1081
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> مكيفلي -> الفيلسوف
3- الفيلسوف
ولنبحث الآن الفلسفة "المكيفلية" بأكثر ما نستطيع من النزاهة فنقول إننا لا نجد عند غير مكيفلي مثل ما نجده عنده من الاستقلال في الرأي ومن التفكير الجريء المجرد من الخوف في عالم الأخلاق والسياسة، وإن من حق مكيفلي أن يدعي أنه قد شق طرقاً جديدة في بحار لم يكد يطرقها أحد قبله.
وفلسفة مكيفلي تكاد تكون فلسفة سياسية خالصة، ليس فيها شيء من فلسفة ما بعد الطبيعة، ولا اللاهوت، ولا الإيمان أو الكفر، ولا بحث في الجبرية أو القدرية؛ وحتى الفلسفة الأخلاقية نفسها لا تلبث أن تنحني
جانبا لأنها بوصفها فلسفة تابعة للسياسة، وتكاد تكون أداة لها. وهو يفهم السياسة على أنها الفن العالي الذي يراد به إيجاد دولة، أو الاستيلاء عليها، أو حمايتها، أو تقويتها؛ وهو يهتم بالدولة لا بالإنسانية عامة؛ ولا يرى في الأفراد إلا أنهم أعضاء في دولة، إلا إذا نظر إليهم من حيث أنهم يساعدون على تقرير مصيرها؛ وهو لا يعني قط باستعراض الأفراد على مسرح الزمان. وهو يريد أن يعرف لم تنشأ الدول وتسقط، وكيف يمكن تأخير اضمحلالها المحرم إلى أبعد ما يستطاع من الوقت.
وهو يرى أن فلسفة التاريخ وعلم الحكم أمكن وجودهما لأن الطبيعة البشرية لا تتبدل أبداً:
" يقول الحكماء، ولهم الحق فيما يقولون، إن من شاء أن يتنبأ بالمستقبل فعليه أن يرجع إلى الماضي؛ لأن الأحداث البشرية تشابه دائماً أبداً أحداث الأزمنة الماضية. ومنشأ هذا التشابه أنها ثمرة أعمال خلائق كانوا، ولا يزالون؛ وسيكونون على الدوام، تحركهم نفس العواطف والانفعالات، ولهذا فإن هذه العواطف والانفعالات لابد أن تكون النتائج نفسها(84)... وأنا أعتقد أن العالم كان هو يعينه على الدوام، وأنه كان يحتوي دائماً كل ما يحتويه الآن من خير وشر، وإن كان هذا الخير وذاك الشر يختلف توزيعهما بين الأمم باختلاف الأوقات"(85).
وظاهرتا نشأة الحضارات والدول واضمحلالها من أكثر الظواهر المتتابعة المنتظمة دلالة في التاريخ. وهنا يواجه مكيفلي مشكلة معقدة غاية في التعقيد بقانون بسيط غاية البساطة فيقول: "الشجاعة تنتج السلم؛ والسلم تنتج الراحة، والراحة تستتبع الفوضى، والفوضى تؤدي إلى الخراب. ومن الفوضى ينشأ النظام، والنظام يؤدي إلى الشجاعة (Virtu)، ومن هذه ينال المجد والحظ الحسن. ومن أجل هذا قال الحكماء إن عهد السمو الأدبي يأتي في أعقاب التفوق الحربي؛ وإن ... المحاربين العظام ينشئون قبل
الفلاسفة"(86). وقد تكون هناك أسباب أخرى لنشأة الأمم واضمحلالها غير الأسباب العامة وهي عمل القادة والزعماء من الأفراد وتأثيرهم؛ من ذلك أن مطامع الحاكم المتطرفة، التي تعميه فلا يرى أن موارده لا تكفي لتحقيق أغراضه، قد تكون سبباً في خراب دولته إذ تجرها إلى الاشتباك في الحرب مع دولة أعظم منها قوة. وللحظ والمصادفات كذلك أثر في قيام الدول وسقوطها. "فالحظ هو الذي يتحكم في نصف أعمالنا، ولكنه يترك لنا مع ذلك القدرة على توجيه النصف الآخر"(87). وكلما كثر نصيب للإنسان من الشجاعة قل خضوعه لتقلبات الحظ واستسلامه له.
وتاريخ دولة ما يتبع قوانين عامة، يحددها ما تنطوي عليه طبيعة الناس من خبث وشر. والناس كلهم بطبيعتهم مقتنون، مخادعون، مخاصمون، قساة، فاسدون.
"ومن أراد أن ينشئ دولة، ويضع لها قوانين، فليفترض من بادئ الأمر أن الناس جميعاً أشرار، مستعدون على الدوام لأن يكشفوا عن خبث طويتهم إذا وجدوا الظروف الملائمة لهذا العمل؛ فإذا ما ظلت ميولهم الخبيثة مختفية إلى حين، فيجب أن يعزى اختفاؤها هذا إلى سبب غير معروف؛ ومن واجبنا أن نفترض أنها لم تجد الظروف الملائمة للكشف عن نفسها؛ ولكن الزمن... لن يعجزه الكشف عنها... والرغبة في الاقتناء من الغرائز الفطرية العامة في واقع الأمر، والناس جميعا يقتنون حين يستطيعون؛ ولهذا فإنهم يمدحون على ذلك ولا يلامون عليه"(88).
وإذا كان الأمر كذلك فإن الطريقة الوحيدة لجعل الناس أخياراً - أي قادرين على أن يعيشوا بنظام في مجتمع - هي أن يطبق عليهم القسر، والخداع، والاعتياد واحداً بعد واحد. ومن هذا تنشأ الدولة: تنظيم القوة على يد الجيش والشرطة، ووضع القواعد والقوانين، وتكوين العادات تدريجياً للاحتفاظ بالزعامة والنظام في الجماعة البشرية. وكلما كانت
الدولة أكثر نماء. قلت الحاجة إلى استخدام القوة أو ظهورها فيها؛ واكتفى بدلا منها بالتعليم وغرس العادات، لأن الناس يكونون في يدي المشرع أو الحاكم القدير أشبه بالصلصال اللين في يدي المثال.
والين خير وسيلة لتعويد الناس الذين فطروا على الشر الخضوع إلى القانون والنظام. ويكتب مكيفلي الذي يسميه باولو جيوفيو Paolo Giovio أحد المعجبين به الكافر الهجاء(89)، عن الدين حماسة بالغة يقول:
"لم تر الآلهة أن الشرائع التي وضعها رميولوس كافية لروما، وإن كان هذا الأمير هو الذي أنشأها...، ولهذا أوحت إلى مجلس الشيوخ الروماني أن يختار نوما بمبليوس Numa Pompilius خليفة له... ووجد نوفا شعباً متوحشاً أشد التوحش، أراد أن يغرس فيه عن طريق فنون السلم عادة الطاعة المدنية، فلجأ إلى الدين الذي رآه أقوى مؤيد للمجتمع المدني وألزمه، فأقامه على أسس بلغ من قوتها أن مضت قرون طوال دون أن يوجد في مكان ما خوف من الآلهة أكبر مما كان في هذه الجمهورية. وقد يسر هذا تيسيراً كبيراً جميع المشروعات التي حاول القيام بها مجلس الشيوخ أو كبار اعضائه... وقد أدعى نوما أنه تحدث إل إحدى الحور، وأنها أملت عليه كل ما يريد أن يقنع به الناس... والحق أنه لم يوجد قط مشرع عظيم... لم يلجأ إلى القوة الإلهية، وإلا لما أطاع الناس شرائعه؛ لأن ثمة شرائع صالحة كثيرة يدرك المشترع الحكيم أهميتها، ولكن أسباب وضعها لا تتضح للناس وضوحاً يكفي لأن يمكنه من إقناع غيره من الناس بإطاعتها؛ وهذا هو السبب الذي يجعل العقلاء من الناس يلجئون إلى السلطة الإلهية ليتغلبوا على هذه الصعوبة(90)... واتباع الأنظمة الدينية هو سبب عظمة الجمهوريات؛ وإهمال هذه النظم يؤدي إلى خراب الدول؛ ذلك أنه إذا انعدم من بلد ما خوف الله، قضي على هذا البلد لا محالة؛ إلا إذا دعمه خوف الأمير وهو خوف يمكن أن يعوض فترة من الزمن ما ينقص
هذا البلد من خشية الله. لكن حياة الأمراء قصيرة...(91).
"وإذا أراد الأمراء أن يبقوا على أنفسهم... وجب عليهم قبل كل شيء أن يحافظوا على نقاء الشعائر الدينية، وأن ينظروا إليها بالاحترام اللائق بها؛ وهذا بعينه يصدق على الجمهوريات، فهي لا بقاء لها إلا إذا حافظت على هذا النقاء ووجهت إلى تلك الشعائر هذا الاحترام نفسه(92)... واكثر من يستحق الثناء ممن نالوا هذا الثناء هم الذين أنشئوا الأديان وأقاموها. ويليهم في هذا الذين أقاموا الجمهوريات أو الممالك. وأعظم الناس بعد هؤلاء وأولئك هم الذين قادوا الجيوش ووسعوا أملاك بلادهم. وقد نضيف إليهم رجال الأدب... وعكس هذا أيضاً صحيح. فالذين يهدمون صرح الدين، ويقضون على الجمهوريات والممالك والذين هم أعداء الفضيلة والآداب، أولئك يجللهم العار. وتصب عليهم اللعنات من الناس أجمعين"(93).
وبعد أن ارتضى مكيفلي الدين بوجه عام انتقل إلى الدين المسيحي فأخذ يوجه إليه أشد النقد لأنه عجز عن إيجاد مواطنين طيبين. ذلك ان حول أكثر ما يجب تحويله من العناية إلى السماء، وأضعف الناس بأن أخذ يدعوهم إلى الفضائل النسوية وفي ذلك يقول:
"إن الدين المسيحي يدعونا إلى الاستخفاف بحب الدنيا، ويجعلنا أكثر رقة وليناً. أما القدماء فكانوا عكس هذا، كانوا يجدون أعظم أسباب بهجتهم في هذا العالم... ولم يكن دينهم يقدس إلا الذين يتوج هاماتهم مجد هذا العالم الأرضي، كقواد الجيوش، ومؤسسي الجمهوريات؛ على حين أن ديننا نحن قد مجد الوادعين الذين يقضون زمانهم في التأمل والتفكير بدل أن يمجد رجال العمل. وقد جعل هذا الدين أعلى درجات الخير الذلة، وضعف العزيمة، واحتقار الأمور الدنيوية؛ أما الدين القديم فكان يجعل أعلى درجات الخير عظم العقل، وقوة الجسم، وكل ما يبعث في الناس
الإقدام والجرأة... ومن أجل هذا خر العالم صريعاً أمام الأشرار، فقد وجد هؤلاء الناس أكثر استعداداً للخضوع إلى الضربات طمعاً منهم في دخول الجنة بدل أن بردوا عليها بمثلها(94)...
"ولو أن الدين المسيحي قد احتفظ به حسب القواعد التي وضعها له مؤسسه، لكانت الدول والبلاد المسيحية أقوى اتحاداً وأكثر سعادة مما هي الآن. وهل ثمة أدل على ضعفها وانحلالها من أن أقرب الشعوب إلى الكنيسة الرومانية، وهي رأس هذا الدين، أقلها تديناً؛ ومن يبحث المبادئ التي يقوم عليها هذا الدين وير البون الشاسع بين هذه المبادئ وبين أساليبها الحاضرة وشعائرها، يحكم من فوره أن انهيار هذا الدين أو مصيره المحتوم آت غير بعيد(95)... ولعل الدين المسيحي كان يقضي عليه قضاء لا مرد له بسبب ما فيه من فساد لو لم يرد إليه القديسان فرانسس ودمنيك مبادئه الأصيلة... وإذا شئنا أن نضمن للطوائف أو الجمهوريات الدينية حياة أطول وأبقى، وجب أن نرجع بها مراراً وتكراراً إلى مبادئها الأولى الأصيلة(96)".
ولسنا نعرف هل كتبت هذه الألفاظ قبل أن تصل إلى ايطاليا أنباء الإصلاح الديني أو بعد وصولها إليها.
ويختلف خروج مكيفلي على المسيحية عن خروج فلتير، وديدرو، و بين Paine، ودارون، واسبنسر، ورينان عليها. ذلك أن هؤلاء الرجال كانوا يرفضون لاهوت المسيحية، ولكنهم يحتفظون بالقانون المسيحي الأخلاقي ويعجبون به. وظلت هذه الحال قائمة إلى أيام نتشة ولطفت "حدة النزاع القائم بين الدين والعلم". أما مكيفلي فلا يشغل باله بالعقائد الدينية وبعدها عن المعقول؛ فهو يرى هذا البعد أمراً طبيعياً ويأخذه على أنه قضية مسلم بها، ولكنه يقبل اللاهوت المسيحي قبولا حسناً بحجة أن نظاماً ما من المعتقدات التي فوق الطبيعة هو دعامة لا غنى عنها للنظام الاجتماعي. أما الذي يرفضه من المسيحية رفضاً باتاً فهو مبادئها الأخلاقية، وما تراه من
أن الصلاح والخير هما الرقة، والذلة، والاستسلام وعدم المقاومة، وحبها للسلم، وتنديدها بالحرب؛ وافتراضها أن الدول والأفراد مرتبطون بقانون أخلاقي واحد. وهو يفضل عن هذه المبادئ القانون الأخلاقي الروماني، القائم على المبدأ القائل إن سلامة الشعب أو الدولة هي القانون الاعلى: "وحيث يكون الأمر أمر مصلحة بلادنا وخيرها، وجب علينا ألا نقبل البحث في العدل أو الظلم والرحمة أو القسوة، وما هو خليق بالثناء أو الازدراء؛ بل يجب أن نسلك كل سبيل ينقذ حياة الأمة وحريتها وننحى كل ماعدا هذا جانباً"(97). ذلك أن الأخلاق بوجه عام إن هي إلا قانون للسلوك وضع لأفراد المجتمع أو الدولة لحفظ النظام الجماعي، والوحدة، والقوة؛ وإن حكومة تلك الدولة لتعجز عن أداء واجبها، إذا كانت وهي تدافع عن الدولة، تسمح بأن تقيد نفسها بالقانون الأخلاقي الذي يجب عليها أن تغرسه في نفوس شعبها. ومن ثم فإن الدبلوماسي غير مقيد بالقانون الأخلاقي الذي يتقيد به شعبه. "فإذا ما أدانه عمل قام به وجب أن تغفر له نتيجة هذا العمل ذنبه"(98)؛ ذلك أن الغاية تبرر الوسيلة. "وما من رجل صالح يلوم رجلا غيره يحاول أن يدافع عن بلاده، أيا كانت السبل التي يسلكها لهذا الدفاع"(99). فضروب الغش، والقسوة، والجرائم التي يرتكبها الرجل في سبيل الاحتفاظ بدولته، كلها "غش شريف" و "جرائم مجيدة"(100). ومن ثم فإن رميولوس كان على حق حين قتل أخاه، لأن الحكومة الناشئة كانت تتطلب الوحدة، وإلا مزقت إرباً(101). وليس ثمة "قانون طبيعي" أو "حق" متفق عليه من الناس جميعاً؛ والسياسة إذا قصد بها فن الحكم يجب أن تكون مستقلة عن الأخلاق استقلالا تاماً.
وإذا ما طبقنا هذه المبادئ على قانون الحرب الأخلاقي، فإن مكيفلي واثق كل الثقة من أنها تجعل نزعة السلام المسيحية سخفاً وخيانة. ذلك أن الحرب تناقض وصايا موسى كلها تقريباً؛ فهل تجيز القسم، والكذب،
والسرقة، والقتل، وارتكاب الزنا آلاف المرات، ولكنها إذا ما حافظت على المجتمع أو كانت سبباً في تقويته فهي خير. وإذا ما وقفت الدولة عن التوسع أخذت بالاضمحلال، وإذا فقدت الرغبة في الحرب قفل عليها السلام. والسلم إذا طال فوق ما يجب يؤدي إلى الضعف والتفكك، ولذلك كانت حرب تدور بين الفينة والفينة مقوية للقومية، تعيد للأمة النظام، والشدة، والوحدة. ولهذا فإن الرومان في عهد الجمهورية كانوا دائماً مستعدين للحرب، فإذا رأوا أنهم مقبلون على نزاع مع دولة أخرى، لم يفعلوا شيئاً يجنبهم الحرب؛ بل أرسلوا جيشاً ليهاجم فيليب في مقدونية وأنطونوخيوس الثالث في بلاد اليونان ولم ينظروا حتى يأتي هذان المليكان بشرور الحرب إلى أرض إيطاليا(102). ولم يكن الروماني يرى أن الفضيلة هي الذلة، أو الرقة، أو السلام، بل كان يرى أنها هي القوة، والرجولة، والبسالة، مضافة إلى النشاط والذكاء. وهذا ما يعنيه مكيفلي بلفظ Vlrtu.
ثم ينتقل مكيفلي من هذه النظرة نظرة الحاكم المتحرر من القيود الأخلاقية ليواجه ما كان يبدو له أنه هو المشكلة الأساسية في أيامه: وهي أن يحصل لإيطاليا على الوحدة والقوة اللتين لا غنى عنهما لنيل حريتها الجماعية. وهو يرى بعين المقت ما يسود بلاده من انقسام، واضطراب، وفساد، وضعف؛ وهنا نرى ما كان في أيام بترارك جدّ نادر- نرى رجلا لا يؤدي تفانيه في حب قطره إلى أي نقص في حب مدينته. فإذا ما بحث عن الذي تقع عليه تبعة بقاء إيطاليا مقطعة الأوصال، ضعيفة بسبب ذلك أمام العدو، قال:
لا تستطيع أمة من الأمم أن تكون متحدة وسعيدة إلا إذا كانت تطبع حكومة واحدة سواء كانت جمهورية أو ملكية، كما هي الحال في فرنسا وأسبانيا؛ والسبب الوحيد الذي يمنع إيطاليا من أن تكون هذه حالها هو الكنيسة. ذلك أنها وقد حصلت لنفسها على سلطان زمني واحتفظت
بهذا السلطان، لم تؤت في يوم من الأيام من القوة أو الشجاعة ما يكفي لان يجعلها قادرة على الاستيلاء على بقية البلاد وفرض سيادتها الوحيدة على إيطاليا بأجمعها(103).
وهنا تبدو لنا فكرة جديدة: تلك هي أن مكيفلي لا يهاجم الكنيسة لأنها تدافع عن سلطتها الزمنية، بل يهاجمها لأنها لم تستخدم جميع مواردها لإخضاع إيطاليا كلها لحكمها السياسي. ومن أجل هذا أعجب مكيفلي بسيزارى بورجيا في إمولا وسنجاليا لأنه ظن أنه وجد في هذا الشاب القاسي فكرة إيطاليا المتحدة وأملها ؛ وكان على استعداد لأن يبرر أية وسيلة يستخدمها آل بورجيا ليحققوا بها ذلك الهدف الأسمى النبيل. ولربما كان خروجه على سيزارى بورجيا، حين خرج عليه في روما عام 1503، بسبب غضبه من أن معبوده هذا قد سمح بأن تقضى كأس من السم (كما كان مكيفلي يظن) على هذا الحلم اللذيذ.
وكان قد مضى على إيطاليا قرنان من الزمان وهي مقسمة مشتتة، سببا لها من الضعف والانحلال الاجتماعي ما لم يكن لينجيها منهما (في رأي ميكيفلي)
إلا أشد الوسائل عنفاً. فلقد عم الفساد الحكومات والشعب ، وحلت الرذائل الشهوانية محل الروح الحربية والمهارة العسكرية؛ وعهد المواطنون إلى غيرهم- كما عهد إليهم أيام احتضار روما القديمة- عهدوا إلى الجيوش المرتزقة كما عهدوا أولئك إلى البرابرة- أن يدافعوا عن مدنهم وأرضهم؛ وماذا يهم تلك العصابات المأجورة أو يهم زعماءها من وحدة إيطاليا؟ إنهم يعيشون ويتخمون بسبب انقسامها. لقد اتفقوا فيما بينهم على أن يتخذوا الحرب لعبة لا تقل لهم أمنا عن السياسة؛ فجنودهم لا يقبلون بحال من الأحوال أن يعرضوا أنفسهم للقتل، وإذا ما التقوا بالجيوش الأجنبية ولوا الأدبار، وأنزلوا إيطاليا منزلة الاسترقاق والاحتقار"(105).
وإذن فمنذا الذي يوحد إيطاليا؟ وكيف السبيل إلى هذه الوحدة؟ ليست السبيل إليها هي الإقناع بالوسائل الديمقراطية؛ ذلك أن الرجال متطرفون في نزعتهم الانفرادية، وفي حزبيتهم، وفسادهم، مما يحول بينهم وبين قبول الوحدة قبولا سليماً، ومثلهم في ذلك مثل المدن نفسها؛ ولهذا فإن هذه الوحدة لابد أن تفرض عليهم بجميع وسائل السياسة والحرب؛ ولا يستطيع أحد أن يفعل هذا غير الطاغية القاسي الذي خلا قلبه من الرحمة؛ والذي لا يسمح لضميره بأن يجعل منه إنساناً جباناً، بل يضرب بيد من حديد، ويجعل هدفه العظيم يبرر كل ما يلجأ إليه من الوسائل.
ولسنا واثقين من أن هذا هو المزاج الذي ألف به كتاب الأمير. وشاهد ذلك أن مكيفلي كتب إلى صديق له في عام 1513 أي في العام الذي يبدو أنه شرع يكتب فيه هذا الكتاب يقول: "إن فكرة الوحدة الإيطالية فكرة مضحكة. ذلك أنه حتى لو استطاع رؤساء الدولة الإيطالية أن يتفقوا، فإن ليس لدينا من الجنود من لهم شيء من القيمة غير الجنود الأسبان. يضاف إلى هذا أن الشعب لا يمكن أن يتفق في يوم من الأيام مع الزعماء(106). لكن حدث في ذلك العام نفسه عام 1513 أن جلس
ليو العاشر على كرسي البابوية، واتحدت فلورنس وروما تحت سلطان آل ميديتشي بعد أن ظلتا عدوتين زمناً طويلاً، ولما أن بدل مكيفلي صيغة إهداء كتابه فجعلها للورندسو، دوق أربينو، كانت هذه الدولة أيضاً قد سقطت في يد آل ميديتشي، ولم يكن الدوق الجديد قد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره في عام 1516، وكان قد أظهر غير قليل من الطموح والبسالة؛ وكان من حق مكيفلي أن نسامحه إذا نظر إلى هذا الشاب المتهور على أنه هو الذي يستطيع بهداية ليو ودبلوماسيته (واتباع تعاليم مكيفلي) أن يحقق ما بدأه سيزارى بورجيا بإرشاد ألكسندر السادس- أي أن يقود الدول الإيطالية، أو في القليل الدول الواقعة منها شمال نابلي مع استبعاد دولة البندقية المتكبرة، بعد ضمها في اتحاد له من القوة ما يفل عزيمة الغزاة الأجانب. ولدينا من الشواهد ما يدل على أن هذا كان أمل ليو أيضاً. وإن إهداء كتاب الأمير لآل ميديتشي ليدل على أن المؤلف كان يظن مخلصاً أن هذه الأسرة هي التي يمكن أن تحقق وحدة إيطاليا. وإن كان الغرض الأول من هذا الإهداء في أغلب الظن هو أن يكون وسيلة لإيجاد منصب بها يشغله مؤلفه.
وكان شكل كتاب الأمير هو الشكل التقليدي المألوف: فقد أفرغ في القالب الذي أفرغت فيه مائة من الرسائل في العصور الوسطى خاصة بحكم الأمراء، وسار على الطريقة التي اتبعت في هذه الرسائل. أما في محتوياته فقد كان ثورة لا شك فيها. فلم توجه في الكتاب دعوة مثالية إلى أمير من الأمراء ليكون قديساً، ولم يطلب إليه أن يطبق ما جاء في موعظة الجبل على مشاكل العروش. بل نراه على عكس ذلك يقول:
"لما كنت أقصد أن أكتب شيئاً يفيد من يفهمه، فإنه يبدو لي أن أتبع حقيقة الأمور الصحيحة من أن أجري وراء الخيال. لقد صور كثيرون جمهوريات وإمارات لم تعرف أو تر في يوم من الأيام، لأن البعد شاسع
بين الطريقة التي يعيش بها الإنسان والطريقة التي يجب أن يعيش بها، ومن أجل ذلك فإن من يهمل ما يفعل في سبيل ما يجب أن يفعل يجر على نفسه الخراب بأسرع ما يحتفظ لنفسه بالبقاء؛ وإن الرجل الذي يريد أن يعمل حسب ما يجهر بأنه هو الفضيلة لا يلبث أن يلقى الوبال بين ما يحبط به من السرور من كل جانب. ومن ثم كان لا بد للأمير الذي يريد أن يحتفظ بمركزه أن يعرف كيف يرتكب الخطأ وأن يفيد منه أو لا يفيد حسبما تدعو إليه الحاجة(107).
ولهذا فإن من واجب الأمير أن يفرق في قوة وحزم بين المبادئ الأخلاقية ومطالب الحكم، أي بين ضميره الخاص والصالح العام؛ وأن يكون مستعداً لأن يعمل من أجل الدولة ما يسمى شراً في علاقة الأفراد بعضهم ببعض. ويجب عليه أن يزدري أساليب التردد والضعف التي لا تبلغ الإنسان الغرض كاملا؛ والأعداء الذين لا يستطاع كسب صداقتهم يجب القضاء عليهم؛ ومن وغاجب الأمير أن يقتل من ينازعونه عرشه. ولابد له أن ينشئ جيشاً قوياً لأن الحاكم لا يستطيع أن يتحدث بصوت أعلى من صوت مدافعه. ومن واجبه أن يحافظ دائماً على صحة جنوده، وحسن نظامهم، وعدتهم، وأن يعد نفسه للحرب بأن يعرض نفسه في كثير من الأحيان لصعاب الصيد وأخطاره. وعليه في الوقت نفسه أن يدرس فنون الدبلوماسية؛ لأنه يستطيع أن يحصل بالمكر والخداع في بعض الأحيان اكثر مما يستطيع أن يحصل عليه بالقوة وقد لا يكلفانه مالا تكلفه. ويجب عليه ألا يتمسك بالمعاهدات إذا أصبحت تجلب الضرر للأمة؛ "والسيد العاقل لا يستطيع ولا يجب عليه ن يحافظ على العهد إذا كان في وسع أعدائه أن يتخذوا محافظته هذه سلاحا لإيذائه، وإذا ما زالت الأسباب التي جعلته يقطع هذا العهد على نفسه"(108).
و لا غنى للأمير عن قسط من تأييد الشعب. ولكن إذا كان لابد
للحاكم أن يختار بين أن يخافه الشعب دون أن يحبه، وبين أن يحبه دون أن يخافه وجب عليه أن يضحي بالحب(109). لكن حكم الجماهير بالرأفة والرقة أسهل من حكمها بالغطرسة والقسوة(110)... وشاهد ذلك أن الأباطرة تيتوس، ونيرفا، وتراجان، وهدربان، وانطونينوس، وماركس أورليوس لم يحتاجوا إلى الحرس البريتوري ولا إلى الفيالق الحربية لحمايتهم، لأنهم كانوا يحتمون بسلوكهم الطيب، وبإخلاص شعبهم وبحب مجلس الشيوخ لهم(111). ومن الوسائل التي يحصل بها الأمير على تأييد الشعب أن يناصر الفنون والعلوم، وأن يهيئ له الحفلات والألعاب العامة. ويكرم أهل الحرف بشرط أن يحتفظ على الدوام بجلال مركزه(112). ويجب عليه إلا يهب الناس الحرية، ولكن من واجبه أن يمنعهم قدر المستطاع بمظاهر الحرية. وعليه أن يعامل المدن التابعة له- كمدينتي أرتسو وبيزا التابعتين للبندقية، بالشدة والعنف، بل وبالقسوة في بادئ الأمر فإذا ما استقرت له الأمور وأطاعه أهل هذه المدن، أمكنه أن يجعل خضوعهم له أمراً عادياً مألوفاً بأساليب اللطف والمجاملة لأن القسوة إذا طالت وعمت أهل المدن الخاضعة كانت بمثابة انتحار من يلجأ إليها(113).
وعلى الحاكم أن ينشر الدين وأن يظهر هو نفسه بمظهر الرجل المتدين أيا كانت عقائده الخاصة(114). والحق أن تظاهر الأمير بالفضيلة أهم وأفيد له من أن يكون فاضلا بحق:
"إن تظاهر الأمير بالفضائل كلها نافع له وإن لم يكن من الضروري أن يتصف بها؛ فعليه مثلا أن يتظاهر بأنه رحيم، وفيّ، شفيق، متدين، مخلص؛ ومما يفيده أيضاً أن يتصف بهذه الصفات، على أن يكون ذا عقل مرن يمكِّنه إذا دعت الحاجة من أن يتصف بعكسها... وعليه أن يحذر من أن ينطق بكلمة لا تنطبق عليها الصفات الخمس السالفة الذكر؛ ويجب أن يبدو
لمن يرونه ويستمعون له كأنه الرحمة، والإيمان، والتدين، والاستقامة مجسمة، وعلى الإنسان أن يلوِّن سلوكه، وأن يكون مراثياً لأن الناس سذج مهنمكون في حياتهم الحاضرة، إلى حد يسهل معه خداعهم... وفي مقدور كل إنسان أن يرى مظهرك، ولكن قل من الناس من يعرف حقيقة مخبرك، وأولئك النفر القلائل لا يجرئون على مخالفة رأي الكثرة فيك(115).
ويضرب مكيفلي لهذه الحكم أمثلة واقعية، فيذكر نجاح الإسكندر السادس، ويرى أن هذا النجاح يرجع كله إلى كذبه المدهش الذي يستثير الإعجاب؛ ويعجب بفرديناند الكاثوليكي ملك أسبانيا، لأنه كان يتظاهر دائماً بمظهر المدافع عن الدين في مغامراته الحربية، ويمتدح الوسائل التي ارتقى بها فرانتشيسكو اسفوردسا عرش ميلان وهي الشجاعة الحربية والمهارة في الأساليب العسكرية منضمة إلى الدهاء الدبلوماسي، ولكن أعظم مثل يضربه، وهو مثل يكاد يبلغ في اعتقاده حد الكمال، هو سيزارى بورجيا:
"إذا استعدنا في ذاكرتنا جميع أعمال هذا الدوق فإني لا أعرف عملا منها يستحق عليه اللوم، بل إنه ليبدو لي إني أضعه أمام الناس لكي يقلده كل من يقبضون بأيديهم... على أزمة الحكم... لقد كانوا يحسبونه قاسياً؛ ولكن قسوته هي التي أزالت الخلاف من رومانيا كلها، وضمت شتاتها، وأعادت إليها السلم والولاء... ولقد أوتي روحاً عالية، وآمالا كباراً، لم يكن يستطيع بغيرها أن ينظم مسلكه؛ ولم يحل بينه وبين تحقيق أغراضه إلا قصر حياة الإسكندر، ومرضه هو. ولهذا فإن من شاء أن يضمن لنفسه الأمان في إمارته الجديدة، ويكسب الأصدقاء، ويغلب الأعداء بالقوة أو الختل، ويبعث في قلوب الناس حبه والخوف منه في آن واحد، وأن يؤيده الجند ويجلوه، ويبيد من أوتوا قوة يستطيعون بها
أن يؤذوه؛ أو كانت لديهم أسباب تدعوهم إلى هذا الإيذاء، ويستبدل بنظام الأشياء القديم نظاماً جديداً؛ وأن يكون قاسياً وكريماً، نبيلا وحراً، ويحطم قوة الجند غير الموالين له وينشئ بدلهم جيشاً جديداً، ويحتفظ بصداقة الملوك والأمراء بحيث يرون أن من واجبهم أن يخفوا لمعرفته متحمسين، فإذا فكروا في أذاه كانوا حذرين- من شاء هذا فإنه لن يجد مثلا أروع من أعمال هذا الرجل".
وكان مكيفلي يعجب ببورجيا لأنه كان يشعر بأن أساليبه وأخلاقه تمهد السبيل إلى توحيد إيطاليا، وأنها لم تحل بينها وبين بلوغ تلك الغاية إلا ما صحبها من مرض البابا وولده.
وهو يتوسل في ختام كتابه الأمير إلى لورندسو الدوق الشاب، ويتوسل عن طريقه إلى ليو وآل ميديتشي، أن يعملوا على توحيد شبه الجزيرة. وهو يصف أهل بلاده بأنهم مستعبدون، أكثر من العبرانيين، وأنهم يعانون من الظلم أكثر مما يعانيه الفرس، وأنهم مشتتون أكثر من الأثينيين، وأنهم قوم لا رئيس لهم، ولا نظام، مهزومون، منتهبون مغتصبون، ممزقون، تجتاح بلادهم الجيوش الأجنبية". "لقد أصبحت إيطاليا وكأنها مسلوبة الحياة، تنتظر من يقبل عليها ليأسوا جراحها... وتدعو اللّه أن يقيض لها من ينجيها من هذه المظالم وهذه المخازي التي يوقعها عليها الأجانب"(117). إن الموقف جد خطير؛ ولكن الفرصة مواتية. "ذلك أن إيطاليا متأهبة، راغبة في أن تسير وراء العَلَم، إذا ما رفعه إنسان ما" ومن أحق برفعه من آل ميديتشي، أشهر الأسر كلها في إيطاليا، والتي تتزعم الكنيسة في هذه الأيام؟
"ومنذا الذي يستطيع أن يعبر عن الحب الذي سوف يفيض به قلب إيطاليا وهي ترحب بمحررها؛ أو عن تعطشها للانتقام من أعدائها، أو عن إيمانها القوي، وإخلاصها، ودموعها؟ وأي باب يمكن أن يغلق في وجهه؟ ومنذا الذي يضن عليه بالطاعة؟ إن هذا السلطان الأجنبي الهمجي الذي
نرزح تحته لتزكم رائحته الكريهة أنوفنا. فليتول إذن بيتكم المجيد هذه المهمة، وليستعن على القيام بها بالبسالة والأمل، اللذين يتذرع بهما كل من يقوم بمغامرة عادلة، حتى تسمو تحت علم هذا البيت مكانة بلادنا، وتحقق بفضل رعايتها تلك الكلمات التي كتبها بترارك:
"إن ذوي الرجولة يمتشقون الحسام ليقاتلوا ذوي الجنة، وستكون المعركة جد قصيرة، لأن البسالة القديمة لم ينضب بعد معينها في عروق إيطاليا".
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق