1099
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانهيار السياسي -> كلمنت السابع
الفصل السادس
كلمنت السابع
الفترة الأولى من حياته
ظل المجمع المقدس الذي اجتمع في أول أكتوبر سنة 1522 سبعة أسابيع في نزاع دائم حول اختيار من يخلف أدريان، ثم انتهى أخيرا بترشيح رجل كان بإجماع الآراء خير من يصلح لهاذ المنصب. كان جويليو ده ميديتشي ابنا غير شرعي للرجل الظريف جوليانو الذي خر ضحية مؤامرة باتسي من عشيقة له تدعى فيورنا ما لبثت أن اختفت من صفحات التاريخ. وأخذ لورندسو الغلام إلى بيته بين أسرته ورباه مع أبنائه؛ وكان منهم ليو الذي أعفي وهو باباجوليو من العقبة القائمة في سبيله، وهي أنه ابن غير شرعي، ثم عينه كبير الأساقفة في فلورنس، ثم رقاه كردنالا، ثم كان المدير الحازم لمدينة روما، وكبير وزراء حكومته البابوية. ولما بلغ كلمنت الخامسة والأربعين كان طويل القامة، وسيم الخلق، عظيم الثراء غزير العلم، حسن الآداب، طيب السيرة، يعجب بالآداب، والعلوم، والموسيقى، والفن، ويناصرها. ورحبت روما بارتقائه الكرسي البابوي بالفرح والابتهاج ورأت فيه دعوة إلى عهد ليو الذهبي، وتنبأ بمبو بأن كلمنت السابع سيكون خير من عرفتهم الكنيسة من حكامها وأعظمهم حكمة(33).
وبدأ عهده أحسن بداية، فوزع على الكرادلة جميع المناصب الدينية التي كانت له، والتي كانت تدر عليه دخلاً سنوياً مقداره 60.000 دوقة. وقد
جمع حوله قلوب العلماء والنساخين باجتذابهم إلى خدمته، أو نفحهم بالهبات، ووزع العدالة بين الناس بالقسطاس المستقيم، واستمع إلى كل من له شكاية، ومنح الصدقات بسخاء، إذا كان أقل من سخاء ليو فإنه كان أكثر منه حكمة، وسحر جميع القلوب بمجاملته كل إنسان وكل طبقة. وقصارى القول أن بابا من البابوات لم يبدأ حكمه بداية طيبة مثل بدايته ولم يختتمه بأسوأ من خاتمته.
وكان العمل الذي يواجه كلمنت وهو قيادة سفينة البابوية السياسية، الطريق المأمون بين فرانسس وشارل في حرب تكاد تكون حرب حياة أو موت، في الوقت الذي كان الأتراك يجتاحون فيه بلاد المجر، وكانت الثورة تشتعل نارها في ثلث أوربا ضد الكنيسة، كان هذا العمل أكثر مما تستطيعه مقدرة كلمنت كما كان أكثر مما تستطيعه مقدرة ليو. وخليق بنا أن نقول إن الصفات التي تبرزها الصورة الفخمة التي رسمها سبستيانو دل بيومبو لكلمنت في بداية حكمه صورة خادعة. ذلك أنه لم يظهر في أعماله تلك العزيمة الماضية التي تبدو واضحة في ملامح وجهه، وحتى في هذه الصورة يبدو شيء من الملل والضعف في الجفون المتعبة المنسدلة فوق العينين الضجرتين. والحق أن كلمنت قد اتخذ ضعف العزيمة خطة له وسياسة مرسومة. وكان يسرف في التفكير ويظنه خطأ بديلا من العمل، بدل أن يكون هادياً له ومرشداً. ولقد كان في وسعه أن يجد مائة سبب وسبب لاتخاذ قرار بإبرام أمر من الأمور، ومائة سبب وسبب مثلها تبرر عدم إبرامه، وكأنما أغبى المخلوقات طُراً يجلس على عرش البابوية. وقد هجاه بيرني في أبيات مريرة تتنبأ بحكم الحلف عليه فقال:
بابوية تتألف من التحيات،
والمناقشات، والاعتبارات، والمجاملات
ومن عبارات أكثر من هذا، ومن ثم، ونعم، وحسن، وربما،
وقد يكون، وما إليها من الألفاظ المتناقضة...
ومن قدمين ثقيلتين كالرصاص، وحياد بارد خامل...
وإن شئت الحق الصريح، فإنك ستعيش لترى.
البابا أدريان وقد نودي به قديساً بفضل هذه البابوية(24).
واتخذ له من المستشارين جيان ماتيو جيرتى Gianmatteo Giberti الذي كان يميل إلى فرنسا، ونيقولوس فن اسكونبرج Nikolaus von Segonberg الذي كان يميل إلى الإمبراطورية، وترك عقله مشتتاً بين الرجلين، ولما أن قرر الانحياز إلى فرنسا- قبل أسابيع قليلة من الكارثة التي حلت بها في بافيا- استنزل على رأسه وعلى بلده كل ما يتصف به شارل من مكر ودهاء، وكل ماله من قوة، وكل ما يثور في قلوب الجيش البروتستنتي من غضب دفين صبه على روما.
وكانت الحجة التي يبرر بها كلمنت موقفه أنه يخشى قوة الإمبراطور وفي يده لمباردي ونابلي؛ ويرجو بانحيازه إلى فرنسا أن يحصل على صوتها حين يعرض شارل فكرته التي تراوده وتقلق خاطره وهي تأليف مجلس عام في أمور الكنيسة. ولما عبر فرانسس جبال الألب بجيش جديد قوامه 26.000 من الفرنسيين، والإيطاليين، والسويسريين، والألمان، واستولى على ميلان، وحاصر بافيا، وقع كلمنت سراً شروط حلف مع فرانسس (12 ديسمبر سنة 1524) في الوقت الذي كان يؤكد فيه لشارل وفاءه ومودته؛ ثم ضم فلورنس والبندقية إلى هذا الحلف، وأجاز لفرانسس المنتصر على كره منه أن يجمع الجند من الولايات البابوية. وأن يرسل جيشاً ليحارب نابلي مخترقاً أراضي البابا. ولم يغفر له شارل قط هذه الخديعة، وأقسم قائلاً: "لأذهبن إلى إيطاليا، وأثأر لنفسي ممن أساءوا إلي، وعلى رأسهم البابا الجبان النذل. ولعل مارتن لوثر سيصبح رجلا ذا شأن في يوم من الأيام"(25). وفكر بعض الناس وقتئذ في اختيار لوثر
بابا، وأشار عدد ممن يحيطون بالإمبراطور أن يطعن في اختيار كلمنت بحجة أنه ابن غير شرعي(26).
وسير شارل جيشاً ألمانياً بقيادة جورج فن فرندسبرج Georg von Frundsberg وماركيز بيسكارا Marquis of Pescara ليهاجم الفرنسيين خارج بافيا. وعطلت الحركات العسكرية الضعيفة عمل المدفعية الفرنسية، في الوقت الذي كانت فيه نيران البنادق الأسبانية تهزأ برماح السويسريين؛ وكاد الجيش الفرنسي أن يفنى عن آخره في موقعة من أشد المواقع الحاسمة في التاريخ (24-25 من فبراير سنة 1525). وسلك فرانسس في هذه المحنة مسلك الشهامة والكرامة: فبينما كان جيشه يتقهقر إذا هو يقفز في وسط صفوف العدو ويقتل بيده منهم مقتلة عظيمة؛ ولما قتل جواده من تحته لم ينقطع عن القتال، حتى إذا خارت قواه آخر الأمر، ولم يعد يقوى على المقاومة، وقع في الأسر مع عدد من ضباطه. وكتب من خيمة بين المنتصرين إلى أمه رسالة كثيراً ما يقتبس نصف عباراتها المقتبسون، قال فيها "لقد خسرنا كل شيء إلا الشرف- وإلا بدني فهو سليم". وأمر شارل وكان وقتئذ في أسبانيا أن يرسل الملك ليسجن في قلعة قرب مدريد.
وانحازت ميلان إلى الإمبراطور، وشعرت إيطاليا كلها أنها أصبحت تحت رحمته، ونفحته دولة إيطالية في إثر دولة بالرشا المختلفة لكي يسمح لها بالبقاء. وخشي كلمنت أن يغزو جيش الإمبراطور بلاده، وأن يثور الشعب في فلورنس على آل ميديتشي، فخرج من حلفه مع فرنسا وأمضى (في أول أبريل سنة 1525) معاهدة مع شارل ده لانوى Charles de Lannoy عامل شارل على نابلي، تعهد فيها البابا والإمبراطور بأن يتعاونا فيما بينهما؛ فيحمي الإمبراطور آل ميديتشي في فلورنس ويرضى أن يقيم فرانتشيسكو ماريا اسفوردسا نائباً عنه في ميلان؛ على أن يدفع البابا لشارل مقابل إهاناته السابقة له، وضماناً لخدمات الإمبراطور المستقبلية، مائة ألف دوقة
(1.250.000 دولار)(27)، كانت الجيوش الإمبراطورية في أشد الحاجة إليها، ولم يمض بعدئذ إلا قليل من الوقت حتى أغض كلمنت البصر عن مؤامرة دبرها جيرولومو موروني Girolomo Morone لتحرير ميلان من سيطرة الإمبراطور. وكشف مركيز إبيسكارا سر هذه المؤامرة لشارل، وزج موروني في السجن. وعامل شارل فرانسس الأسير بالمماطلة التي يعامل بها السنور الفأر الواقع في قبضته، ذلك أنه بعد أن خدر أعصابه بسجنه ومجاملته أحد عشر شهراً، وافق على أن يطلق سراحه مشترطاً عليه ذلك الشرط المستحيل التنفيذ، وهو أن يسلم الملك كل ما لفرنسا من الحقوق، ثابتة كانت أو مزعومة، على جنوى، وميلان، ونابلي، وفلاندرز، وآرتوا، وتورناي، وبرغندية، ونبره (نافار)؛ وأن يمد فرانسس شارل بما يحتاجه من السفن والرجال لتسيير حملة على روما أو على الأتراك، وأن يتزوج فرانسس إليانورا أخت شارل، وأن يسلم الملك أكبر ابنيه وهما فرانسس البالغ من العمر عشر سنين، وهنري البالغ تسعاً إلى شارل ليكونا رهينتين عنده ضماناً للوفاء بهذه الشروط. ووافق فرانسس على هذه الشروط كلها بمقتضى معاهدة مدريد (14 يناير سنة 1526). وأكد هذه الموافقة بأغلظ الأيمان، وإن كان ضميره ياجي ويوارب. وسمح له بعدئذ في السابع عشر من مارس أن يعود إلى فرنسا تاركاً ولديه سجينين في مكانه. فلما وصل إليها أعلن أنه لا ينوي الاستمساك بالوعود التي بذلها تحت الضغط والإرهاب، وأعفاه كلمنت مستعيناً بالقانون الكنسي من التمسك بإيمانه، وفي الثاني والعشرين من مايو وقع فرانسس، وكلمنت، والبندقية، وفلورنس، وفرانتشيسكو ماريا اسفوردسا حلف كنياك، وتعهدوا فيه بإرجاع آستي، وجنوي إلى فرنسا، وإعطاء اسفوردسا ميلان إقطاعية فرنسية، وأن ترد إلى كل ولاية إيطالية كل ما كان لها من أملاك قبل الحرب، وأن يُفتدى الأسرى الفرنسيون بمليو كرون، وان تمنح نابلي
لأي أمير إيطالي يرضى أن يؤدي عنها إلى ملك فرنسا جزية سنوية مقدارها 75.000 دوقة. ووجهت دعوة رقيقة إلى الإمبراطور لتوقيع هذا الاتفاق؛ وقرر الحلف الجديد أنه إذا رفض الإمبراطور توقيع شروطه، حاربه حتى يطرد هو وجميع قواته من إيطاليا(28).
وندد شارل بالحلف وأعلن أنه يناقض الأيمان المقدس الذي أقسمه فرانسس، كما يناقض شروط المعاهدة التي وقعها كلمنت مع لانوى. وإذ كان هو غير قادر على الذهاب إلى إيطاليا في ذلك الوقت، فقد كلف هوجو ده منكادا Hugo de Moncada بأن يجتذب كلمنت إلى صفه بالوسائل الدبلوماسية، فإذا عجز أثار ثورة على البابا يقوم بها آل كولنا وسكان روما. وقام منكادا بهذه المهمة أحسن قيام، وأوثق صلات المودة بين كلمنت وآل كولنا، وأقنع البابا بأن يسرح الجنود الذين يقومونه بحراسته، وسمح لآل كولنا بأن يمضوا في تآمرهم للاستيلاء على روما. وبينما كانت المسيحية ماضية في الغدر والاقتتال على هذا النحو، كان الأتراك بقيادة سليمان القانوني يضربون أهل المجر الضربة القاسية في موهاكس Mohacs (29 أغسطس سنة 1526)، ويستولون على بودابست (10 سبتمبر). وارتاع كلمنت لخوفه من أن لا تصبح أوربا بروتستنتية فحسب، بل مسلمة أيضاً، فأعلن إلى الكرادلة أنه يفكر في الذهاب إلى برشلونة بنفسه ليطلب إلى شارل أن يعقد الصلح مع فرانسس، وأن يضم العاهلان قواتهما لمحاربة الأتراك. وكان شارل في ذلك الوقت يجهز أسطولاً، يقصد به كما قيل في روما، أن يغزو إيطاليا ويخلع البابا(29).
وفي العشرين من سبتمبر دخل آل كولنا روما ومعهم خمسة آلاف جندي، وتغلبوا على ما لقوا من مقاومة ضعيفة، ونهبوا قصر الفاتيكان، وكنيسة القديس بطرس، وبورجو فتشيو القريبة منها، وفر كلمنت إلى قلعة سانت أنجيلو. وجرد قصر البابا من كل ما فيه بما في ذلك الصور
التي رسمها رافائيل على أقمشة الجدران وسرق تاج البابان فسه، والأواني المقدسة، والمخلفات المدخرة، والملابس البابوية الثمينة؛ وخرج جندي استخفه المرح فارتدى ثوب البابا الأبيض، وقلنسوته الحمراء، وأخذ يوزع البركات البابوية بوقار ساخر(30). وفي اليوم التالي رد منكادا لكلمنت التاج البابوي، وأكد له أن الإمبراطور لا يضمر للبابوية إلا الخير، وأرغم البابا المرتاع أن يوقع هدنة مع الإمبراطورية تدوم أربعة أشهر، وأن يعفو عن آل كولنا.
ولم يكد منكادا ينسحب إلى نابلي حتى حشد كلمنت قوة بابوية جديدة قوامها سبعة آلاف جندي، أمرها في آخر شهر أكتوبر بأن تزحف على حصون آل كولنا، وطلب في الوقت نفسه إلى فرانسس الأول وهنري الثامن أن يمداه بالعون، فأما فرانسس فقد بعث إليه يعتذر ويسوف، وأما هنري فقد كان منهمكا في الواجب الثقيل واجب إنجاب ابن يخلفه، ولهذا لم يرد بشيء. وكان ثمة جيش بابوي آخر في الجنوب أعجزته عن العمل سياسة التسويف الغادرة في ظاهرها التي جرى عليها فرانتشيسكو ماريا دلا روفيري دوق أربينو الذي لم ينس أن ليو العاشر أخرجه من دوقيته، ولم يكن يرى في سماح أدريان وكلمنت له بالعودة إليها والبقاء فيها فضلا لهما كبيراً يشكره لهما. وكان مع هذا الجيش قائد أعظم منه بسالة هو الشاب جيوفني ده ميديتشي الوسيم الخلق ابن كترينا اسفوردسا الذي ورث عنها روحها العالية والذي سمى جيوفني دلي باندي نيري- جيوفني ذا الرباط الأسود- لأنه هو وجنوده قد لبسوا شرائط سوداً حزناً على موت ليو(31). وكان جيوفني هذا يتحرق شوقاً إلى قتال ميلان، ولكن فرانتشيسكو ماريا تغلب عليه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق