إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1079 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> مكيفلي -> الدبلوماسي الفصل السادس مكيفلي 1-الدبلوماسي



1079


قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> الصَّدعُ -> الثورة العقلية -> مكيفلي -> الدبلوماسي

الفصل السادس


مكيفلي


1-الدبلوماسي


بقي من هذه الطائفة رجل واحد يصعب علينا أن نضمه إلى صنف بعينه، فقد كان دبلوماسيا، ومؤرخاً، وكاتباً مسرحياً، وفيلسوفاً، وأكبر مفكر ساخر في زمانه، ولكنه كان مع ذلك وطنيا متحمسا يتحرق رغبة في تحقيق مثل أعلى نبيل، أخفق في كل ما أخذ على عاتقه أن يقومه من الأعمال، ولكنه طبع التاريخ بطابع يكاد يكون أشد عمقاً مما طبعه به إنسان آخر في ذلك العصر.
كان نقولو مكيفلي ابن أحد المحامين في فلورنس- وكان هذا المحامي رجلا متوسط الثراء، يشغل منصبا صغيرا في الحكومة، ويمتلك بيتاً ريفياً صغيراً في سان كاستشيانو San Casciano على مسيرة عشرة أميال من المدينة. وتلقى الغلام التعليم الأدبي المعتاد، وتعلم أن يقرأ اللغة اللاتينية بسهولة، ولكنه لم يتعلم اللغة اليونانية. وراقه التاريخ الروماني، وأولع بليفي؛ ويكاد يجد لكل نظام سياسي، وكل حادثة في أيامه شبيهاً في تاريخ روما يوضح ذلك النظام وتلك الحادثة. وبدأ يدرس القانون، ولكن يبدو أنه لم يتم هذه الدراسة؛ وقلما كان يعنى بفن النهضة، ولم يظهر شيئا من الاهتمام حين كشفت أمريكا، ولعله كان يشعر بأن كل ما حدث بعد هذا الكشف أن مسرح السياسة قد اتسع، أما المسرحية فستبقى كما كانت وسيظل أشخاصها دون تغيير. وكان شغله الشاغل هو السياسة، فن الحصول على النفوذ، ولوحة الشطرنج التي تنتقل عليها قطع القوة والسلطان. وعين في عام 1498

وهو في التاسعة والعشرين من عمره أميناَ للديتشي دلا جويرا Dieci della Guerra- مجلس الحرب المكون من عشرة- وظل في هذا المنصب أربعة عشر عاماً.
وكان هذا المنصب في بادئ الأمر من المناصب المتواضعة- عمله جمع محاضر الجلسات، والسجلات، وتلخيص التقارير، وكتابة الرسائل؛ ولكنه كان يعمل في أداة الحكم، ويستطيع مراقبة سياسة أوربا من نقطة الملاحظة الداخلية، وكان في وسعه أن يحاول التنبؤ بالتطورات المقبلة بتطبيق معلوماته التاريخية.. وأحست روحه المتوثبة، العصبية، الطموحة، بأن الوقت دون غيره هو الذي يحتاجه لكي يرقى إلى القمة، ويسخر قوى الدولة العنيفة ضد دوق ميلان، ومجلس شيوخ البندقية، وملك فرنسا، وملك نابلي، والبابا، والإمبراطور. وما لبث أن أرسل في بعثة إلى كترينا اسفوردسا Caterina Sforza كونته إمولا وفورلي (1498). وأثبتت كترينا أنها أشد دهاء من أن تقع في حبائله، فعاد صفر اليدين بعد أن لاقى جزاءه. وجُرّب مرة أخرى بعد عامين، وصحبه في هذه التجربة فرانتشيسكو دلا كاساس في بعثة إلى لويس الثاني عشر ملك فرنسا. ومرض دلا كاسا، وكان على مكيفلي أن يرأس البعثة؛ فتعلم اللغة الفرنسية، وتنقل مع الحاشية من قصر إلى قصر، وبعث إلى مجلس السيادة من الأنباء اليقظة، والتحليلات الدقيقة، ما جعل أصدقاءه في فلورنس يثنون عليه ويقولون إنه أصبح دبلوماسياً ضليعاً.
وكانت نقطة الانقلاب في تطور ذهنه هي البعثة التي عين فيها مساعداً للأسقف سدريني وسافرت إلى سيزاري بورجيا في أربينو (1502). ولما استدعى إلى فلورنس ليلقى بياناً عنها بنفسه، احتفل بمنزلته الراقية التي بلغها في العالم بأن أتخذ له زوجة. وأرسل مرة أخرى إلى سيزارى في شهر أكتوبر، فالتقى به في إمولا، ووصل إلى بنجاليا Benigallia في الوقت الذي

استطاع أن يرى فيه سعادة بورجيا بعد أن أفلح في اقتناص الذين ائتمروا به، أو خنقهم، أو سجنهم. وكنت هذه حوادث هزت مشاعر إيطاليا بأجمعها؛ أما أثرها في مكيفلي بعد أن التقى بالطاغية الباهر وجها لوجه، فقد كانت دروساً في الفلسفة. ذلك أن رجل الأفكار وجد نفسه وجها لوجه أمام رجل الأعمال فكرمه هذا وعظمه، وتحرق قلب السياسي الشاب حسداً حين أدرك المسافة التي لابد له أن يقطعها من التفكير التحليلي النظري إلى العمل الرائع المحطم. فها هو ذا رجل يصغره بست سنين، قد قضى في سنتين اثنتين على أكثر من عشرة طغاة مستبدين، وأصدر الأوامر إلى أكثر من عشر مدن، وأثبت أنه الكوكب الوضاء في سماء زمانه؛ وما أضعف ما بدت الألفاظ أمام هذا الشاب الذي لم يكن ينطق منها إلا بالقليل، وكان ينطق بهذا القليل في ازدراء! وأصبح سيزارى بورجيا من تلك الساعة بطل فلسفة مكيفلي، كما أصبح بسمارك فيما بعد بطل فلسفة أخلاقية فوق الخير والشر، ونموذجاً للإنسان الأسمى.
ولما عاد مكيفلي إلى فلورنس في عام 1503 ، أدرك أن بعض رجال الحكومة يظنون أن بورجيا الجريء المتهور قد غلبه على أمره فبدل عقليته غير ما كانت. ولكن جهوده التي بذلها لتحقيق مصالح مدينته أعادت إليه احترام سديني حامل شعار المدينة ومجلس العشرة الحربي. وشهد في عام 1507 انتصار مبدأ من مبادئه الأساسية. فقد كان من زمن بعيد يقول إنه ما من دولة تحترم نفسها تقبل أن تعهد بالدفاع عن أراضيها إلى جنود مرتزقين، وذلك لأنها لا تستطيع الركون إليهم في الأزمات، ولأن في مقدور العدو المسلح بالقدر الكافي من الذهب أن يبتاعهم هم وقائدهم. ولهذا يرى مكيفلي أن يجب إنشاء قوة حرس وطني من أبناء البلاد، والأفضل أن تكون هذه القوة مؤلفة من الفلاحين الأشداء الذين ألفوا المشاق وعاشوا

في الهواء الطلق. ويجب أن تكون هذه القوة على الدوام حسنة التجهيز والتدريب، كما يجب أن تكون هي آخر خط للدفاع القوي الثابت عن الجمهورية. وقبلت الحكومة هذا المشروع بعد تردد طويل، وعهدت إلى مكيفلي أن ينفذه. فلما كان عام 1508 قاد حرسه الوطني إلى حصار بيزا، حيث أظهر براعة فائقة، وسلمت له بيزا، وعاد مكيفلي إلى فلورنس وقد بلغ ذروة مجده.
وأرسل في بعثة أخرى إلى فرنسا (1510)، اجتاز فيها سويسرا، وأثار حماسته الاستقلال المسلح لدولة سويسرا الاتحادية، واتخذها مثلاً أعلى يريد أن يحققه لإيطاليا. ولما عاد من فرنسا أدرك المشكلة التي تواجهها بلاده: كيف تستطيع إماراتها المتفرقة أن تتحد لتدافع عن إيطاليا إذا ما قررت دولة متحدة مثل فرنسا أن تستولي على شبه الجزيرة بأجمعها.
وجاءت التجربة الكبرى لحرسه الوطني قبل الأوان. ذلك أن يوليوس الثاني قد استشاط غضبا من فلورنس لأنها رفضت الانضمام إليه في طرد الفرنسيين من إيطاليا، فأمر جيوش الحلف المقدس في عام 1512 أن تسقط حكومة الجمهورية وتعيد آل ميديتشي إلى العرش. وهزم حرس مكيفلي الوطني الذي عهد إليه الوقوف في خط الدفاع الفلورنسي عند براتو Prato وولى رجاله الأدبار أمام جنود الحلف المدربين. واستولى جنود الحلف على فلورنس، وانتصر آل ميديتشي، وفقد مكيفلي سمعته ومنصبه الحكومي، وبذل كل ما في وسعه لاسترضاء المنتصرين؛ وكان يسعه أن ينجح، لولا أن شابين متحمسين دبرا مؤامرة لإعادة الجمهورية، فاكتشف أمرهما، ووجد بين أوراقها ثبت يحتوي أسماء أشخاص يعتمدان على تأييدهم، ومن بينها اسم مكيفلي؛ فألقى القبض عليه، وعذب أربع دورات على العذراء؛ ولكنهم لم يجدوا دليلا على اشتراكه في المؤامرة فأطلق سراحه. وخشى مكيفلي أن يقبض عليه مرة أخرى، فانتقل هو

وزوجته وأبناؤه الأربعة إلى بيت أسرته في سان كاستثيانو، حيث قضى السنين الخمس عشرة الباقية من عمره ماعدا السنة الأخيرة منها، يعاني الفقر ويعلل نفسه بالآمال، ولولا هذه الكارثة لما سمعنا به قط، لأن هذه السنين العجاف هي التي ألف فيها الكتب التي هزت مشاعر العالم كله.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق