1107
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الخاتمة -> أفول نجم البندقية -> تيشيان والملوك
الفصل الثالث
تيشيان والملوك
1530-1576
في عام 1530 وفي مدينة بولونيا عرَف أريتينو شارل الخامس بتيشيان. وكان الإمبراطور وقتئذ منهمكاً في إعادة تنظيم إيطاليا فجلس إلى تيشيان ليصوره وهو قلق نافذ الصبر، ودهش الفنان حين لم يعطه إلا دوقة واحدة (دولاراً ونصف دولار). فما كان من فيديريجو دوق مانتوا إلا أن نفح الفنان من جيبه الخاص بهبة سخية قدرها 150 دوقة تكملة لأجره. وما لبث الدوق في أثر في شارل أقنعه برأيه هو في تيشيان. ثم التقى الفنان والإمبراطور مرة أخرى في عام 1532،وفي خلال الأعوام الستة عشر التالية رسم تيشيان طائفة مدهشة من الصور للإمبراطور: رسم شارل في عدته الحربية الكاملة (1532 وقد ضاعت)؛ ورسمه في سترة موشاة بالقصب، وصدارة مطرزة، وسروال قصير أبيض، وجورب وحذاء، وقلنسوة سوداء، تعلوها ريشة بيضاء غير ملائمة لها (1533؟)؛ ورسمه مع الإمبراطورة إزبلا (1538)؛ ورسمه في حلة من الزرد براقة على جواد وائب، في واقعة موهلبرج Muhlberg (1548)- بلغت الذروة في جمال اللون والافتخار؛ ورسمه في ثياب سود، جالساً جلسة المفكر في إحدى الشرفات (1548). ومما يذكر بالفضل للمصور والمليك على السواء أن هذه الصور لا تحاول قط أن تجعل من موضوعها مثلاً أعلى إلا من حيث الملبس؛ فهي تكشف عن ملامح شارل غير الجذابة، وعن إهابه غير الحسن، وعن روحه المكتئبة، وعن بعض المقدرة على القسوة؛ ومع هذا فإنها تظهر الإمبراطور رجلاً ثقيل الأعباء، عظيم السلطان، ذا عقل بارد جامد، أخضع نصف أوربا لسلطانه. لكنه رغم ذلك يستطيع أن يكون رحيماً، وأن يكفر
بسخاء عن شحه الأول. من ذلك أنه بعث إلى تيشيان في عام 1533 ببراءة يعينه بها أميراً في قصره، وفارساً من طبقة المهماز الذهبي، وأصبح تيشيان من ذلك الحين مصور البلاط الرسمي لأقوى مليك في العالم المسيحي.
وكان تيشيان في هذه الأثناء قد بدأ يراسل فرانتشيسكو ماريا دلا روفيري دوق أربينو الذي تزوج اليونور جندسا، أخت فدريجو وابنة إزبلا. وإذ كان فرانتشيسكو وقتئذ القائد الأعلى لجيوش البندقية، فكثيراً ما كان هو والدوقة زوجته يأتيان إلى البندقية؛ وفيها رسم تيشيان صورهما: رسم فرانتشيسكو رجلا تسعة أعشاره مغطاة بالزرد (لأن تيشيان كان يحب بريقه) ورسم الدوقة امرأة شاحبة اللون مستسلمة لقدرها بعد أن انتابتها الأمراض. ورسم لها تيشيان على الخشب صورة مجدلية ليس فيها ما يجعلها جذابة إلا اختلاف الضوء واللون اللذين أضفاهما الفنان على شعرها الأصحم؛ ثم رسم لهما صورة أخرى جميلة؛ باللونين الأخضر والأسمر تعرف باسم La Bella "الجميلة" لا أكثر، وتوجد الآن في معرض بتي. ورسم تيشيان للدوق جويدوبلدو الثاني الذي خلف فيديريجو صورة من أعظم الصور العارية هي صورة فينوس أربينو (حوالي 1538). ويقال إن تيشيان كان له بعض اللمسات النهائية في صورة فينوس النائمة لأربينو؛ وهاهو ذا يقلد هذه الآية الفنية في كل شيء عدا ملامحها ومصاحباتها. وفيها ترى الوجه يعوزه الهدوء البريء الذي نشاهده في صورة جيورجيوني؛ ونشهد بدل المنظر الطبيعي الهادئ منظراً داخلياً من ستار أخضر، وجوخ بني، واريكة حمراء، كما ترى فتاتين تبحثان عن رداءين يبلغان من العظمة درجة تليق بإهاب السيدة الذهبي.
وانتقل تيشيان من رسم الدوق والإمبراطور إلى رسم البابا. ولم يكن البابا بول الثالث يقل في العظمة عن الإمبراطور: كان رجلا قوي الخلق،
عظيم الدهاء، ذا وجه طبع عليه جيلان من التاريخ. وقد وجد فيه تيشيان فرصة خيراً مما وجده في ملامح الإمبراطور الخفية التي لا تفصح عن شيء من نفسيته. وواجه بولس في بولونيا عام 1535 في شجاعة ما وجده في صورة تيشيان له من واقعية. وكان البابا وقتئذ في السابعة والستين من عمره، متعباً ولكن الأحداث لم تنل من قواه. وقد جلس أمام المصور في ثياب البابوية الفضفاضة، وأحنى رأسه الطويل، ولحيته العريضة، فوق جسمه الذي كان من قبل قوياً، وظهر خاتم السلطان واضحاً في يده الأرستقراطية. وهذه الصورة وصورة يوليوس الثاني تتنازعان تلك الميزة الكبرى وهي: أيهما أجمل وأعمق صورة في النهضة الإيطالية. وفي عام 1545 دعا البابا نيشيان وكان وقتئذ في الثامنة والستين من عمره إلى روما. وهيأ للفنان مسكن في بلدفير، وقدمت له المدينة جميع مظاهر التكريم؛ وعمل فاساري مرشداً له فأطلعه على عجائب روما في عهدها القديم وفي عصر النهضة، وحتى ميكل أنجيلو نفسه رحب به، وأخفى عنه في ساعة من ساعات المجاملة رأياً له عبر عنه لاصدقائه وهو أن تيشان كان يصبح مصوراً أعظم مما هو لو أنه تعلم الرسم(22). وهناك صور تيشيان البابا بولس مرة أخرى فأظهره أكبر سناً، وأكثر انحناء، وأشد قلقاً وضجراً مما كان قبل، بين اثنين من أحفاده الخانعين لم يلبثا أن خرجا على البابا بعد قليل. وهذه الصورة أيضاً من أعمق الصور التي أخرجتها يد تيشيان. وقد رسم كذلك لأحد هذين الحفيدين وهو أتافيو فارنيزي Ottavio Farnese صورة دانائي Danae الشهوانية المحفوظة في متحف نابلي. وأقام تيشيان ثمانية أشهر في روما سافر بعدها عائداً على مهل إلى البندقية عن طريق فلورنس (1546)، وهو يرجو أن يقضي فيها الأيام الباقية من حياته في راحة وسلام.
ولكنه لم يكد يتم العام حتى أرسل إليه الإمبراطور دعوة عاجلة يطلب إليه فيها عبور جبال الألب إلى أوجزبرج Augsburg. وأقام في هذه المدينة
تسعة أشهر رسم فيها للإمبراطور صورتين من الصور التي ذكرناها قبل، وخلد فيهما عظماء الأسبان والتيوتون أبناء الجبال مثل المنتخب جوهان فريدريخ السكسوني Elector Johann Eriedrlch والتقى تيشيان في زيارة أخرى لأوجزبرج (1550) بالأمير الذي أصبح فيما بعد فيليب الثاني ملك أسبانيا، ورسم له عدة صور؛ منها واحدة في البرادو Prado تعد من آيات التصوير في عهد النهضة. وأجمل من هذه على جمالها الصورة التي مثل فيها الإمبراطورة وإزبلا زوجة شارل البرتغالية. وكانت هذه الزوجة قد توفيت في عام 1539، ولكن الإمبراطور أعطى تيشيان بعد أربع سنين من وفاتها صورة لها وهي نَصَفٌ رسمها لها مصور مغمور، وطلب إليه أن يحيلها تحفة فنية رائعة. وربما كانت الصورة النهائية غير شبيهة بالإمبراطورة، ولكنها حتى إذا كانت إزبلا البرتغالية صورة خيالية فإنها يجب أن تكون في أسمى مرتبة من مراتب صور تيشيان: فهي ذات وجه رقيق حزين، وثياب ملكية فخمة، وفي يدها كتاب صلوات يسري عنها ما تتوقعه من موت قريب، وفي الصورة منظر طبيعي بعيد يضيف إليها منظراً يجمع بين الخضرة، والسمرة، والزرقة.
وشعر تيشيان بعد عودته من أجزبرج (1552) أنه قد نال كفايته من الأسفار. فقد كان وقتئذ في الخامسة والسبعين من عمره، وما من شك في أنه كان يظن أنه لم يبق له من الحياة الشيء الكثير. ولعل عمله كان من شأنه أن يطيل الحياة، فقد أنساه انهماكه في الصورة بعد الصورة أن يموت. وقد صور في سلسلة طويلة من الصور الدينية (1522-1570) فكرته الواضحة الرائعة عن العقيدة المسيحية وقصة الخلق من آدم إلى المسيح . وقد خلد في صور قوية حياة الرسل والقديسين، وأحسن هذه
الصور وأكثر ما تعافه النفس منها صورة استشهاد القديس لورنس (1558 وهي الصورة رقم 1 في متحف جزويتي Gesuiti، بالبندقية): وفيها يرى القديس يشويه على السفود جنود وعبيد رومان يزيدون آلامه بكيه بالحديد المحمي وجلده بالسياط. وهذه الصور الدينية لا تؤثر في النفس كما تؤثر فيها أمثالها من صور الفنانين الفلورنسيين. نعم إنها تسمو عليها من حيث التشريح، ولكنها لا تشعر الإنسان بالتقى، فنظرة واحدة إلى أجسام المسيح والحواريين الرياضية توحي بوضوح أن تيشيان لم يكن يهتم إلا بالفن، وأنه كان يفكر في الأجسام الرائعة، لا في أجسام القديسين النساك. ذلك أن المسيحية في الفترة الواقعة بين آل بليني وتيشيان، فقد فقدت سيطرتها الروحية على فن البندقية، وإن كانت لا تزال توحي إلى الفنانين بالموضوعات(23).
وبقي العنصر الجنسي الذي هو من مستلزمات فن التصوير بالألوان أو بالمواد اللينة، قوياً عند تيشيان مدة تكاد تصل إلى قرن من الزمان. وقد كرر صورة دانائي Danae الفرنيزية في عدة أشكال مختلفة، ورسم عدة صور لفينوس طلبها إليه حماة الدين. وكان فيليب الثاني ملك أسبانيا خير عميل له في ابتياع هذه "الأساطير"؛ فقد زينت مساكن الملك في مدريد يصور لدانائى، وفينوس وأدونيس، وبرسيوس وأندرمدا، وجبسن وميديا Jassa & Medea وأكتائيون وديانا Actaeon & Diana، واغتصاب أوربا The Rapc of Europa، وتاركون ولكريشيا Tarquin & Lucretia، وجوبتر وأنتيوبي Jupiter & Antiope (وتعرف أيضاً بصورة فينوس الباردوئية) Venus of Pardo. وكل هذه الصور عدا الأخيرة منها قد صورها تيشيان بعد عام 1553، وهو في سن السادسة والسبعين أو بعدها. ومما يزيدنا تقديراً للفنان العظيم أن نرى خياله خلاقا مبدعاً في سن الثمانين وما بعدها فيصور نساء عاريات لا تقل كمالا عن الصور التي رسمها في عنفوان شبابه،
فصور ديانا بشعرها الأصحم المرفوع إلى أعلى من الطراز الذي كان فيرونيز يصوره، فهي فينوس الشقراء تكاد تكون أجمل من صور أفروديتي اليونانية. ولعل صورة فينوس والمرأة (حوالي 1555 وتوجد الآن في واشنجتن) وهي صورة لهذه السيدة نفسها بعد ان امتلأ جسمها؛ وهي بعينها أيضاً فينوس التي تتعلق بأرنيس في الصورة الموجودة في برادو، والتي تحاول أن تتودد إليه وتبعده عن كلابه. ولسنا نجد مثل هذه الشهوانية الصريحة واضحة في جسم انثى حتى صور كرجيوني. وتوجد صور أخرى لفينوس منتشرة في معارض الصور في أنحاء العالم ولكنها كانت في يوم ما تحتل مكانها في رأس تيشيان: منها صورة فينوس أناديوميني Venus Anadyomene (حوالي 1520) الموجودة في بردجووتر هوس Bridgewater House، وتمثلها الصورة واقفة في الحمام ومغطاة من تحت الركبتين في حياء؛ وصورة فينوس وكيوبد (حوالي 1545)، الموجودة في معرض أفيزي- وهي ذات شقرة ألمانية ويدين ناصعتين، وفينوس المكتسبة في صورة تعليم كيوبد (حوالي 1565)، وفي معرض بورغير، وفينوس العازف على الأرغن (حوالي 1545) المحفوظة في برادو والتي يظهر فيها العازف عاجزاً عن تركيز عقله على الموسيقى؛ وفينوس والعازف على العود (1560) المحفوظة في المتحف الفني بنيويورك. على أننا يجب أن نقول إن النساء في هذه الصور لسن إلا جزءاً مما فيها من سحر وفتنة، ذلك أن تيشيان يهتم بالطبيعة اهتمامه بالنساء، ويصور في عدد من هذه اللوحات مناظر طبيعية رائعة لا تقل جمالا في بعض الأحيان عن الإلهة فينوس نفسها.
وأعظم من هذه الصور الأسطورية وأكثر عمقاً صور الآدميين، فإذا كانت صور فينوس تكشف عن الإحساس بجمال الصورة ولاتفقد قط
روعتها، فإن صور الآدميين تكشف في تيشيان عن مقدرة على الإلمام بالأخلاق البشرية ونقلها بقوة فنية لا تضارعها في معارضها جميعاً صور غيره من الفنانين مجتمعة. وهل ثمة ما هو أرق من صورة الرجل ذي القفاز (حوالي 1520 في متحف اللوفر) وهي صورة لا يُعرف شخصية من تمثله- وفيها ترى اليد اليسرى المقفزة، والمخصل الأبيض الرقيق الملتف بالعنق يوائمان أحسن موائمة الروح الحساسة التي تنم عليه العينان. وصورة الكردينال إيوليتو ده ميديتشي (1533 في متحف بتي) أقل من السابقة عمقاً، ولكننا مع ذلك نرى في الوجه ما يتسم به آل ميديتشي من دهاء، وإحساس فني، وحب للسلطان. وصورة فرانسس الأول (حوالي 1538 المحفوظة في اللوفر) أذاعت شهرة ملامح ملك فرنسا، فقد بعثت في أنحاء العالم في مائة ألف نسخة منقولة عنها القبعة المراشة، والعينين المرحتين، والأنف الأقنى، واللحية الجميلة، والقميص القرمزي يرتديه الرجل الذي خسر إيطاليا ولكنه كسب ليوناردو وتشيلني ومائة امرأة. وقد تطلب منصب تيشيان الرسمي منه أن يرسم صوراً لعدد من أدواج البندقية، ولكن هذه كلها تقريباً قد ضاعت. وبقيت ثلاث صور عظيمة لأشخاص حقيقيين: صورة نقولو مارتشلو Niccolo Marcello (الذي مات قبل أن يولد تيشيان)- وهي ذات وجه قبيح ورداء فخم-؛ وصورة أنطونيو جرماني (التي تظهر في صورة الإيمان في قصر الدوج)، وصاحبها ذو وجه كوجه النساك وثوب فخم؛ وصورة أندريا جرتي، ويرتدي صاحبها ثوباً أقل من الثوبين السابقين فخامة ولكنه ذو وجه قوي يتركز فيه كل ما في البندقية من جلال وصدق عزيمة. وتختلف عن هذه في طرازها صورة كلاريس استروتسي الرقيقة التي أثنى عليها أريتينو ثناء جماً مستطاباً. وليست الصور التي تمثل أريتينو والمحفوظة في معرض بني بفلورنس وفي مجموعة فرك Frick في
نيويورك إلا صراخاً مجرداً من الرحمة صادراً من وغد فاتن ساحر رسمها أعز أصدقائه. وأرق من هذه الصور التي خلد بها تيشيان ذكرى بمبو محب الشعراء الذي صار وقتئذ كردنالا (1542). ومن أروع الصور التي يضمها معرض تيشيان صورة المشترع إبوليتو رمنالدي (1542)، والتي كانت تعرف في يوم من الأيام بأنها صورة دوق فورفوك وهي ذات شعر منفوش أغبش، وجبهة عالية، وشاربين ولحية قليلة الشعر، وشفتين قويتين، وانف رقيق، ونظرات نفاذة. وإنا لنبدأ في أن نفهم إيطاليا والبندقية أحسن فهم حين نرى أنهما أنجبتا أمثال أولئك الرجال، وهم رجال ليست أجسامهم وأثوابهم الجميلة إلا الصورة الظاهرة للإرادة القوية المتأهبة للقاء كل تحد؛ وللعقل النافذ المتيقظ لكل صور التجارب والفن.
وأكثر ما يثير اهتمامنا من رسوم تيشيان الصور التي رسمها لنفسه. وهي كثيرة متنوعة آخرها صورة له في التاسعة والثمانين من عمره. وإذا ما وقفنا أمام صوره الذاتية في معرض برادو رأينا وجهاً قد غضنه مر الأيام التي لا تحصى ولكنه زاده صفاء، ورأينا فوق جمجمته قلنسوة لا تغطي شعره الأبيض كله، ولحية صهباء تكاد تغطي وجهه كله، وأنفاً كبيراً ينفث القوة، وعينين زرقاوين، تغشاها كآبة قليلة، تريان الموت أقرب إليه مما كان في الواقع، وبدا تمسك بفرشاة- لأن شغفه العظيم بالفن لم تكن تارة قد خبت بعد. لقد كان هذا الرجل- لا الأدواج، ولا الشيوخ، ولا التجار- هو سيد البندقية نصف قرن من الزمان، يهب الخلود للأشراف والملوك العابرين القصار الآجال، ويسمو بالبلد الذي اتخذه موطناً له ويضعه إلى جانب فلورنس وروما في تاريخ النهضة.
وكان في الوقت الذي نتحدث عنه رجلا ثرياً، وإن كانت ذكرى حاجته الأولى وعدم طمأنينته قد جعلته جماعاً للمال إلى آخر حياته. وقد أعفته مدينة البندقية من بعض الضرائب "تقديراً لموهبته الممتازة النادرة"(34)
وكان يرتدي لباساً ظريفاً رشيقاً، ويسكن بيتاً مريحاً ذا حديقة واسعة تطل على مياه البندقية الضحلة. وإنا لنتصوره ونحن نكتب هذه السطور يستضيف الشعراء والفنانين، والأشراف أبناء الأسر العريقة، والكرادلة، والملوك. ولما ماتت في عام 1530 عشيقته التي تزوجها في عام 1525 بعد أن ولدت له ولدين قبل الزواج؛ عاد إلى حريته التي كانت له وهو أعزب والتي استمتع بها ما يقرب من نصف قرن. وكانت ابنته لافينيا مصدر بهجة وفخر له؛ وقد رسم لها صوراً تدل على محبته لها حتى بعد أن كبرت وتزوجت. ولكنها هي أيضاً توفيت بعد سنين قلائل من زواجها. وأصبح أحد ولديه وهو بمبونيو Pomponio مهملاً فاسداً، أحزن قلب الرجل في شيخوخته ورسم الثاني في بعض الصور التي ضاعت، وأكبر الظن أنه اشترك في بعض الصور التي تعزى لأبيه في سنيه الأخيرة. وربما ساعده في ذلك الوقت أيضاً تلميذ آخر من تلاميذ تيشيان يدعى دومينيكو ثيوتوكوبولوس Domenico Theotocopulos، المسمى إلجريكو Elgireco (الإغريقي) ولكننا لانجد دليلاً على هذه المساعدة في صور أشخاص تيشيان المرحين ولا في مناظره البهيجة.
وظل حتى بعد أن تقدمت به السن كثيراً لا يكاد ينقطع عن الرسم يوماً واحداً من أيامه، وكان يجد في الفن سعادته الباقية الوحيدة. ففيه كان يعرف أنه السيد الذي لا يبارى، وأن العالم كله يثني عليه، وأن يده لم تفقد قدرتها على الإبداع، كما أن عينه لم تفقد حدتها ونفاذها؛ وحتى عقله، وخياله ظلا، فيما يبدو، يحتفظان بقوتهما إلى آخر أيامه. وقد شكا بعض من ابتاعوا صوره الأخيرة بأن هذه الصور أرسلت إليهم من قبل أن تتم. وحتى إذا كان هذا صحيحاً فإنها كانت معجزات بحق. وأكبر الظن أنه ما من فنان غيره- إذا استثنينا رافائيل- كان له ما لتيشيان من يسر في أصول فنه، وسيطرة على اللون والتركيب، والضوء الساحر المبرقش. أما أخطاؤه
فهي الأخطاء الناتجة من السرعة في التنفيذ، ومن الإهمال في الرسم أحياناً وقد كانت الكثرة الغالبة من رسومه التخطيطية الأولى تجريبية؛ ولكنه كان إذا غنى بالتأني والتؤدة، يستطيع أن يخرج عجائب مثل صورة ميدورو وانجيلكا التي رسمها بالقلم والمحفوظة في متحف بنات Bonnat في بايون Bayonne. أما في الصور الملونة فقد كان لابد له ان يعمل مسرعاً. ذلك بأن من يجلسون أمامه ليصورهم كانوا منهمكين في العمل لا يصبرون على الجلسات الطويلة أو الكثيرة التي لابد منها لإتقان الصور؛ ومن أجل هذا كان يرسم رسماً تخطيطياً سريعاً، ثم يرسم منه الصورة الملونة، ولعله كان يضع في رأس نموذجه ووجهه أكثر مما فيه حقيقة. أما في الصور التي كان يرسمها لغير الأحياء فكان يبرز الملامح أكثر مما ينبغي، وقلما كان يتعمق إلى الجوهر الروحي، ولهذا فإنه لم يصل في عمق النظرة النافذة ولا في الشعور إلى مثل ما وصل إليه ليوناردو أو ميكل أنجيلو، ولكن ما أصح وأسلم فنه إذا قورن بفنهما! فلسنا نرى فيه انهماكاً في التفكير الداخلي يفسده، كما لا نرى فيه ثورة عارمة على طبيعة العالم والإنسان. لقد قبل تيشيان العالم بالصورة التي رآه عليها، وأخذ الرجال كما وجدهم، والنساء كما وجدهن، واستمتع بكل أولئك. وكان وثنياً صريحاً، يتأمل بابتهاج بناء جسم المرأة طوال سنيه التسعين؛ وحتى عذاراه صحيحات الأجسام سعيدات صالحات للزواج؛ وقلما كان لما في الحياة من فقر، وحزن، واضطراب مكان في فن تيشيان، بل كل ما فيه جمال وبهجة إذا استثنينا قليلا من صور الشهداء والمسيح المصلوب.
وتقدمت به السن وهو يواصل عمله في الرسم، وعاش ربع قرن بعد أجل الناس المعتاد؛ وسافر إلى بريشيا وهو في الثامنة والثمانين من عمره، وقبل فيها مهمة شاقة هي نقش سقف قصر البلدية. ولما زاره فاساري وهو في سن التسعين وجده يعمل وفرشاته في يده. ورسم وهو في الواحدة والتسعين
من عمره صورة لياقوبو دا استرادا Jacopo da Strada (توجد الآن في فينا) متلألئة الألوان قوية تكشف عن خلق الرجل. ولكن يده أخذت في آخر الأمر ترتعش، وضعفت عيناه، وأحس أن قد آن أوان التقى والصلاح. ورضى في عام 1576 وهو في التاسعة والتسعين من العمر أن يرسم صورة دفن المسيح لتوضع في كنيسة فيرارى Frari بدلاً من مدفن فيها، كانت له في صورتان من أعظم صوره. غير أنه لم يتم الصورة وتوفي وقد نقصت سنه سنة واحدة عن قرن كامل. وانتشر في ذلك العام وباء الطاعون في البندقية، وكان يودي كل يوم بحياة مائتين من أهلها، وهلك به ربع سكان المدينة. ومات تيشيان نفسه في أثناء الوباء، وأكبر الظن أنه لم يمت به، بل مات بضعف الشيخوخة (26 أغسطس سنة 1576). وألغت الحكومة أوامرها التي تحرم الاجتماعات العامة لكي تكون له جنازة سمية، ودفن في كنيسة سانتا ماريا جلوريوزا ده فيراري Santa Maria Gloriosa de Frari تنفيذا لرغبته. وكان موته خاتمة حياة عظيمة وعصر عجيب.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق