسس تظل عشرين سنة، تردد أسافلها بالبصاق والقيء من الناس والكلاب والنبيذ والجعة، وبقايا السمك وغيرها من القاذورات التي لا تسمى، ويتصاعد منها، بتغير الفصول، بخار غير صحي في رأيي".
وكانت المخادع فخمة مزينة بالنقوش المحفورة ، ومزودة بالأغطية عليها رسوم أزهار وتعلوها كُنَّة. كما كانت مائدة الطعام، في المنازل المريحة، فنية ضخمة رائعة، بنقوشها البارزة من خشب الجوز أو البلوط ويقوم بالقرب منها، أوفي القاعة بصفة عامة، صوان للأواني أو الفضيات والتحف حيث ترتب للعرض أو الزينة. ونظمت ردهة الجلوس التي أعدت في الأصل للحديث، لتناول الطعام.
وكانوا يتناولون وجبات الطعام الرئيسية نهاراً، وذلك للاقتصاد في زيت الإضاءة و"الغداء" في الساعة العاشرة صباحاً، والعشاء في الخامسة مساءً. وحرص الرجال على ارتداء قبعاتهم عند الجلوس إلى المائدة، ليمنعوا شعورهم الطويلة، من مخالصة الطعام. واحتفظ بالشوك لأغراض خاصة مثل تناول الكامخ أو تجمير الجبن، وظهر استعمال الإنجليز لها على النمط الحديث، أول مرة عام 1463، أما السكين، فقد كان الضيف هو الذي يأتي بها معه، يحملها في جراب، معلق بمنطقته، ويتطلب آداب السلوك إذ ذاك أن يصل الطعام إلى الفم، بواسطة الأصابع. ولم تكن المناديل مستعملة، حتى منتصف القرن السادس عشر، فقد كان على الرجال أن يتمخطوا باليد التي تمسك السكين بدلاً من تلك التي تنقل الطعام إلى الفم. وكانت الفوط غير معروفة، ويحذر الطاعمون بألا ينظفوا أسنانهم بغطاء المائدة، وكانت الوجبات دسمة، ذلك أن الغذاء العادي لواحد من أصحاب الوجاهة، كان يتألف من خمسة عشر أو عشرين صحناً. واحتفظ اللوردات
العظام بموائد عظام، فقد كانوا يطعمون يومياً، مائة من الندماء والزوار والحشم، وكان وروك صانع الملك يذبح ستة ثيران كل يوم لمائدته، وأطعم أحياناً خمسمائة مدعو. وكانت اللحم هي الطعام القومي والخضرات نادرة أو غير مجبوبة. والجعة هي الشراب القومي، ولم يكن النبيذ موجوداً أو منتشراً، كما كان الحال في فرنسا أو إيطاليا بيد أن المسموح به من الجعة، هو جالون للفرد كل يوم حتى الراهبات. وقال السير جون فورتسكيو (توفي عام 1470) "لا يشرب الإنجليز الماء، إلا في أوقات معينة لأغراض دينية. أو للتكفير عن الذنب".
وكان الرداء فاخراً عند الطبقة الأرستقراطية. أما البسطاء فكانوا يرتدون جلباباً فضفاضاً وقلنسوة، أو معطفاً قصيراً لايئم العمل، وكلف الموسورون بالقبعات المكسوة بالفراء أو الريش، وأردية مزينة بالزهور، أو سترات مزركشة تنتفخ عند الأكمام، وجوارب طويلة، شكا منها قسيس تنشوسر بقوله "تظهر الساقين في صورة مفزعة منتفخة ينفتق إحداها عن الأخرى بالإضافة إلى أرداف.. وكأنها الجانب الخلفي من قردة في ليلة مقمرة". وارتدى تشوسر نفسه عندما كان تابعاً في حاشية الملك، سترة مشعة وجوربين أحدهما أحمر والآخر أسود. واختفت في القرن الخامس عشر الأحذية المدببة، التي شاعت في القرن الرابع عشر، واستدارت الأحذية واتسعت عند الإصبع الكبير من القدم. أما "زي النساء" فهو يثير السخط، وعلى الرغم من أن محيا بعضهن، ينم على العفة والطيبة الكاملتين، إلا أنهن يبرزن بقلة ردائهن غير المتناسق فتنتهن ودلالهن". ومع ذلك، فإن الصور التي وصلت إلينا، تظهر الجنس المثير، وقد حبس بإحكام في حشد من الملابس من قمة الرأس إلى أخمص القدم.
وتراوحت ألعاب التسلية في الداما والشطرنج، إلى النرد، ومن صيد السمك إلى قنص الوحوش، ومن رمي السهام إلى المبارزة. ودخلت لعبة
الورق إلى إنجلترا حوالي نهاية القرن الخامس عشر، وهم لا يزالون يلبسون ملوكهم وملكاتهم، على طراز ذلك العصر. وكان الرقص والموسيقى شائعين كالميسر، وكل إنجليزي تقريباً، يشارك في الأغاني الجماعية، ولقد نافس هنري الخامس جون دستيبل، مع أعاظم الملحنين في ذلك العهد . واعترفت القارة الأوربية بالمغنين الإنجليز. ولعب الرجال التنس، وكرة اليد وكرة القدم وغيرها من ألعاب الكرة القديمة ومي الأطواق، وتصرعوا وتلاكموا، وأعدوا الديكة للعراك، وتراهنوا وتحرشوا بالدببة والثيران. واحتشد الناس لمشاهدة البهلوان والسائرين على الحبال يعرضون فنونهم التي كانت تسري على القدماء، وتدهش المحدثين. واحتفظ الملوك والنبلاء بالمشعوذين والمضحكين والمهرجين، وكان الملك أو الملكة يعينان من يشرف على ألعاب ومشاهد عيد الميلاد، ومنحوه لقب لورد.والنساء يخالطن الرجال في حرية في كل مكان. يحتسين الخمر في الحانات، يركبن وراء كلاب الصيد، ويصدن الصقور، ويصرفن لمشاهدين عن المتصارعين في بعض الدورات، وهن اللائى قادتهن الملكة للتحكيم في رمي الأطواق ومنح التاج الذهبي.
وكانت الرحلة لا تزال مجهدة، وكلن ما من أحد استقر في داره، على ما يبدو-وذلك من مساوئ الزواج من واحدة. والطرق موحلة أو متربة، ولم يميز اللصوص بين عنصر جنس وطبقة أو مهنة. والفنادق بهيجة المنظر على الرغم من قذارتها تزدحم فيها الصراصير والفئران والبراغيث. ويجد كل رجل منهم بائعة هوى، وقلما تجد الفضيلة مخدعاً صالحاً لها هناك. يذهب الفقراء راجلين والأوساط على صهوات الخيل، في جموع مسلحة عادة، ويستعمل الأغنياء عربات، تجرها خيول مطهمة، ونسب ابتكارها إلى رجل مجري في قرية كوكر من أبناء القرن الخامس عشر. وكانت عربات اللوردات مزينة بالنقوش البارزة وموشاة ومذهبة، لها حشيات
وستائر وبسط، ومع ذلك فقد كانت أقل راحة من ظهور الإبل، وكانت تترنح كمركب صيد بشراع واحد. ولم تكن السفن خيراً مما كانت عليه في العصر القديم، ولعلها أسوأ حالاً، وأخذت السفينة التي جاءت بالملك جون من بوردو، إلى لندن عام 1357 اثني عشر يوماً.
وانتشرت الجرائم وبلغت المدن من الفقر حداً لا تستطيع معه، إلا أن تستخدم شرطة من المتطوعين غير المأجورين. ولكنه الذكور كان يطلب إليهم جميعاً أن يسهموا في "ملاحقة" مجرم هارب، وكان يبحث عن الموانع في الحكومات الصارمة من أجل القلة الذين يقبض عليهم، وكانت عقوبة السطو الاختلاس والحريق العمد وانتهاك حرمة المعابد المقدسة، كعقوبة القتل والتآمر، وهي الشنق على أقرب شجرة وتترك الجثة ردعاً للآخرين وطعمة الغربان. وانتشر التعذيب-كلل من المتهم والشهود-إبان حكم إدوارد الرابع، واستمر مائتي سنة. وكثر المحامون.
وقد يكون حكمنا على هذا العصر ممعناً في القسوة، متغافلين عن فظائع قرننا المتحضر. ولقد كان سير جون فورتسكيو القوام على العدالة في عهد الملك هنري السادس، أحسن ظناً بعصره، وكتب تمجيداً له مصنفين اشتهر في وقت من الأوقات. وفي محاورة امتدح قوانين إنجلترا. ومجد صحة المحاكمة بواسطة المحلقين، ونعى التعذيب، وكان مثاله، مثل الآلاف الفلاسفة، في تحذير الأمراء الذين يجدر بهم أن يكونوا خدام الشعب المعتصمين بالقانون. ولقد وازن في كتبه "الملكية" أو "حكومة إنجلترا" بين فرنسا وإنجلترا على أساس من العطفة الوطنية: فالناس من فرنسا قد يحكم عليهم بغير محاكمة علنية: وقلما يدعى مجلس الولايات للاجتماع. والملك يفرض الضرائب على الحاجات الضرورية كالملح والخمر. وبعد أن بالغ في تمجيد بلاده على هذا النحو، ختم السير جون كلامه بقوله إن جميع الحكومات، يجب عليها أن تخضع البابا ولو أدى ذلك إلى تقبيل قدميه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق