إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1073 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> ليو السياسي الفصل العاشر ليو السياسي


1073

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> ليو العاشر -> ليو السياسي

الفصل العاشر


ليو السياسي


وكان من دواعي الأسف أن ليو اضطر وهو بين كل هذا الفن والأدب أن يخوض بحر السياسة الخضم. ولكن عذره في هذا أنه رئيس دولة، وأنه يعيش، وأنه الدول التي وراء الألب كان على رأسها جميعاً زعماء ذوو مطامع، ولها جيوش جرارة، وقواد أشداء؛ ولم يكن يستبعد أن يتفق لويس الثاني عشر ملك فرنسا، وفرديناند الكاثوليكي، في أي وقت من الأوقات على اقتسام إيطاليا كما اتفقا من قبل على اقتسام مملكة نابلي. وأراد ليو أن يواجه هذا التهديد، وأن يقوى في الوقت ذاته البابوية ويعلّي شأن أسرته، فعمل على أن يضم فلورنس (التي كان يحكمها وقتئذ على يد جوليانو أخيه ولورندسو ابن أخيه) وميلان، وبياتشندسا، وبارما، ومودينا، وفيرارا، وأربينو في اتحاد قوي جديد يحكمه أفراد من آل ميدشيتشي الموالين له؛ وأن يجمع هذه الولايات وبين ولايات الكنيسة الموجودةوقتئذ، لتكون حاجزاً يصد المغيرين من الشمال، وأن يحصل بزواج أحد أعضاء أسرته إن استطاع على عرش نابلي بعد خلوه من شاغله؛ فإذا تم له بهذه الطريقة توحيد إيطاليا وتقويتها، أمكنه أ، يقود لأوربا في حرب صليبية أخرى ضد الأتراك الذين لا يفتئون يهددونها بالغزو. ورحّب مكيفلي، وهو الرجل الذي لم يكن يميل إلى المسيحية ولا إلى البابوات، بهذه الخطة، أو أنه في القليل رحب بما يتصل منها بتوحيد إيطاليا وحمايتها، وكانت هذه هي الفكرة الأساسية في كتاب الأمير.
وسعى ليو لتحقيق هذه الأغراض بما كان تحت تصرفه من الموارد
العسكرية المحدودة، فلجأ إلى جميع الأساليب السياسية والدبلوماسية التي كان يلجأ إليها أمراء زمانه. نعم إنه لم يكن من اليسير على رئيس الكنيسة أن يكذب، ويحنث بالوعد، ويسرق ويقتل؛ ولكن الملوك كلهم كانوا مجمعين على أن هذه الأساليب لا غنى عنها لحفظ كيان الدولة؛ واندفع ليو، وهو الميديتشي أولاً والبابا بعدئذ، في هذ الخطة بالقدر الذي تسمح له به بدانته، وناسوره، وصيده، وسخاؤه وأمواله. وندد به كل الملوك لأنه لم يسلك مسلك القديسين، وقال في ذلك جوتشيارديني: "إن ليو قد خيب الآمال المعقودة عليه وقت تتويجه، فقد بدا أنه ذو بصيرة نفاذة، ولكنه أقل صلاحاً مما كان يتصوره جميع الناس(93). وظل أعداؤه وقتاً طويلاً يظنون أن دهاءه المكيفلي إنما يرجع إلى نفوذ جويليو ابن عمه (الذي أصبح فيما بعد كلمنت السابع) أو إلى الكردنال ببينا، لكن تطور الحوادث فيما بعد أوضح أنهم لا بد لهم أن يحسبوا حساب ليو نفسه، وأن ليو هذا ليس أسداً بل ثعلباً، وأنه لين زلق، ماكر لا يسبر غوره، نهاز زائغ، يخاف في بعض الأحيان ويتردد في أغلبها؛ ولكنه إذا جد الجد قادر على اتخاذ القرار الحاسم، ماض في عزيمته، عنيد في خططه السياسية.
وسنرجئ الحديث عن علاقاته بالدول الواقعة شمال جبال الألب إلى فصل آخر من هذا الكتاب، ونقصر بحثنا هنا على الشئون الإيطالية، فنتحدث عنها بإيجاز لأن فنون عهد ليو أبقى على الزمن من سياسته. لقد كان يمتاز كثيراً عن أسلافه، لأن فلورنس التي قاومت من قبل الإسكندر ويوليوس كانت وقتئذ جزءاً من دولته، ولأنه أفاء على أهلها كثيراً من نعمه. ولمّا أن زار المدينة التي حكمها أسلافه أقامت له أكثر من عشر أقواس فنية ترحيباً به. ومن هذه القاعدة ومن روما نفسها استخدم رجاله الدبلوماسيين ومن يدينون له بالفضل، كما استخدم جنوده، في توسيع رقعة دولته؛ فاستولى أولاً على مودينا في عام 1514، ولمّا أن تأهب فرانسس الأول

في عام 1515 لغزو إيطاليا والاستيلاء على ميلان، حشد ليو لمقاومته جيشاً وعقد حلفاً إيطالياً، وأمر دوق أربينو، بوصفه تابعاً للكرسي البابوي وقائداً في خدمة الكنيسة، أن ينضم إليه في بولونيا على رأس أكبر قوة يستطيع حشدها. ولكن الدوق رفض المجيء رفضاً صريحاً، وإن كان ليو قد حباه من وقت قصير بما يلزمه من المال لأداء رواتب جنوده. وظن البابا، وله بعض الحق في أن يظن، أنه قد تفاهم في السر مع فرنسا(94)؛ فلم يكد يتخلص من مشاكله الخارجية، حتى استدعى فرانتشيسكو إلى روما؛ فلم يسع الدوق إلاّ أن يفر إلى مانتوا. فحرمه ليو من حظيرة الدين وأصم أذنيه عن سماع تضرع إلزبتا جندساجا وإزبلا دستا وتوسلاتهما، وكانت أولاهما عمة الأمير الطائش وثانيتهما أم زوجته. واستولت جنود البابا على أربينو دون أن تلقى مقاومة، وأعلن خلع فرانتشيسكو، كما نودي بلورندسو ابن أخي ليو دوقاً على أربينو (1516). لكن أهل المدينة ثاروا بعد عام من ذلك الوقت وطردوا لورندسو، وحشد فرانتشيسكو جيشاً استعاد به دوقيته؛ ولاقى ليو أشد الصعاب في جمع المال والجنود لاستعادتها لنفسه؛ ونجح في لذك بعد حرب دامت ثمانية أشهر، ولكن نفقات الحرب أفقرت خزانة البابوية، واحفظت قلوب الإيطاليات على ليو وأسرته الطامعة المغتصبة.
وانتهز فرانسس الأول هذه الفرصة لكسب صداقة البابا، وعرض أن يتزوج لورندسو دوق أربينو الذي عاد إلى عرشه نم مادلين ده لافور دوفرني Madeleine de La Four d'Auvergne الت كان له دخل كبير لا يقل عن عشرة آلاف كرون (125.000؟ دولار) في العام. ووافق ليو على هذا العرض، وسافر لورندسو إلى فرنسا (1518)، كأنه صدى صوت بورجيا، وعاد بمدلين وبائنتها. وماتت مادلين بعد عام من ذلك الوقت أثناء وضعها بنتاً هي كترينا Caterina التي صارت فيما بعد كترين

ده ميدشتشي ملكة فرنسا؛ ثم مات لورندسو بعد ذلك بقليل، ويقال إن سبب موته مرض سري أصيب به وهو في فرنسا(95). وحينئذ أعلن ليو أن أربينو ولاية بابوية وأرسل مندوباً من قبله ليحكمها.
وكان لابد له أثناء هذه الارتباكات أن يعاني الأمرين من مسألتين تقضان مضجعه وتشهدان بضعفه السياسي وكره الشعب إياه كرهاً مطرد النماء. أما أولاهما فهي أ، قائداً من قواده هو جيان باولو بجليوني حاكم بروجيا برضاء البابا كان قد انضم هو وبروجيا نفسها إلى فرانتشيسكو ماريا؛ فما كان من ليو إلاّ أن خدع جيان بالو فأغراه بالمجيء إلى روما بعد أ، أمنه على نفسه في المجيء والعودة، فلمّا جاء أمر به فقتل (1520). وكان بجليوني هذا قد اشترك في مؤامرة تهدف إلى اغتيال البابا يتزعمها ألفنسو بتروتشي وغيره من الكرادلة (1517). وكان أولئك الكرادلة قد أثقلوا على كرمه بمطالب لا يستطيع مع سخائه العظيم أن يجيبهم إليها؛ كما أ، بروتشي كان فوق ذلك غاضباً مغتاظاً لأن أخاه أبعد عن حكم سينا، ولأن البابا قد غض النظر عن هذا العمل فلم يتدخل لمصلحته. ولهذا فكر أولاً في قتل ليو بيده، ولكنه أشير عليه بدلاً من هذا أن يرشو طبيب ليو ليدس السم للبابا وهو يعالجه من ناسوره. وكشفت المؤامرة، وقتل الطبيب وبتروتشي، وسجن عدد من الكرادلة الذين اشتركوا فيها، وعزلوا من مناصبهم، ثم أطلق سراح بعضهم بعد أن أدوا غرامات باهظة.
وكانت حاجة ليو إلى إيطاليا تنغص عليه وقتئذ حكمه الذي كان من قبل موفقاً سعيداً. ذلك أن عطاياه للأقارب والأصدقاء، والفنانين، والكتاب، والموسيقيين، ونفقات بلاطه الذي لم يكن له من قبل مثيل، ومطالب كنيسة القديس بطرس الجديدة التي لا حد لها، ونفقات حب أربينو والاستعداد إلى حرب صليبية، كل هذا كان يقود خزينة البابا إلى هاوية الإفلاس. ولم يكن إيراده العادي البالغ 420.000 دوقة (2.250.000؟

دولار) في العام والذي يستمده من الأجور، والمرتب الأول لموظفي الكنيسة، والعشور، لم يكن هذا الإيراد العادي يكفي هذه النفقات. على أن هذا الإيراد نفسه كان يصعب دائماً تحصيله من أوربا التي لم تكن راضية عن انسياب هذه الأموال الكنسية إلى روما. وأراد ليو أن يملأ خزانته بالمال فأنشأ في عام 1353 مناصب جديدة يبيعها لطالبيها وبلغ مجموع المال الذي جمع ممن عينوا في هذه المناصب 889.000 دوقة (11.112.500؟ دولار). على أننا يجب ألاّ نغالي في استنكار هذا العمل؛ ذلك أن معظم هذه المناصب لا يؤدي من يشغلها عملاً، وإن تطلبت شيئاً قليلاً منه فقد كان من المستطاع أن يعهد به إلى من ينوبون عن أصحابها؛ وكانت الأموال التي يقدمها شاغلوها في واقع الأمر قروضاً للبابوية، وكان متوسط راتبها البالغ عشرة في المائة كل عام من المال الأصلي المدفوع عنها بمثابة فائدة لهذه القروض. فكان ليو في الحقيقة يبيع ما نسميه في أيامنا هذه سندات حكومية(96)، وكان من حقه بلا ريب أن يقول إنه يؤدي عنها فوائد أكثر مما تؤديه أية حكومة 'ن أوراقها المالية في هذه الأيام. على أنه لم يبع هذه المناصب الاسمية وحدها، بل باع أيضاً أعلى المناصب الكنسية كوظيفة رئيس التشريفات البابوية(97). وفي شهر يولية من عام 1517 رشح واحداً وثلاثين كردنالاً جديداً، كثيرون منهم ذوو كفايات عظيمة، ولكن الكثرة الغالبة منهم قد اختير أفرادها لقدرتهم على أداء ثمن ما يستمتعون به فيها من الجاه والسلطان. ولنضرب لذلك مثلاً الكردنال بندستي - الطبيب، والعالم، والمؤلف - الذي أدى ثمناً لمنصبه 30.000 دوقة. وبلغ مجموع دخل ليو في هذه المرة بجرّة قلم نصف مليون دوقة(98). وروعت لذل ك إيطاليا نفسها وهي التي فسدت عقليتها في هذه الناحية فلم تعد تفرق بين ما هو خير منها وما هو شر؛ وكانت قصة هذا العمل بعد أن وصلت إلى ألمانيا مما زاد من حدة غضب لوثر وثورته. (أكتوبر 1517). وكان

من جراء هذا أنه لما فتح السلطان سليم بلاد مصر في تلك السنة الحاسمة في التاريخ وضمها إلى أملاك الأتراك العثمانيين، ونادى البابا بحرب صليبية، لم يلب أحد نداءه. ودفع البابا تهوره الأعمى إلى أن يبعث بعماله في جميع أنحاء اللابد المسيحية يعرضون صكوك غفران واسعة المدى إلى درجة غير عادية على من يتوبون، ويعترفون، ويتبرعون بنفقات الحرب الصليبية.
وكان في بعض الأحيان يقترض المال من مصارف روما بفائدة تبلغ أربعين في المائة. وكان أصحاب هذه المصارف يتقاضون منه هذا السعر المرتفع لأن إهماله في إدارة الشئون المالية البابوية لابد أن يؤدي في رأيهم إلى الإفلاس. ورهن البابا ضماناً لبعض هذه القروض صحافه الفضية، وطنافس جردان قصره، وجواهر. وقلّما كان يفكر في مراعاة الاقتصاد في الإنفاق، فإذا ما اقتصد كان ذلك بالشح على مجمعه العلمي اليوناني، وجامعة روما، فلم يكد يحل عام 1517 حتى أغلق المجمع لحاجته إلى المال. ومع هذا فقد واصل البابا خيراته بلا حساب، فكان يرسل الأموال الطائلة إلى الأديرة، والمستشفيات، والمعاهد الخيرية في جميع أنحاء العالم المسيحي، ويغدق المال وألقاب الشرف على آل ميديتشي، ويولم الولائم الفخمة إلى أضيافه يقدم لهم فيها الأطعمة الشهية النادرة على حين أنه هو نفسه كان يراعي جانب الاعتدال في طعامه وشرابه(99). وقد بلغ مجموع ما أنفقه خلال جلوسه على كرسي البابوية 4.500.000 دوقة (56.250.000؟ دولار)، ومات وعليه فوق ذلك دين يبلغ 400.000 دوقة. وقد هجاه أهل روما بقصيدة تفصح عن رأيهم فيه فقالوا: "لقد التهم ليو ثلاث بابويات: أموال يوليوس الثاني، وإيراد ليو، ودخل من خلفه من البابوات(100)". ولما مات عانت روما أزمة من شر ما حدث في التاريخ كله من أزمات.
وكانت آخر سنة في حياته سنة اشتعلت فيها نار الحرب. ذلك أنه قد بدا

له، بعد أن استرد أربينو وبروجيا، أن لابد له من السيطرة على فيرارا ونهر البو لضمان سلامة الولايات البابوية، وتمكينها من صد فرنسا عند ميلان. وكان الدوق ألفنسو قد خلق هو نفسه سبب الحرب بإرساله الجنود والسلاح إلى فرانتشيسكو ماريا ليستخدمها ضد البابا، وحارب ألفنسو بشجاعته المألوفة مع أنه كان مريضاً منهوك القوى بعد أن ظل جيلاً كاملاً يناصب البابا العداء حتى أنجاه موت ليو من سوء المصير.
وانتاب المرض البابا أيضاً في أغسطس عام 1521؛ وكان بعض سببه الآلام الناشئة من ناسوره، وبعضه الآخر متاعب الحرب وما تسببه من قلق واضطراب بال. وشفي من مرضه، ولكنه عاوده في شهر أكتوبر من ذلك العام نفسه. واسترد صحته في نوفمبر بالقدر الذي أمكن معه نقله إلى قصره الريفي في مجليانا؛ وفيه ترامت إليه الأنباء أن الجيش البابوي - الإمبراطوري قد استولى على ميلان من الفرنسيين. وعاد في الخامس والعشرين من ذلك الشهر إلى روما واستقبل فيها ذلك الاستقبال الرائع الصاخب الذي لا يستقبل به إلاّ الغزاة الفاتحون. وأجهد نفسه في السير على قدميه في ذلك اليوم، وتصبب عرقه حتى ابتلت منه ملابسه، فلمّا كان صباح اليوم التالي لزم الفراش مصاباً بالحمى، وسرعان ما زادت حالته سوءاً وأدرك أن منيته قد اقتربت. وفي أول يوم من ديسمبر جائته الأنباء بأن الجيوش البابوية استولت على بياتشندسا وبارما فعلا وجهه البشر؛ وكان قد أعلن في يوم من الأيام أنه يسره أن يضحي بحياته ثمناً لضم هذين المدينتين إلى ولايات الكنيسة. ومات في منتصف ليلة 1-2 من ديسمبر سنة 1521 قبل أن يتم السنة الخامسة والأربعين من العمر بعشرة أيام. ونقل كثيرون من الخدم، وبعض أفراد آل ميدتشي من الفاتيكان كل ما يستطيعون الاستيلاء عليه من الكنوز. وظن جيوتشيارديني، وجيوفيو، وكستجليوني أنه مات مسموماً؛ وأن ذلك ربما كان بتحريض ألفنسو أو فرانتشيسكو ماريا،

ولكن يلوح أنه مات بحمى الملاريا كما مات بها الإسكندر السادس(101).
وابتهج ألفنسو حين بلغه النبأ، وضرب مدلاة جديدة كتب عليها "من أنياب الأسد". وعاد فرانتشيسكو ماريا إلى أربينو وجلس مرة أخرى على عرشه. واستولى رجال المال على ما استطاعوا الاستيلاء عليه. وكان مصرف بيتي قد أقرض ليو 200.000 دوقة، ومصرف جدي Gaddi قد أقرضه 32.000، ومصرف ريكاسولي Ricasoli 10.000؛ وفوق هذا فإن الكردنال بتشي أقرضه 150.000 والكردنال سلفياتي 80.000(102) وكان من حق البابوات أن يستولوا قبل غيرهم على كل ما أنقذ من أملاك البابا؛ ولكن ليو مات وهو شر من المفلس.واشترك غير هؤلاء في التشنيع على البابا واتهامه بسوء الإدارة المالية، ولكن روما كلها تقريباً حزنت عليه، وكانت تعده أكرم من رأته من المحسنين في تاريخها كله. وأدرك الفنانون، والشعراء، والعلماء، أن يوم سعدهم قد مضى، وإن لم يكونوا قد فكروا بعد في مدى خسارتهم، وفي ذلك يقول باولو جيوفيو: "إن المعارف، والفن، ورفاهية الشعب بأكمله، ومباهج الحياة، - وملاك القول إن كل ما هو خير - قد ووري التراب مع ليو"(103).
وبعد فقد كان ليو رجلاً صالحاً قضت عليه فضائله. وقد أثنى إزرمس على رحمته وإنسانيته، وشهامته، وعلمه الغزير، ومناصرته الفنون، ووصف عهد ليو بأنه عهد الذهب(104). ولكن ليو كان قد اعتاد التصرف في الذهب حتى فقد عنده قيمته. فقد نشأ في القصور، فتعلم الترف كما تعلم الفن، ولم يشتغل قط ليكس بالمال، وإن كان قد واجه الأخطار بجنان ثابت، ولمّا وضعت موارد البابوية تحت إشرافه انزلقت من بين أصابعه لقلة عنايته بشأنها، بينما كان ينعم بالسعادة التي ينعم بها من يتلقاها أو يعد العدة لحرب لا تبقي ولا تذر.وسار ليو على الخطة التي سلكها الإسكندر ويوليوس، وورث ما قاما به من جلائل الأعمال؛ ورفع الولايات البابوية
إلى درجة من القوة لم تشهدها من قبل، ولكنه خسر ألمانيا بتبذيره وتشدده في جمع المال. وكان في وسعه أن يشاهد جمال وعاء من أوعية الزهر، ولكنه لا يستطيع رؤية الإصلاح الديني البروتستنتي يتشكل وراء الألب، وأصم أذنه عن سماع مئات النذر التي كانت ترسل إليه، بل ظل يطلب المزيد من الذهب من أمة ثائرة عليه، فكان بذلك سبب مجد الكنيسة ونكبتها معاً.
وكان أكرم أنصار العلم والأدب، ولكنه لم يكن أكثرهم استنارة، ولم يزدهر قط أدب عظيم في أيامه رغم سخائه على الأدباء. فقد كان أريستو ومكيفلي فوق مداركه وإن كان في وسعه أن يقدر بمبو Bembo وبولتيان. ولم يكن تذوقه للفن سامياً أكيداً كما كان تذوق يوليوس له؛ ولم يكن هو الذي ندين له بكنيسة القديس بطرس أو بمدرسة أثينة. وكان مسرفاً في حبه جمال الشكل مقلاً في إدراك المعاني التي يكشف عنها الفن العظيم الذي يغشى الشكل الجميل. وقد أنهك رفائيل بكثرة العمل، وكان سبباً في انهيار صحة ليوناردو، ولم يستطع كما استطاع يوليوس، أن يجد سبيله إلى عبقرية ميكل انجيلو بعد أن يجتاز إليها مزاج هذا الفنان الحاد. وكان مفرطاً في حب النعيم إفراطاً يحول بينه وبين العظمة. ويؤسفنا أن يكون هذا هو حكمنا عليه لأنه كان خليقاً بحبنا.
وسُمي العصر الذي كان يعيش فيه باسمه، ولعله كان خليقاً بأن يسمى به؛ ذلك بأنه وإن طبع بطابع العصر ولم يطبع العصر نفسه بطابعه، كان هو الذي جاء من فلورنس إلى روما بما خلفه آل ميديتشي من الثروة وحسن الذوق، وما شاهده في بيت أبيه من مناصرة للعلم والأدب والفن خليقة بالملوك والمراء؛ وبفضل هذه الثروة والرعاية البابوية وجد الحافز القوي الذي رفع الدب والفن إلى ما بلغاه من جمال الأسلوب والشكل. وكان هو مثلاً احتذاه غيره من الرجال، فأخذوا يبحثون عن المواهب ويمدونها بالعون، ويضربون بدورهم لأوربا الشمالية مثلاً في تقدير القيم العالية ومستوى

رفيعاً تجعله نصب عينيها. وقد عمل أكثر مما عمله غيره من البابوات لحماية بقايا الآداب الرومانية القديمة، وشجع الكتاب على محاكاتها.وقد ارتضى متع الحياة الوثنية، ولكنه بقي في مسلكه الخاص عفيفاً في عصر أطلق لشهواته العنان. وساعد بفضل تأييده للكتاب الإنسانيين في روما على غرس بذور الآداب والأشكال القديمة في فرنسا، وأصبحت روما برعايته قلب الثقافة الأوربية النابض، يهرع إليها الفنانون ليصوروا، أو يحفروا، أو يشيدوا؛ والعلماء ليدرسوا؛ والشعراء لينشدوا؛ والفكهون ليتلألأوا؛ وفي ذلك يقول إزرمس: "عليّ قبل أن أنساك يا روما أن أغرق في نهر النسيان ألا ما أعظم ما فيك من حرية ثمينة، وما حوته خزائنك من كتب قيمة، وما أغزر ما في صدور علمائك من معارف، وما فيك من صلات اجتماعية نافعة! وهل يستطيع الإنسان أن يجد في غيرك من المدائن مثل ما يجده فيك من مجتمع أدبي راق، أو تعدد في المواهب مجتمعة كلها في مكان واحد؟"(105). وأنى يستطيع الإنسان أن يجد مرة أخرى وفي مدينة واحدة وفي عقد من السنين،مثل هذا الحشد العظيم من الأعلام: كستجليوني الظريف، وبمبو المهذب، ولسكارس العالم، والراهب جيوكندو،ورفائيل؛ وآل سانسو فيتي، وسنجلي، وسبستيانو وميكل أنجيلو.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن













ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق