إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1093 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> نظرة شاملة الفصل الحادي عشر نظرة شاملة



1093


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الانحلال الأخلاقي -> نظرة شاملة

الفصل الحادي عشر


نظرة شاملة


تُرى هل كانت أخلاق إيطاليا في عصر النهضة أسوأ من أخلاق غيرها من البلاد أو العصور؟ إن المقارنة لمن الأمور العسيرة، لأن الشواهد كلها محض اختيار. فعصر ألقبيادس في أثينا مثلا يكشف عن كثير مما في عصر النهضة من فساد في العلاقات الجنسية والمماحكات السياسية، ففيه أيضا كان يحدث الاجهاض على نطاق واسع، وفيه اتسع المجال للعاهرات المثقفات المتأدبات؛ وفيه أيضاً تحررت العقول والغرائز في وقت واحد، وفيه استبق السوفسطائيون أمثال شرازيبولوس في جمهورية أفلاطون مكيفلي إلى مهاجمة الفضائل ووصفوها بأنها من سمات الضعف، ولربما كان العنف الفردي في بلاد اليونان القديمة أقل منه في إيطاليا على عهد النهضة، كما كان الفساد في الدين والسياسة عند اليونان أقل بعض الشيء منه في إيطاليا (ونقول ربما عامدين لأنا في هذه المسائل إنما نعتمد على ما ينطبع في عقولنا لا على ما نجزم به واثقين). وكذلك الحال في أيام الرومان الأقدمين؛ ففي قرن كامل في تاريخ الرومان- من عهد قيصر إلى عهد نيرون- نجد الفساد في الحكم، والانحلال في عقدة الزواج أكثر منهما عهد النهضة؛ ولكن كثيراً من الفضائل الرواقية قد بقي في أخلاق الرومان حتى في ذلك العصر الفاسد نفسه، فقد كان قيصر، رغم ما يتصف به من قدرة على الجمع بين الضدين في الرشوة والحب، أعظم القواد في أمة كل رجالها قواد عظام.
وكانت النزعة الانفرادية في عصر النهضة ناحية أخرى من نواحي حيويتها ونشاطها، ولكنها لا تضارع في الناحيتين الخلقية والسياسية ما كانت عليه النزعة الاستقلالية في مدن العصور الوسطى، وأكبر الظن أن الخداع والغدر

والجريمة لم تكن في فرنسا، وألمانيا وإنجلترا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر أقل مما كانت في إيطاليا؛ ولكن هذه الأقطار قد أوتيت من الحكمة والحصافة ما حال بينها وبين إخراج رجل مثل مكيفلي لينشر مبادئ فنها السياسي ويعرضه على الأنظار. لقد كانت العادات والآداب العامة لا المبادئ الأخلاقية أكثر فظاظة وغلظة في شمال جبال الألب منها في جنوبها، إذا استثنينا من هذا الحكم طبقة صغيرة في فرنسا- يمثلها الفارس الشهم بايار Bayard وجاستن ده فوا Gaston de Foix- كانت لا تزال تحتفظ بالناحية الطيبة من نظام الفروسية. لكن الفرنسيين إذا ما أتيحت لهم الفرص التي أتيحت للإيطاليين لم يكونوا أقل منهم انهماكاً في الزنا؛ وما على القارئ إلا أن يتذكر كيف انتشر داء الزهري بينهم انتشاراً سريعاً، أو أن يلاحظ الاختلاط الجنسي التي تصفه لنا الأساطير الشعرية، أو يحصي العاشقات الأربع والعشرين اللاتي كان يستمتع بهن فيليب دوق برغندية، ويتذكر أنييه رسول Agnel Sorels وديان ده بواتييه Dianes de Poitiers من حاشية ملوك فرنسا؛ أو فليقرأ ما كتبه في ذلك برانتوم Brantome.
وإذا كانت ألمانيا وإنجلترا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر لم تضارعا إيطاليا في الفساد الخلقي فقد كان منشأ ذلك فقر هذين البلدين. ولهذا فإن من جاءوا منهما إلى إيطاليا قد ذهلوا مما شاهدوا في الحياة الإيطالية من انحلال في الأخلاق. ولما زار لوثر إيطاليا في عام 1511 قال من فوره إنه "إذا كان هناك جحيم، فإن روما قد بنيت من فوقه؛ وهذا ما سمعته في روما نفسها"(111). وليس منا من لم يعرف الحكم الصارم الذي نطق به في ذهوله روجر آسكم Roger Ascham العالم الإنجليزي الذي زار إيطاليا حوالي عام 1550:
"لقد كنت يوماً ما في إيطاليا نفسها، ولكني أحمد الله إذ لم أقم فيها إلا تسعة أيام؛ ومع هذا فإني شاهدت في هذا الزمن القصير، في مدينة
واحدة، من الانغماس في الذنوب والتحرر من قيود الأخلاق أكثر مما سمعته يقال في تسعة أيام عن بلدتنا النبيلة لندن. لقد رأيت هناك أن في مقدور المرء أن يرتكب الخطايا دون أن يتعرض للعقاب ودون أن يهتم بخطاياه أي إنسان، وقد أوتي من الحرية في ارتكابها بقدر ما أوتي ساكن لندن من حرية في أن يختار دون لوم أن يلبس حذاء أو خفاً(112).
وهو يورد من الأمثال السائرة قولهم "إن الإنجليزي المتطلين هو الشيطان المجسد".
وإنا لنعرف عن فساد إيطاليا أكثر مما نعرفه عن فساد ما وراء الألب لأنا نعرف عن الأولى أكثر مما نعرف عن الثانية، ولأن غير رجال الدين من الإيطاليين لم يحاولوا قط أن يخفوا فسادهم، بل إنهم في بعض الأحيان ألفوا الكتب للدفاع عن هذا الفساد. على أننا نعود فنقول إن مكيفلي الذي ألف كتاباً من هذا النوع كان يرى أن إيطاليا "أكثر فساد من كل ماعداها من الأقطار، ثم يليها في ذلك الفرنسيون ثم الأسبان"(113). وكان يعجب بالألمان والسويسريين ويقول إنهم لايزالون يتصفون بكثير من فضائل الرجولة التي كانت لأهل روما القديمة. وفي وسعنا أن نقول بشيء من الحذر والتردد أن إيطاليا كانت أكثر من غيرها فساداً لأنها كانت أكثر ثراء، وأضعف حكما، وأقل خضوعا لسلطان القانون، وإنها كانت أكثر رقيا في ذلك التطور الذهني الذي يؤدي في العادة إلى التحلل من القيود الأخلاقية.
ولقد بذل الإيطاليون جهوداً مشكورة في مقاومة ذلك الانحلال. وكانت أقل هذه الجهود ثمرة هي قواعد النفقات التي وضعت في الدول الإيطالية كلها تقريباً والتي كانت تحرم الإسراف في الإنفاق على الملابس المتبهرجة، غير ما كان يتصف به الرجال والنساء من زهو وخيلاء كان أقوى من قوة القانون. وكان البابوات ينددون بالفساد الخلقي، ولكن

التيار القوي كان يجرفهم معه في بعض الأحيان، وكانت المحاولات التي يبذلونها لإصلاح مفاسد الكنيسة يحول دون نجاحها عدم رغبة الكهنة في الإقلاع عن عاداتهم السيئة أو محافظتهم على مصالحهم المكتسبة. على أنهم هم أنفسهم لم يبلغوا من الفساد المبلغ الذي يصورهم به المؤرخون المغالون، غير أنهم كانوا أكثر اهتماماً بإعادة سلطان البابوية السياسي منهم بإعادة صلاح الكنيسة الأخلاقي. وفي ذلك يقول جوتشيارديني: "إن الحبر الأعظم ليوصف بالصلاح ويمتدح إذا لم يكن أكثر شراً من غيره من الناس"(114). ولقد بذل وعاظ ذلك العصر العظام جهوداً جبارة لإصلاح ذلك الفساد؛ ونذكر منهم على سبيل المثال القديس برناردينو السينائي، وروبيرتودا لتشي Roberto da Lecce، وسان جيوفني دا كابستراتوا، وسفنرولا. ولقد كانت عظاتهم، وكان مستمعوهم، جزءاً من لون ذلك العصر وطبيعته. فقد كانوا ينددون بالرذيلة بأقوال مفصلة واضحة، أذاعت بين الناس شهرتهم وجذبت إليهم القلوب؛ وقد أقنعوا رجال الإقطاع بالتخلي عن عادة الأخذ بالثأر، وبالعيش في وئام وسلام، وحملوا الحكومات على أن تطلق سراح المدنيين المفلسين، وتسمح للمنفيين بأن يعودوا إلى أوطانهم آمنين؛ وعادوا بالآثمين الذين قست قلوبهم من الذنوب إلى ما أهملوه من الصلاة ومن مراعاة لقواعد الدين.
غير أن هؤلاء الوعاظ الأقوياء أنفسهم قد أخفقوا فيما كانوا يبتغون؛ فقد عادت إلى الظهور تلك الغرائز التي تكونت خلال مائة ألف عام قضاها الإنسان صياداً متوحشاً، حين خرجت من قشرة الأخلاق التي تشققت بعد أن فقدت تأييد العقيدة الدينية واحترام السلطة العليا والقانون الثابت المقرر. ولم يعد في مقدور الكنيسة التي كانت من قبل تحكم الملوك أن تحكم أو تطهر نفسها. وكان انهيار الحرية السياسية في دولة إثر دولة قد ثلم حدة الشعور الوطني الذي بث روح الحرية والنبل في حكومات مدن العصور الوسطى

المستقلة؛ فلم نعد نرى إلا أفراداً بعد أن كنا نرى مواطنين. ووجد أولئك الأفراد أنفسهم محرومين من الاشتراك في حكم بلادهم، وبأيديهم ثروة ضخمة، فاتجهوا إلى طلب اللذات، حتى إذا داهمهم الغزو الأجنبي وجدهم، في أحضان العاهرات. وقد ظلت دول المدن قرنين من الزمان توجه قواتها، وحذقها، ودهائها، وغدرها، بعضها نحو بعض، حتى أصبح مستحيلا عليها، أن تضم شملها للوقوف أمام عدو لها مشترك. ولما أخفق الوعاظ أمثال سفنرولا في كل ما لجئوا إليه من وسائل لإصلاح الحال، أخذوا يدعون الله ليصب جام غضبه على إيطاليا، وتنبئوا بان روما سيحيق بها الخراب، وأن الكنيسة ستحطم وتتبدد(115). وملت فرنسا، وأسبانيا، وألمانيا إرسال الخراج لسد نفقات الحروب التي تشنها الولايات البابوية، ولتمكين الإيطاليين من أن يحيوا حياتهم المترفة، وأخذوا ينظرون بعين الدهشة والحسد إلى شبه الجزيرة التي فقدت إرادتها وجردت من سلطانها، والتي تستهوي القلوب بجمالها وثرائها. وتجمعت الطيور الجارحة وأخذت تحلق في سماء إيطاليا توشك أن تنقض عليها لتشبع منها نهمها.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق