إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1097 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانهيار السياسي -> ليو وأوروبا الفصل الرابع ليو وأوربا 1513 - 1521



1097


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانهيار السياسي -> ليو وأوروبا

الفصل الرابع


ليو وأوربا


1513 - 1521


ووضع مؤتمر بولونيا الهيبة الدبلوماسية في كفة، والجرأة والسطوة في كفة أخرى، وبقي أن تُعرف أية الكفتين هي الراجحة. وأقبل الملك الشاب الوسيم يزهو في معطفه الموشى بالذهب وفراء السمور، والنصر معقود لألويته، وجيشه من ورائه؛ يتوق إلى أن يلتهم إيطاليا عن آخرها، ولا يبقى فيها إلا البابا حارساً له على أملاكه؛ وليس لليو في مقابل هذا إلا سحر منصبه ودهاء آل ميديتشي. ومن ثم فإذا كان ليو قد أثار الملك على الإمبراطور، وانتقل من جانب إلى جانب بالحيلة والمراوغة، ووقع مع كل منهما المعاهدات ضد الآخر، إذا كان قد فعل هذا بحكم الظروف فليس لنا أن نغالي في وزن أعماله هذه بميزان العدالة الصارمة. ذلك أنه لم يكن لديه من السلاح ما يستخدمه لنيل أغراضه غير هذه الوسيلة، ولقد كان عليه أن يدافع عن تراث الكنيسة الذي وكل أمره إليه؛ ثم إن أعداءه كانوا هم أيضاً يستخدمون هذا السلاح نفسه بالإضافة إلى جيوشهم ومدافعهم.
ولقد بقيت الاتفاقات السرية التي عقدت في ذلك الاجتماع في طيات الخفاء إلى يومنا هذا. ويلوح أن فرانسس حاول أن يستدرج ليو إلى محالفته ضد أسبانيا؛ فطلب إليه ليو أن يمهله حتى يفكر في الأمر- وتلك هي الطريقة الدبلوماسية في الرفض؛ وسبب ذلك أن سياسة الكنيسة التقليدية التي طال عليها الأمد لا تسمح بأن تطوق دولة واحدة أملاكها من الشمال والجنوب(11). وكانت النتيجة الواضحة الوحيدة لاتفاق عام 1516 هي

إلغاء قرار بورج التنظيمي The Praqmalie Sanction of Bourges. وكان هذا القرار المعقود في عام 1438 قد أقام مجلساً عاماً له السلطة العليا على البابوات ومنح ملك فرنسا حق تعيين ذوي المناصب الكنسية الكبرى في فرنسا. ووافق فرانسس على إلغاء هذا القرار، بشرط أن يبقى للملك حق الترشيح لهذه المناصب؛ وقبل ليو هذا الشرط. وقد يبدو أن هذا كان هزيمة للبابا، ولكن ليو حين قبله إنما كان يجري على سنة جرى بها العمل في فرنسا من عدة قرون؛ وكان يفعله هذا يوفق دون قصد بين الكنيسة والدولة في فرنسا توفيقاً لا يُبقي للملكية الفرنسية أسباباً مالية لتأييد حركة الإصلاح الديني. ثم إنه بهذا العمل قد وضع حداً للنزاع الذي طال عليه الأمد بين فرنسا والبابوية على سلطة المجالس والبابوات وحدود هذه السلطة.
واختتم المؤتمر بأن طلب الزعماء الفرنسيون إلى ليو أن يغفر لهم أنهم شنوا الحرب على سلفه؛ ووجه إليه فرانسس بهذه المناسبة الخطاب قائلاً: "أيها الأب المقدس! ليس لك أن تعجب من أننا كنا أعداء ليوليوس الثاني فقد كان هو على الدوام أعدى أعدائنا، ولم نلق في أيامنا خصما أقوى منه، ذلك بأنه كان في واقع الأمر قائدا بارعا ممتازاً، ولو أنه كان قائداً للجند، لكان أعظم منه بابا"(12). وغفر ليو ذنوب أولئك التائبين الأشداء على بكرة أبيهم، وباركهم، وكادوا في آخر الاجتماع أن يقطعوا قدميه تقبيلاً(13).
وعاد فرانسس إلى فرنسا تعلو هامته هالة من المجد، واستسلم زمناً ما للعشق واللهو. ولما مات فرديناند الثاني (1516)، فكر ملك فرنسا مرة أخرى في غزو نابلي، ولعله أراد أن يتخذ هذا العمل وسيلة مجيدة للتخلص من زيادة السكان في فرنسا. ولكنه مع ذلك عقد معاهدة للصلح مع شارل الأول حفيد فرديناند الذي أصبح الآن ملكاً على أرغونة، وقشتالة، ونابلي، وصقلية. فلما مات مكسمليان (1519)، ورشح حفيده شارل ليخلفه على عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ظن فرانسس

أنه أجدر بتاج الإمبراطورية من ملك أسبانيا البالغ من العمر تسعة عشر عاماً. وأخذ يسعى بنشاط لأن يفوز بالانتخاب لهذا المقام الرفيع. ووجد ليو نفسه مرة أخرى في أخطر المواقف. لقد كان يفضل أن يؤيد فرانسس، لأنه رأى أن اتحاد نابلي، وأسبانيا، وألمانيا، والنمسا، والأراضي الوطيئة، تحت سلطان مليك واحد، يوسع رقعة ملكه، ويزيد ثروته وعدد رجاله زيادة تخل بتوازن القوى، ذلك التوازن الذي كان فيه حتى ذلك الوقت وقاية للولايات البابوية. لكن اختيار شارل رغم معارضة البابا سينفر منه الإمبراطور الجديد في الوقت الذي يحتاج فيه أشد الاحتياج إلى معونته للقضاء على الفتنة البروتستينتية. وتردد ليو أطول مما يجب في أن يشعر الناخبين بنفوذه؛ واختير شارل الأول إمبراطورا وأصبح هو شارل الخامس. وواصل البابا سياسة توازن القوى فعرض على فرانسس أن يحالفه؛ ولما تردد الملك كما تردد هو من قبل وقع ليو على حين غفلة اتفاقاً مع شارل (8 مايو سنة 1521)، عرض عليه الإمبراطور الشاب فيه كل شيء تقريباً: عودة بارما وبياتشندسا، ومعونته ضد فيرارا ولوثر، وإعادة فتح ميلان وإعطائها إلى آل اسفوردسا، وحماية الولايات البابوية وفلورنس إذا هوجمت.
وتجدد القتال في شهر سبتمبر من عام 1521، وقال الإمبراطور في ذلك: "إني أنا وابن عمي فرانسس على تمام الوفاق؛ فهو يريد ميلان وأنا أريدها"(14). ‎‎وتولى قيادة القوات الفرنسية في إيطاليا أوديه ده فوا Odet de Foix فيكونت لوتريه Vicomte de Lautrec. وكان فرانسس قد ولاه هذه القيادة بناء على رجاء أخته التي كانت في ذلك الوقت عشيقة الملك. وغضبت لويز أميرة سافوى Louise of Sovoy أم الملك من هذا التعيين وحولت في الخفاء المال الذي أعده فرانسس لجيش لوتريه إلى أغراض أخرى(15)؛ وامتنع من كان في ذلك الجيش من السويسريين عن القتال لمنع مرتباتهم عنهم. ولما اقترب من ميلان جيش بابوي قوي بقيادة القائد

المحنك برسبيرو كولنا ماركيز بسكارا والمؤرخ جوتشيارديني، أثار أنصار الإمبراطورية من حزب الجبلين فتنة ناجحة بين الأهلين الذين كانوا يرزحون تحت أعباء الضرائب الفادحة، انسحب على أثرها لوتريه من المدينة إلى أملاك البندقية؛ واستولى جنود شارل وليو على المدينة وكادوا لا يريقون في سبيل ذلك قطرة دماء؛ وأصبح فرانتشيسكو ماريا اسفوردسا وهو ابن آخر من أبناء لدوفيكو دوقاً لميلان تابعاً للإمبراطور، وكان في مقدور ليو أن يواجه الموت وهو في نشوة الانتصار.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق