إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1146 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> بلاد الغال الخالدة -> فرانسوا فيون 4-فرانسوا فيون 1431-1480





1146


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> بلاد الغال الخالدة -> فرانسوا فيون

4-فرانسوا فيون


1431-1480


ومهما يكن من شيء، فإن هذا القرن من الصراع والفوضى قد أفزع، شاعراً فحلاً ومؤرخاً كبيراً. وكانت إحدى النتائج الطبيعية للاقتصاد القومي والحكومة مركزية، أن استعمل الأدب الفرنسي لغة باريس، أياً كان

موطن المؤلف: برجنديا أو بريتاني أو بروفانس. وكأنما أثرها فيليب دي كومين على اللاتينية، ليثبت أن الفرنسيين قد نضجوا، وسجل بها مذكراته. وا"تعار لقبه من كومين في فلاندر"، حيث ولد. وهو من أ"رة ممتازة، لأن الدوق فيليب الخامس كان اشبينه، ونشأ في البلاط البرجندي، ولما بلغ السابعة عشر (1564) كان بين موظفي كونت شاروليه. حتى إذا أصبح الكونت، شارل الجسور، وأسر لويس الحادي عشر في بيرون، لم يرضَ كومين عن سلوك الدوق، ولعله تنبأ بسقوطه، فتحول راشداً إلى خدمة الملك. فجعله لويس حاجباً له وأسبغ عليه الإقطاعيات، وأرسله شارل الثاني في وفادات دبلوماسية هامة. وأنشأ كومين في الوقت نفسه أثرين كلاسيين من الأدب التاريخي: أحدهما مذكرات وتاريخ الملك لويس الحادي عشر، وثانيهما تاريخ الملك شارل الثامن-وهما سرد نثري بلغة فرنسية واضحة بسيطة كتبهما رجل عرك الدنيا وشارك في الأحداث التي وصفها.
وهذان الكتابان شاهدان على الثروة غير العادية الأدب الفرنسي في المذكرات. ولهما أخطاؤهما: فالحرب تكاد تستغرقهما وليس فيهما من الطرافة والحياة ما في فرواسار أو فيلاارودين أو جوانفيل، وفيهما كثير جداً من عبارات حمد الله والثناء عليه، ذلك عند الإعجاب بسياسة لويس الحادي عش الغاشمة. وكثيراً ما ينقطع عن السرد ويتعثر في سقطات من اللغو. وعلى الرغم من هذا كله فإن كومين هو أول مؤرخ فلسفي: فهو يبحث عن العلاقة بين العلة والمعلول، ويحلل الشخصيات والحوافز والمزاعم ويحكم على الأخلاق حكماً موضوعياً ويدرس الأحداث والوثائق الأصلية ليوضح طبيعة الإنسان والدولة. ولقد سبق بهذه الملاحظات ميكافلي وجويكشيارديني في تقديره المتشائم للإنسانية في قوله: "لا الفعل الفطري، ولا معرفتنا، ولا حبنا لجارنا ولا شيء آخر غير هذا، يكفي دائماً لأن يمنعنا من استعمال العنف بعضنا مع بعض أو يحول بيننا وبين الاحتفاظ

بما كان معنا. أو يصرفنا عن اغتصاب أملاك الآخرين بكل الوسائل الممكنة.. والأشرار يصبحون أكثر شراً على معرفتهم، أما الأخيار فيزداد صلاحهم إلى أقصى حد".
وكان عنده، مثل مكيافلي، أمل في أن كتابه يعلم الأمراء الحيلة أو حيلتين قال:
" ولعل السفلة لا يزعجون أنفسهم بقراءة هذه المذكرات، أما الأمراء... فقد يقبلون عليها، ويجدون بعض المعارف التي تكافئهم على متاعبهم... لأنه على الرغم من أن الأعداء والأمراء ليسوا دائماً سواء، فإن، أعمالهم واحدة في العادة، ومن المفيد دائماً أن تخبر عما مضى.. فإن من أعظم الوسائل التي تجعل الإنسان حكيماً، أن يدرس التواريخ.. وأن يتعلم كيف يحدد ويلائم بين أحاديثنا وأعمالنا وبين النموذج والمثال اللذين كان عليهما أسلافنا. وما حياتنا إلا فترة قصيرة، غير كافية لتمدنا بالتجربة عن أشياء جد كثيرة".
واتفق شارل الخامس، أحكم الحكام المسيحيين في عصره، مع ديكومين ووصف "المذكرات" بأنها كتاب صلواته.
وفضل الجمهور القصص الخيالي والمسرحيات الهزلية والهجائيات وفي عام 1508 ظهرت النسخة الفرنسية من "أماديس دي جول" واستمرت حوالي عشر فرق تعرض مسرحيات الخوارق والأخلاقيات والهزليات والمساخر وهي حماقات تسخر من كل إنسان حتى القسس والملوك. وكان بيير جرنجور من أساتذة هذا الفن يكتب ويمثل هذه المساخر بحماسة ونجاح طوال جيل كامل. وأقدم مسرحية هزلية في الأدب الفرنسي هي "السيد بيير باتيلان، ولقد مثلت أول مرة حوالي عام 1464 كما مثلت بعد ذلك بأمد طويل عام 1872.وباتيلان محام فقير يتلهف على القضايا. وهو يلح على بائع صوف أن يبيعه ستة أذرع من الثياب ويدعوه إلى الغداء

معه في ذلك المساء ليتسم الثمن. فلما جاء التاجر، كان باتيلان في فراشه يئن من حمى مزعومة. ويصرح أنه لا يعرف شيئاً عن أذرع الثياب والغذاء. فينصرف التاجر مشمئزاً، فيلعن راعي أغنامه، ويتهمه بالتصرف سراً في بعض الخراف، ويجره أمام القاضي. وهنا يبحث الراعي عن محامٍ زهيد الأجر فبعثر على باتيلان، الذي دربه على أن يمثل دور الأبله وأن يجيب على جميع الأسيئلة بثغاء "الشاه" باء، وتحير القاضي من هذا الثغاء وارتبك من خلط التاجر في شكواه بين الراعي والمحامي، فأعطى فرنسا كلمة مأثورة تدعو فيها كل فريق وهي "فلنعد إلى هذه الأغنام" ولما يئس من الحصول على دليل منطقي في هذه الضجة، رفض القضية وطالب باثيلان المنتصر بأجره ولكن الراعي أجابه بثغاء الشاة "با"، ومكر الأبله بالمحتال البارع. وتتكشف لبقصة بكل ما في الروح الغالية من مهاترة. ولعل رابيليه قد ذكر باتيلان عندما فكر في بانورج، وموليير قد تقمص جرنجور والمؤلف المجهول لهذه المسرحية.
والشخصية التي لا تنسى في الأدب الفرنسي في القرن الخامس عشر هي شخصية فرانسوا فيون. فلقد كذب وسرق وغش وارتكب الفاحشة وقتل، مثله في ذلك مثل ملوك عصره ونبلائه، ولكنه كان أكثر تعقلاً. وبلغ الفقر منه مبلغاً جعله لا يملك حتى اسمه. ولقد ولد فرنسوا دي مونتكوربييه (1431) ونشأ في غمرات الطاعون والبؤس بباريس، وتبناه قسيس طيب اسمه جويوم دي فيون، فأخذ فرانسوا لقب هذا "الكفيل" فلطخه بالعار وأسبغ عليه الخلود في وقت واحد، وصبر جويوم على فرار الصبي من المدرسة وعبثه ودفع له نفقات تعليمه في الجامعة، واستراح في زهو عندما حصل فرنسوا على درجة ماجستير في الآداب (1452)، وزوده بالطعام والمسكن في أروقة كنيسة سانت بنوا ثلاث سنوات بعد ذلك منتظراً أن يبلغ الأستاذ مرحلة النضج.

وليس من شك في تحول فرنسوا من التقوى إلى الشعر ومن علوم الدين إلى السرقة قد أحزن جويوم وأم فيون وكانت باريس تزخر بالخلعاء والبغايا والدجالين والنشالين والشحاذين وحماة العاهرات والقوادين والسكارى، فما كان من الشاب المستهتر إلا أن اتخذ له أصدقاء في كل طائفة، وعمل ديوثاً فترة من الزمان. ولعله حصل من الدين فوق ما يطيق، ولم يسغ الحياة في الدير، فمن العسر بوجه خاص أن يستجيب ابن رجل الدين للوصايا العشر. وفي الخامس من يونيه عام 1455 بدأ "قسيس يدعى فيليب شرموي، العراك مع فرنسوا (كما يقول بنفسه)، وقطع شفته بمدية، فما كان من فيون إلا أن أصابه بجرح عميق في فخذه، ولم يمضِ أسبوع حتى كان فيليب قد أسلم الروح وأصبح بطلاً بين رفاقه، وخارجاً على القانون يطارده الشرطة، ففر الشاعر من باريس، وظل حوالي سنة مختفياً في الريف.
وعاد هزيلاً شاحباً، جامد الملامح وخشن البشرة، ساهر العين حذر الشرطة، يحطم الأقفال حيناً والجيوب أحياناً، يستشعر الجوع إلى الطعام والحب. وأصبح عاشقاً لصبيه بورجوازية، احتملته حتى تجد فارساً أخيراً منه، يتغلب عليه، فزاد حبه لها، ولكنه سجل ذكراه بعد ذلك بأنها "سيدتي ذات الأنف الأعوج". وأنشأ حوالي ذلك الوقت (1456) "العهد الصغير"، وهو أقصر وصاياه، الشعرية فقد كان عليه أن يفي بديون كثيرة وأن يصلح أخطاء كثيرة أيضاً، ولا يستطيع أن يتنبأ متى يختم حياته على حبل مشنقة. وهو يهجو عشيقته على قلة لحمها، ويبعث بجوربه الطويل إلى روبرت فاليه، "لكي يلبس خليلته رداء أكثر احتشاماً"، وأوصى لبرنيه مارشان "بثلاث حزم من القش أو العشب الجاف، ليضعها فوق الأرض العارية لينام عليها، ويمارس لعبة الحب"، ويمنح حلاقه "أطراف شعري وقصاصاته"، ويترك قلبه، محزوناً شاحباً ميتاً لا إحساس فيه، إلى التي "أبعدت عينها عني".

وبعد أن تجرد من كل هذه الثروة، وجد نفسه مفتقراً إلى الخبز واشترك ليلة عيد الميلاد عام 1460 مع ثلاثة آخرين في السطو على كلية نافار، وسرقت العصابة حوالي خمسمائة كراون. ولما اطمأن فرنسوا إلى نصيبه الكبير من هذه المغامرة استأنف إقامته في الريف. واختفى عن نظر التاريخ عاماً واحداً، ثم نجده في شتاء عام 1457 بين الشعراء الذين أكرم وفادتهم، شارل صاحب أورليان، في بلوا... وأسهم فيون في مباراة شعرية هناك، ولا بد أنه قد أمتع، لأن شارل أبقاه ضيفاً عليه أسابيع، وأفعم كيس الشاب الخاوي بالمال ، ثم حدثت بينهما مشادة أو مشاجرة قضت على صداقتهما، وعاد فرانسوا إلى عرض الطريق، ينظم قصيدة اعتذار. وتجول جنوباً إلى بورجس، واستبدل بقصيدة هدية من الدوق جون الثاني أمير بوربون، وطوف حتى بلغ روسلون. ونحن نتصوره من شعره، رجلاً يعيش على الهبات وتاديون، على الفاكهة والجوز والدجاج يلتقطها من المزارع على طوال الطريق، يتحدث إلى الفتيات الريفيات وبنات الهوى في الحانات. مغنياً أو مصفراً على الطريق الكبيرة، يراوغ الشرطة في المدن. ثم لا نقع له على أثر مرة أخرى، وإذا به يظهر فجأة بأحد السجون في أورليان (1460) وقد حكم عليه بالإعدام.
ولسنا نعرف ما الذي أوصله إلى هذا المصير، وكل ما نعرفه أن ماري أميرة أورليان ابنة الدوق الشاعر، دخلت في يولية من هذا العام المدينة رسمياً، وأن شارل احتفل بهذه المناسبة بأن أعلن عفواً عاماً عن المسجونين. فانتقل فيون من الموت إلى الحياة في نشوة من الفرح. وسرعان ما استبد به الجوع فعاد إلى السرقة، فقبض عليه وحوسب على فراره المتنكر قبل ذلك- وزج به في سجن ينفذ منه المطر في قرية مونج- سير- لوار بالقرب من أورليان. وعاش هناك شهوراً مع الجرذان والضفادع يعض على شفتهِ الممزقة، ويقسم ليثأر من عالم يعاقب اللصوص ويترك الشعراء يموتون
جوعاً. ولم يكن العالم كله قاسياً. فقد أصدر لويس الحادي عشر، وهو يمر في أورليان، عفواً عاماً آخر. وأختير فيون أنه أصبح حراً، فرقص على حصير السجن الفاند انجو . واندفع إلى باريس أو قريباً منها ونظم إذ ذاك وهو عجوز أصلع مفلس في الثلاثين. أعظم قصائده، التي أسماها ببساطة "الأناشيد"، وأطلق أعقابه عليها، وقد ودجدوا الكثير منها يصاغ مرة أخرى في صورة وصايا تهكمية با"م "العهد الكبير" (1461-1462).
وهو يهب نظارته إلى المستشفى للمكفوفين المعوزين حتى يميزوا "إن استطاعوا" الطيب من الخبيث والعظيم من الوضيع، بين العظام في مدافن الأبرياء. وسرعان ما استولت عليه إبان حياته فكرة الموت. فتفجع على زوال الجمال وتغنى بأنشودة جميلات الأمس:
قل لي أين، وفي أي أرض للظلال،

تقيم فلورا الجميلة من روما، وأين

تاييس وارشيبياد،

بنتا العم بجمالهما النادر

والصدى، وجماله الخارق

وهو الذي كلما ناداه المرء عند تدفق نهره

أو سار، أجاب من خارج الأرض؟

وماذا صار إليه جليد العام الماضي؟

وهو يرى خطيئة الطبيعة التي لا تغتفر، أن تفتننا بالمحبة ثم تذيبها بين أذرعنا. وأشد قصائد مرارة "مرثية الجميلة صانعة الخوذات":
أين ذلك الجبين الواضح البلوري؟

والحاجبان المقوسان والشعر الذهبي؟

العينان البراقتان، أين هذا الآن،

وقد فتن أحكم الحكماء؟

الأنف الصغير المستقيم الجميل،

والأذن الصغيرة الرقيقة البديعة،

أين الذقن الذي له طابع الحسن، وأين

والشفتان المضمومتان الحمراوان الواضحتان؟

ويستمر الوصف من فتنة إلى فتنة، ولم يترك شيئاً، ثم تذوي كل واحدة منها صلاة مرددة حزينة...
وتغصن النهدان وانقشعا،

وانسحب الردفان كالنهدين

ولم يعد الفخذان فخذين،

لقد ذبلت جميعاً كما ذبلت العضلات

ومن العجيب أنها تعني هنا المنبار المحشو، وهكذا لم يعد فيون يعشق الحب أو الحياة، فيوصي بجمسه إلى التراب:
إنني أهب جسمي، أيضاً

إلى الأرض، جدتنا

وستجد الديدان فيه مع ذلك غنيمة صغيرة؟

فقد أنهكه الجوع أعواماً طوالاً.

ويترك كتبه إلى أبيه الذي تبناه معترفاً بجميلهِ، وهدية وداعه لأمه العجوز، أنشودة متواضعة ينظمها للعذراء. وهو يطلب الرحمة للجميع إلا الذين زجوا به في السجن: الرهبان والراهبات والمهرجين والمغنين والحشم والشجعان، "أيها الماجنون الذين يبرزون كل مفاتنهم.. أيها المشاغبون والمحتالون والبهلوانات المرحة، والمهرجون يعرضون قردهم، وينشرون سجاجيدهم... الطيبون البسطاء الأحياء منهم والأموات-إنني أدعوا بالرحمة الشاملة، لكل فرد منكم وللجميع". وهكذا..
وهنا ختام عهد فيون (الكبير والصغير معاً).

ختام عهد فيون المسكين.. فعندما يطويه الموت،

أناشدكم أن تحضروا جنازته،

عندما يصلصل الجرس فوق الرؤوس..

أيها الأمير، الرقيق كصقر محول،

اسمع ما صنعه مع آخر زفراته،

لقد احتسى رشفة طويلة من رحيق النبيذ الأحمر،

عندما شعر باقتراب منيته.

وعلى الرغم من هذه الوصايا وتحيات الوداع، فإنه لا يستطيع أن يفرغ كأس الحياة متعجلاً. وفي عام 1462 عاد إلى جويوم دي فيون وأروقة الدين، وابتهجت به أمه. ولكن القانون لم يغفل عنه. وطلبت كلية نافار أن يقبض عليه، ووافقت على إخلاء سبيله يشرط أن يدفع نصيبه من السرقة، منذ ست سنوات-أي أن يدفع أربعين كراون سنوياً لمدة ثلاث سنوات. وكان سيئ الطالع في ليلة إخلاء سبيله. لوجوده مع اثنين من رفاقه المجرمين القدامى، عندما دفعهم السكر إلى شغب طعن فيه أحد القساوسة. ويبدو أن فيون كان لا مؤاخذة عليه في هذا الأمر، فانسحب إلى غرفته، وصلى ينشد الطمأنينة، ومع ذلك فقد فبض عليه مرة أخرى، فعذب بصب الماء في حلقه حتى كاد ينفجر، ومما أدهشه أن يحكم عليه بالإعدام شنقاً. ولبث في سجن ضيق، أسابيع، بين اليأس والرجاء وتوقع الموت لنفسه ولصاحبيه فأنشأ وداعاً مؤثراً للعالم:
أيها الناس، أيها الاخوة الذين يعيشون بعدنا،

لا تجعلوا قلوبكم جد قاسية علينا،

فإنكم إن منحتمونا نحن المساكين بعض حسراتكم،

فإن الله سرعان ما يأخذ عنكم هذه الحسرات.

نحن هنا خمسة أو ستة معلقون، كما ترون،

وهنا اللحم، الذي كان كله حسن الغذاء،

مأكولاً متعفناً قطعته بعد، مقطعاً ممزقاً،

ونحن العظام نصير مع الجمع إلى تراب ورماد،

لا تدعوا أحداً يضحك علينا نحن الأشقياء،

بل ادعوا إلى الله أن يغفر لنا جميعاً..

لقد غمرنا المطر وغسلنا نحن الخمسة جميعاً،

وجففتنا الشمس وأحرقتنا، نعم، هلكنا،

فالغربان والجوارح بمناقيرها التي تشوه وتمزق،

قد سلمت أعيننا، وانتزعت لحانا وحواجبنا

أجراً لها، لن نكون أحراراً أبداً،

ولا مرة واحدة، لنستريح، وإنما تتعجلنا هنا وهناك

وتستاقنا بإرادتها الغشوم الرياح المتقلبة،

وتنقرنا الطيور أكثر مما تنقر الفاكهة على أسوار البساتين،

أيها الناس، أقسم عليكم بحب الله، ألا تدعوا كلمة سخر تقال هنا،

ولكن ادعوا الله أن يغفر لنا جميعاً.

وكان لا يزال عنده بصيص من الأمل، فألح فيون على سجانه أن يحمل رسالة إلى أبيه الذي تبناه، ليحمل إلى محكمة البرلمان استئنافاً لحكم واضح الظلم. وتدخل جويوم دي فيون من أجل الشاعر مرة أخرى، وهو الذي يستطيع أن يغفر للناس مرات ومرات، فلا بد أن تكون للشاعر بعض الفضائل تشجع على حبه. وفي الثالث من يناير عام 1463، نطقت المحكمة بحكمها وأمرت بالآتي: .. يلغى الحكم السابق، وبعد أن وضعت

في الاعتبار سوء خلق فيون المذكور-ينفى عشر سنوات من المدينة.. وكونتية وباريس. فشكر فرانسوا المحكمة في نشيد مرح، والتمس مهلة ثلاثة أيام "للإعداد لرحلتي ووداع قومي". فسمح له بذلك، وأغلب الظن أنه رأى أباه وأمه للمرة الأخيرة. وجمع أمتعته، وأخذ زجاجة النبيذ وكيس النقود اللذين أعطاهما إياه جويوم الطيب، وتلقى بركاته وخرج من باريس ومن التاريخ. ولم نعد نسمع عنه شيئاً بعد ذلك.
كان لصاً، ولكنه كان لصاً مطرباً، والعالم في حاجة إلى الطرب. وكان يستطيع أن يكون فظاً مريراً كما في أنشودة "ماجو البدينة" ورمى النساء اللائى لا يستجبن لرغباته بالأوصاف المفحشة، وكان يتجاوز الحد في تصريحه بتفاصيل الجسم الإنساني. ونحن نستطيع أن نغتفر هذا كله من أجل الآثام التي اقترفت في مقابل آثامه، والرقة المنبعثة من روحه دائماً، الموسيقى الشجية في شعره. ولقد دفع عقوبة ما كان عليه، وخلف لنا المثوبة فقط.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق