إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1103 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانهيار السياسي -> ميكل أنجلو وكلمنت ال الفصل العاشر ميكل أنجيلو وكلمنت السابع 1520 - 1534



1103


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانهيار السياسي -> ميكل أنجلو وكلمنت ال

الفصل العاشر


ميكل أنجيلو وكلمنت السابع


1520 - 1534


مما يذكر في صحيفة الحسنات لكلمنت أنه ظل طوال أيام كوارثه يتحمل صابراً جميع نزوات ميكل أنجيلو وثوراته، ويعهد إليه بالمهمة تلو المهمة، ويمنحه من المزايا كل ما يليق بالعباقرة. ويقول في هذا: "إذا جاء بونارتي أمسكت بيدي على الدوام مقعداً وأمرته بالجلوس، لأني لا أشك في أنه سيجلس من تلقاء نفسه دون أن يستأذنني"(57). وحتى قبل أن يصبح بابا تقدم باقتراح تبين أنه اكبر عمل من أعمال النحت عهد به إلى ذلك الفنان، وهو أن يضيف إلى كنيسة سان لورندسو بفلورنس "غرفة مقدسات جديدة" لتكون قبراً لأشهر أفراد آل ميديتشي؛ وتصميم مقابر لهم، وتزيينها بما يليق بها من الصور. وكان كلمنت واثقاً كل الثقة من كفايات هذا الفنان الجبار المتعددة، ولهذا طلب إليه أن يضع عدداً من التصميمات الهندسية للمكتبة اللورنتية، تبلغ من السعة والمتانة ما تستطيع أن تقي كل المجموعات الأدبية للأسرة الميديتشية. وتم إنشاء السلم الفخم والدهليز ذي العمد في هذه المكتبة اللورنتية (1526-1527)، بإشراف أنجيلو، أما بقية ابناء فقد أقامها فيما بعد فاساري وغيره على أساس رسوم بونارتي.
أما بناء نوفا سجرستيار Nuova Sagristia فلا يمكن أن يعد من روائع الفن المعماري. فقد وضع تصميمها على أن تكون مربوعة الجوانب تقسمها عمد مربوعة وتعلوها قبة متواضعة؛ وكان الغرض الأول من بنائها أن توضع التماثيل في الفجوات المتروكة في الجدران. وقد تم بناء "معبد آل ميديتشي" هذا في عام 1524؛ وفي عام 1525 بدأ أنجيلو العمل

في القبور، وقد كتب إليه كلمنت في هذا العام الثاني خطاباً يستحثه في رقق يقول:
"إنك تعرف أن البابوات قصار الأجل، ونحن أشد ما نكون شوقاً إلى أن نرى المعبد وفيه قبور أقاربنا، أو أن نسمع في القليل أنه قد تم، ولا يقل عن هذا شوقنا إلى إتمام المكتبة ولهذا نعهد بهما جميعاً إلى همتك ونشاطك. وسنتذرع في هذه الأثناء (بناء على توصيتك) بالصبر الجميل، داعين الله أن يعينك على أن تدفع المشروع كله إلى الأمام. ولا تخش قط أن سوف تعوزك الأعمال أو الجزاء مادمنا على قيد الحياة. وداعاً على بركة الله وبركتنا- جيوليو"(58).
وكان المشروع يتضمن إنشاء ستة قبور: واحد لكل من لورندسو الأعظم، وأخيه جيوليانو الذي اغتيل، وليو العاشر، وكلمنت السابع، وجوليانو الأصغر الذي كان "أطيب من أن يستطيع حكم دولة" (والمتوفى عام 1516)، ولورندسو الأصغر دوق أربينو (المتوفى عام 1519). ولم يتم من هذه إلا قبرا الأخيرين، ولكنهما مع ذلك أرقى ما وصل إليه التصوير في ذلك العهد. ويظهر القبران شكل من يحتويان من الموتى كما كانا في عنفوان الشباب، ولم يحاول المثال إظهار شكلهما الصحيح أو ملاحمها الحقيقية: فقد أظهر جيوليانو في ثياب قائد روماني، ولورندسو في صورة الرجل المفكر il Penseroso. ولما أن لاحظ ملاحظ غير حذر هذا البعد عن الواقعية، رد عليه ميكل أنجيلو بألفاظ كشفت عن ثقته السامية الأكيدة بخلوده الفني فقال: "منذا الذي يعني بعد ألفي عام هل هذه ملامحهم وليست هي؟"(59). ويتكئ على تابوت جيوليانو شخصان عاريان: عن اليمين رجل يفترض فيه أنه يرمز إلى النهار، وعن اليسار امرأة يفترض أنها ترمز إلى الليل. ومثلهما صورتا شخصين متكئين على قبر لورندسو

أطلق عليهما اسما الشفق والفجر. وهذه التسميات مجرد فروض ولعل للخيال فيها أكبر نصيب. وأغلب الظن أن هدف المثال هو أن ينحت مرة أخرى معبوده الخفي، أعني الجسم البشري، بكل ما فيه من روعة قوة الرجولة، والمحيط الخارجي الجميل لجسم المرأة بأكمله. ولقد كان نجاحه في تصوير جسم الرجل أعظم من نجاحه في تصوير جسم المرأة كما هي العادة، وإن صورة الشفق الناقصة التي تسلم اليوم النشيط المضني إلى الليل على مهل، لنضارع أنبل صور الآلهة في البانثيون.
وقامت الحرب فعطلت أعمال الفن إلى حين. ولما سقطت روما في أيدي الجيوش الإمبراطورية (1527)، لم يعد في وسع كلمنت أن يناصر الفنون، وانقطع معاش ميكل أنجيلو الذي كان يتقاضاه من البابا ومقداره خمسون كروناً (625 دولاراً) في الشهر واستمتعت فلورنس في هذه الايام بعامين من الحرية في ظل الحكم الجمهوري. ولما أن تصالح كلمنت مع شارل، وأرسل جيش ألماني- أسباني للقضاء على الجمهورية وإعادة آل ميديتشي إلى الحكم، عينت فلورنس أنجيلو (6 أبريل ستة 1529) عضواً في لجنة العشرة للدفاع عن المدينة، وبذلك أصبح فنان الميديتشيين بحكم الظروف مهندساً يعمل ضد الميديتشيين، وشرع يشتغل كالمحموم في تخطيط الحصون والأسوار وتشييدها.
وبينما كانت هذه الأعمال قائمة على قدم وساق كان ميكل أنجيلو يزداد كل يوم اقتناعاً بأن المدينة لا يمكن الدفاع عنها دفاعاً ناجحاً. وهل تستطيع مدينة بمفردها منقسمة على نفسها في روحها وفي ولائها، أن تقاوم مدفعية الإمبراطورية والحرمان الديني البابوي مجتمعين؟ ومن أجل هذا حدث في الحادي والعشرين من سبتمبر سنة 1529، أثناء حالة عارضة من الذعر، أن فر الفنان من المدينة، وهو يأمل أن يهرب منها إلى فرنسا ويلجأ إلى مليكها الظريف الوديع. ولما وجد طريقه مسدوداً بأرض يحتلها الألمان

لجأ مؤقتاً إلى فيرارا وكانت تابعة للبندقية، ومنها بعث برسالة إلى صديقه باتستا دلا بلا Battista della Palla العامل الفنان لفرانسس في فلورنس يسأله: هل ينضم إليه في الهرب إلى فرنسا(60)؟ ورفض باتستا أن يتخلى 'ن المنصب الذي عهد إليه في الدفاع عن المدينة؛ وكتب إلى أنجيلو بدلا من ذلك يدعوه دعوة حارة إلى العودة لواجبه، وينذره إذا لم يعد بأن الحكومة ستصادر أملاكه، وتترك أقاربه المعمدين في فقر مدقع. وبذلك عاد الفنان إلى عمله في حصون فلورنس حوالي اليوم العشرين من نوفمبر.
ويقول فاساري إنه حتى في هذه الشهور المضطربة وجد متسعاً من الوقت ليواصل العمل سراً في قبور آل ميديتشي، وليرسم لألفنسو دوق فيرارا صورة لا تعتبر قط عن طبائعه وهي صورة ليدا والبجع، وكانت في الحق صورة عجيبة يرسمها رجل قليل الميول الجنسية، متزمت إلى حد كبير، ولعلها كانت ثمرة اختلال مؤقت في عقله. ويظهر فيها البجع يضاجع ليدا، ويلوح أن ألفنسو لم يكن هو الذي اختار موضوعها وإن كان معروفاً بان كان رجلا شهوانياُ في الفترات التي بين الحروب. وأظهر الرسول الذي بعثه لإحضار الصورة الموعودة شدة امتعاضه منها حين رآها، ولم يزد على أن قال "إن هذا عبث" ولم يحاول أخذها للدوق، فما كان من أنجيلو إلا أن أعطى الصورة لخادمه أنطونيو ميني Antonio Mene الذي حملها إلى فرنسا حيث انتقلت إلى مجموعة فرانسس الأول النهم الذي لم يكن يفرق بين الطبيب منها والخبيث. وبقيت تلك الصورة في فنتينبلو إلى زمن لويس الثالث عشر حين أمر أحد كبار الموظفين بإتلافها لقبح موضوعها. ولسنا نعرف هل نفذ هذا الأمر أو لم ينفذ. وما هو تاريخ الصورة الأصلية بعد ذلك الوقت، ولكننا نعرف أن نسخة منها باقية في سراديب المعرض الأهلي بلندن(61).
ولما أن سقطت فلورنس في أيدي الميديتشيين العائدين إليها أعدم

باتستا دلا بالا وغيره من الزعماء الجمهوريين، وأخفى ميكل أنجيلو نفسه مدة شهرين في بيت صديق له، كان في كل لحظة منهما يتوقع أن يلقى نفس المصير، ولكن كلمنت كان يظن أنه وهو حي أعظم قيمته منه وهو ميت، فكتب البابا إلى أقاربه الحاكمين في فلورنس يأمرهم بالبحث عن الفنان، ومعاملته بالحسنى. ووافق ميكل على هذا العرض؛ ولكن الصورة التي كانت في عقل الحبر والفنان كانت أكبر مما تستطيع اليد تنفيذه، كما حدث في قبر يوليوس؛ ولم تطل حياة البابا حتى يشهد تمام المشروع. فلما توفي كلمنت في عام 1534 خشى ميكل أنجيلو أن يصيبه ألسندرو ده ميديتشي بأذى بعد أن مات حاميه ونصيره، فاغتنم أول فرصة للهرب إلى روما.
وتبدو على القبور مسحة من الحزن المكتئب العميق كما تبدو على صورة عذراء ده ميديتشي التي نحتها أنجيلو لحجرة المخلفات المقدسة. ولقد افترض المؤرخون المولعون بالديمقراطية (والمغالون فيما كانت عليه من مدى في فلورنس) أن الصور المضطجعة ترمز إلى مدينة تندب استسلامها للاستبداد والظلم على الرغم منها. ولكن أكبر الظن أن هذا التفسير وهم خيال: فقد صممت هذه الصورة بينما كان الميديتشيون يحكمون فلورنس حكماً صالحاً إلى حد معقول؛ وقد نحتت لبابا من آل ميديتشي كان على الدوام رؤوفا بميكل أنجيلو، ونحتها فنان مدين لآل ميديتشي منذ شبابه. ولسنا نعرف أنه كان يبغي الإساءة إلى الأسرة التي كان يعد لها قبورها، وليس في تصويره لجيوليانو ولورندسو ما يدل على تحقيره إياهما. والحق أن هذه الرسوم تعبر عن شيء أعمق من حب لأن تستمتع الأقلية الثرية بحرية حكم الطبقات الفقيرة، دون أن تقف في سبيلها أسرة ميديتشي التي كانت في العادة محبوبة من الشعب عامة. إنها تعبر عن ملل ميكل أنجيلو من الحياة، وعن التعب الذي حل برجل كله أعصاب وأحلام هائلة لا يستطاع تحقيقها،

وجد نفسه يصطدم بمئات المحن، ويعوق كل مشروع من مشروعاته تقريباً صلابة المادة التي يعمل بها وإباؤها عليه، وكلال قوته وضيق وقته. ولم يكن أنجيلو قد استمتع إلا بالقليل من مباهج الحياة، ولم يكن له أصدقاء لهم ماله من عقلية، أما النساء في رأيه أجساماً ناعمة تهدد السلام، وحتى أعظم انتصاراته كانت نتيجة الكد المنهك والألم، وائتلاف التفكير المحزن والهزيمة التي لا مفر منها.
ولما سقطت فلورنس في أيدي أسوأ المستبدين بها، وساد الرعب حيث كان لورندسو يحكم حكماً موفقاً سعيداً، أحس الفنان، الذي كان قد نحت في رخام أضرحة آل ميديتشي نقداً للحياة لا مجرد نظرية في الحكم، إن هذه الأشكال المكتئبة الحزينة تعبر، فيما تعبر عنه، عن المجد الغابر للمدينة التي كانت مهد النهضة. ولما رفع الستار عن تمثال الليل كتب الشاعر جيان باتستا استروتسي رباعية تعرض موضوعه عرضاً أدبياً قال فيها ما معناه:
إن الليلة التي تراها واقفة في رشاقة

يأخذ الكرى بمعاقد أجفانها، قد صاغها مَلَك

من الحجر الصلد، وسنانة، تسري فيها الحياة،

فأيقظها أيها المخلوق الذي لا تصدق' فإنها ستتحدث إليك.

وقد غفر ميكل للكاتب ما في العبارة من تورية هي في الوقت عينه تمجيد له، ولكنه لم يرض عن تفسير الكاتب لخصائص التمثال، وكتب هو تفسيراً لها في أربعة أسطر هي أكثر ما في شعره وضوحاً وإبانة عن مقصده قال:
ما أحَبَّ نومي، ولكن يزيده محبة أن يكون مجرد حجر

مادام الخراب والقدر سائدين.

إن أشد ما يؤلمني ألا أرى شيئاً وألا أشعر بشيء،

إذن فلا توقظني، وتحدث في همس(62)



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق