إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 27 أبريل 2014

1133 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> فرنسا تحاضر -> المشهد الفرنسي الفصل الرّابع فرنسا تحاصر 1300 - 1461 1- المشهد الفرنسي


1133

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> فرنسا تحاضر -> المشهد الفرنسي

الفصل الرّابع


فرنسا تحاصر


1300 - 1461


1- المشهد الفرنسي


لم تكن فرنسا عام 1300 المملكة العظيمة التي تصل إليها حدودها اليوم من القناة الإنجليزية إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن الفوج والألب إلى المحيط الأطلسي. وكانت تصل شرقاً إلى نهر الرون فقط. ولقد ضمت في الجنوب الغربي، مساحة كبيرة-جوين وجاسكونيا-إلى التاج الإنجليزي بزواج هنري الثاني من اليانور من أسرة اكويتين (1152)، وفي الشمال أخذت إنجلترا إقليم بونثيو، ومعه ابيفيل، ومع أن الملوك الإنجليز استولوا على هذه الأراضي باعتبارها إقطاعيات، تابعة للملوك الفرنسيين إلا أنهم فرضوا عليها سيادتهم الكاملة. أما بروفانس والدوفينية والكونتية الحرة فقد كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكان أباطرتها من الألمان في العادة. ولقد حكم الملوك الفرنسيين حكماً غير مباشر، عن طريق أقربائهم الإمارات، فالوا وأنجوا وبوربون وأنجوليم. وحكموا حكماً مباشراً الربوع الآتية باعتبارها التزاماً ملكياً، وهي نورمانديا وبيكاردي وشامباني، وبواتو وأوفرن ومعظم لانجويدوك، وجزيرة فرنسا-وهي "الجزيرة" التي على الجانب الشمالي من وسط فرنسا وتتركز حول باريس. وكانت أرتو وبلوا ونيفبر وليموج، وأرمانياك ووفالنتينوا يحكمها سادة إقطاعيون يخضعون لملوك فرنسا خضوعاً اسمياً حيناً ويحاربونهم حيناً آخر. وكانت بريتاني وبرجنديا وفلاندرز إقطاعيات فرنسية، ولكنها كانت كما أسماها شكسبير "أقرب إلى الدوقيات الملكية"، تتصرف كأنها دول مستقلة في الواقع. ولم تكن فرنسا قد أصبحت فرنسا بعد.

وكانت أهم الإقطاعات الفرنسية وأكثرها تقلباً، في مستهل القرن الرابع عشر، كونتية فلاندرز. ولم تنافس إيطاليا في تقدمها الاقتصادي في أوربا بأسرها شمالي جبال الألب، سوى فلاندرز. وكانت حدودها تتذبذب في غير انتظام في الزمان والمكان، وحسبنا أن نشير إليها، بأنها الإقليم الذي يضم بروج وجنت وبيرز وكورتراي. وتوجد شرقي شيلد، دوقية برابانت، التي كانت تضم وقتذاك انتورب وميشلين (مالين) وبروكسل وتورناي ولوفين. وتقع جنوبي فلاندرز الأسقفيتان المستقلتان: لييح وكامبراي، وكونتية هانو حول فالنسين. وتضم فلاندرز ومع التوسع برابانت ولييج وكامبراي وهانو. وتقع إلى الشمال سبع مقاطعات صغيرة، تؤلف تقريباً هولندا كما نعرفها اليوم. ولم تستطع هذه الأقاليم الهولندية أن تبلغ أوجها حتى القرن السابع عشر، عندما اتسعت إمبراطوريتها، إذا صح التعبير، من رمبرانت إلى بتافيا. وكانت فلاندر وبرابانت عام 1300 قد خنقتها الصناعة والتجارة وحرب الطبقات ووصلت قناة، طولها اثنا عشر ميلاً بروجيس ببحر الشمال، تمخرها مائة سفينة كل يوم، تأتي بالتجارة من مائة ميناء في ثلاث قارات، ويعد اينياس سيلفيوس، مدينة بروجيس، واحدة من أجمل المدن الثلاث في العالم. وألف صاغة بروجيس، فرقة كاملة من حرس المدينة، ونساجو جنت، سبعة وعشرين فرقة من قواتها العسكرية، التي بلغ مجموعها 189.000 رجل.
وكانت المنظمة النقابية في القرون الوسطى، وهي التي منحت الصانع كرامة الحرية، والاعتزاز بالحذق، تفسح الطريق في صناعات النسيج والمعادن في فلاندرز وبرابانت لنظام رأسمالي يمد فيه الممول رأس المال

والمواد والآلات إلى عمال المصانع الذين يأخذون أجرهم بالقطعة، ولم تعد النقابة تحميهم وأصبح الالتحاق بالنقابة باهظاً، وأصبح آلاف العمال رجال تراحيل-عمال اليومية-يتنقلون من بلد إلى آخر، ومن مصنع إلى مصنع، ولا يجدون إلا عملاً مؤقتاً ويحصلون على أجور تفرض عليهم العيش في مساكن قذرة. ولا تسمح لهم إلا بالقليل من المتاع لا يتجاوز الملابس التي يرتدونها. وظهرت أفكار شيوعية بين العمال والفلاحين، وتساءل الفقراء، لماذا فرض عليهم أن يعيشوا جائعين وصوامع النبلاء ورجال الدين تطفح بالغلال؟ وحكم على جميع اللذين لا يعملون بأيديهم بأنهم من الطفيليين. وشكا أصحاب الأعمال بدورهم، من الخطر الذي يتهدد أموالهم، ومن عدم الاستقرار في الحصول على مواد الصناعة وموسميتها، ومن تعرض شحناتهم للغرق، وتذبذب الأسعار في السوق، ومن الحيل التي يلجأ إليها المتنافسون، والإضراب المتكرر الذي يرفع الأجور والأسعار، واضطربت العملة، فقلت أرباح رجال الأعمال، إلى حد العجز عن الوفاء بالديون. وناصر لويس دي نيفير أمير فلاندرز، أصحاب الأعمال. فثار العامة في بروجز وبيرز يؤيدون الفلاحين المجاورون، وخلعوا لويس، ونهبوا الكنائس، وذبحوا نفراً من أصحاب الملايين. فما كان من الكنيسة إلا أن أصدرت قراراً بحرمان المناطق الثائرة، ومع ذلك فقد أرغم الثائرون القساوسة على ترتيل القداس، وانتحل أحد الزعماء نشيداً يسبق ديودورو بأربعمائة وخمسين سنة، يقسم بأنه لم يقنع حتى يشنق آخر قسيس.. واستغاث لويس بمولاه، ملك فرنسا، فجاء فيليب السادس، وهزم القوات الثائرة في كاسل (1328)، وشنق عمدة بروجز، وأعاد المقاطعة، وجعل فلاندرز تابعة لفرنسا.
وكانت فرنسا على وجه العموم أقل تصنيعاً بكثير من فلاندرز، وبقيت أغلب صناعاتها في مرحلة العمل اليدوي، ولكن ليل ودوراي وكمبراي وأميين اقتبست صناعة النسيج من المدن الفلمنكية القريبة. وعوقت الطرق
السيئة والمكوث الإقطاعية التجارة الداخلية، بيد أنها أفادت من القنوات والأنهار التي ألفت شبكة من الطرق الطبيعية الكبيرة عبر فرنسا. وكانت طبقة رجال الأعمال النامية، المتحالفة مع الملوك، قد وصلت عام 1300 إلى مكانة رفيعة في الدولة، وإلى درجة من الثراء أذهلت الإقطاعيين، والنبلاء الفقراء جميعاً. وحكمت قلة من التجار المدن، وسيطرت على النقابات، وأمضت في تقييد الإنتاج والتجارة. وحدثت هنا، كما حدث في فلاندرز، ثورة كادحين في المدن.
فقد انتفض عام 1300 فلاحون فقراء، عرفوا في التاريخ بالرعاة، واصطخبوا في المدن، لما حدث عام 1251، وأخذوا يجمعون في انتفاضتهم العمال الكادحين المتمردين. وساروا جنوباً، يتزعمهم راهب ثائر، وأغلبهم حفاة عراة من السلاح، معلنين أن القدس غايتهم. ودفعهم الجوع إلى انتهاب الدكاكين والحقول، ولما تعرضوا للمقاومة، استطاعوا أن يحصلوا على الأسلحة، ويؤلفوا جيشاً. حتى إذا بلغوا باريس حطموا أبواب السجن، وهزموا قوات الملك. فحبس فيليب الرابع نفسه في اللوفر، وانسحب النبلاء إلى معقلهم، وجبن التجار في دورهم. وواصل الحشد سيره، وزاد عدد أفراده بانضمام المعدمين في العاصمة إليهم، حتى بلغوا أربعين ألفاً من الرجال والنساء ومن الأوباش والأتقياء. وذبحوا فردن وأوخ وتولز جميع من وقع في أيديهم من اليهود. ولما تجمعوا في ايجوز مورت، على البحر الأبيض المتوسط، أحدق بهم عمدة كاركاسون بقواته، وقطع عنهم المؤن، ولبث كذلك حتى مات جميع الثوار من الجوع أو الوباء، وشنق القليلين الذين بقوا منهم.
وأي نوع من الحكومة ذلك الذي يترك فرنسا، تحت رحمة الثروة الجشعة، والفقر الذي لا يعبأ بقانون؟ ولقد كانت حكومة فرنسا أقدر حكومة في أوربا من نواح كثيرة. فإن ملوك القرن الثالث عشر الأقوياء،

أخضعوا أمراء الإقطاع للدولة. وأنشأوا محكمة وإدارة قويتين، بموظفين مدنيين مدربين، واستدعوا للاجتماع في مناسبات مجالس مقاطعات أو مجالس عامة وكانت في الأصل تجمعاً عاماً لأصحاب المقاطعات، ثم أصبحت مجلساً استشارياً يتألف من مندوبين عن النبلاء ورجال الدين، والطبقة الوسطى. وأعجبي أوربا كلها بالبلاط الفرنسي، حيث اختلط الأمراء والنبلاء والفرسان الأقوياء بالنساء ذوات الأردية الحريرية، في الحفلات الطريفة، والمجون الرشيق، والمبارزات الصاخبة في برجاس لامع، ببريق الفروسية، ولقد وصف جون ملك بوهيميا باريس بأنها "أعظم مقر للفروسية في العالم" وجاهر بأنه لا يستطيع أن يعيش خارجها. أما بترارك الذي زارها عام 1331 فكان وصفه إياها أقل خيالاً: قال: "إن باريس مدينة عظيمة من غير شك ولو أنها دائماً أقل من شهرتها، وتدين كثيراً لأكاذيب أهلها عنها، والحق أنني لم أشهد مكاناً أقذر منها سوى افينيون. وتضم في الوقت نفسه أعلم الرجال، وهي كالسلة العظيمة تجمع فيها، أندر الثمرات في العالم. ولقد مر على الفرنسيين حين من الدهر، وصفوا فيه بأنهم برابرة لشراستهم. أما الآن، فقد تغير الحال تماماً. فإنهم يمتازون بمزاج مرح، وحب للمجتمعات، وسهولة وتلاعب في الحديث..وهم ينتهزون كل فرصة لإظهار امتيازهم، وشن الحرب على جميع الأعباء بالتندر والضحك، والغناء والأكل والشراب.
وخلف، فيليب الرابع، لابنه عام 1314 خزانة خاوية أو تكاد على الرغم من مصادرته التي تشبه القرصنة لأموال الداوية واليهود، ومات لويس العاشر بعد حكم قصير (1316) ولم يخلف وريثاً للعرش، وإنما خلف زوجة حاملاً. وما هي إلا فترة حتى توج أخوه باسم فيليب الخامس. وظهر فريق منافس يطالب بالعرش لابنته لويس جان، البالغة من العمر أربع سنوات، ولكن مجلساً من النبلاء ورجال الدين أصدر عام 1316

قراره المشهور الخاص بتوارث العرش وهو "أن القوانين والعادات المرعية بين الفرنج تستبعد البنات من وراثة العرش". ومات فيليب (1322) بلا ولد يخلفه، فطبقت القاعدة مرة أخرى لتحول بين ابنته وبين ولاية الملك، ونودي بأخيه ملكاً باسم شارل الرابع. والراجح أن القرار استهدف أيضاً أن يستبعد عن وراثة العرش إيزابل شقيقة فيليب الرابع، وهي التي تزوجت من إدوارد الثاني ملك إنجلترا، وأنجبت إدوارد الثالث عام 312، لأن الفرنسيين صمموا ألا يحكم فرنسا ملك إنجليزي.
ومات شارل الرابع بلا خلف من الذكور (1328) فانتهت بموته دولة الملوك من أسرة كابيتان وعرض إدوارد الثالث، الذي اعتلى عرش إنجلترا قبل ذلك بعلم، على مجلس النبلاء في فرنسا، مطالبته بالعرش الفرنسي، باعتباره حفيداً لفيليب الرابع، وأقرب الأعقاب الأحياء لهيوكابت، فرفض المجلس، على أساس أن أم إدوارد لا تستطيع أن تنقل إليه تاجاً استبعدت هي نفسها عنه بقرار التوريث الذي صدر عامي 1316، 1322. وفضل البارونات عليه ابن أخ لفيليب الرابع، وهو الكونت فالو، وبذلك يكون فيليب الرابع هو الذي بدأ أسرة فالو المالكة، التي حكمت فرنسا، إلى أن استهل هنري الرابع أسرة البربون عام 1589. واعترض على هذا الاختيار إدوارد، ولكنه جاء إلى "أمين" عام 1329، وأعلن خضوعه وأقسم يمين الولاء لفيليب الرابع باعتباره مولاه الإقطاعي على جاسكونيا وجويين وبونثيو. ولما أنضجت إدوارد السنون، وزاد دهاؤه، ندم على خضوعه وحلم مرة أخرى بالجلوس على عرشين في وقت واحد. وأكد له مستشاروه، بأن فيليب الجديد مستضعف، يدبر وشيكاً للخروج في حملة صليبية إلى الأراضي المقدسة. وظهر أن الوقت مناسب للبدء في حرب المائة عام.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق