1045
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> النهضة تستحوذ على إي -> قصبة العالم
الباب الخامس عشر
النهضة تستحوذ على إيطاليا
1447-1492
الفصل الأول
قصبة العالم
لمّا اعتلى البابا نقولاس الخامس أقدم عرش في العالم ، لم يكن حجم روما يبلغ معشار حجم المدينة التي كانت تضمّها أسوار أورليان (270-275م)، وكانت أضيق رقعة وأقل سكاناً (80.000 نسمة)(1) من البندقية، وفلورنس، وميلان. ولم يكن لها مورد لماء الشرب ثابت يعتمد عليه بعد أن دمّر البرابرة سقاياتها الكبرى، نعم إنه قد بقى لها بعض السقايات الصغيرة، وبعض العيون، وكثير من الأحواض والآبار، ولكن كثيرين من السكان كانوا يستقون من ماء التيبر(2). وكانت كثرة السكان تعيش في السهول غير الصحية، معرضة لفيضان النهر وعدوى الملاريا تتسرب إليها من المناقع المجاورة. وكان تل الكبتولين يسمّى الآن منتي كبرينو Monte Caprino لأن المعز (Capri) كانت ترعى على سفوحه. وكان تل البلاتين ملجأً ريفياً، يكاد يخلو من السكان،وأصبحت القصور القديمة التي اشتق اسمه منها محاجر مترية. وكانت البرجو فاتيكان Borgo
Vatican (مدينة الفاتيكان) ضاحية صغيرة على الضفة الأخرى من النهر مقابلة لوسط المدينة مكدّسة حول ضريح القديس بطرس المتهدّم. وكانت بعض الكنائس مثل كنيسة سانتا ماريا مجيوري (القديسة مريم الكبرى) أو سانتا تشيتشيليا جميلة من داخلها ولكنها بسيطة من خارجها؛ ولم يكن في روما كنيسة تضارع كنيسة فلورنس أو ميلان؛ أو دير يضارع التشيرتوزا دي بافيا Certosa di Pavia ، كما لم يكن فيها قاعة عامة تسمو إلى مكانة البلادسافينشيو (قصر فيتشيو) أو ، كما لم يكن فيها قاعة عامة تسمو إلى مكانة البلادسافينشيو (قصر فيتشيو) أو الكاستيلوا اسفورديسكو Casello Sforzesco أو حتى البلاتسا بيليكو (القصر العام) في سينا. وكانت شوارع المدينة كلها تقريباً أزقة موحلة أو متربة؛ وقليل منها مرصوف بالحصباء. ولا يضاء فيها أثناء الليل إلاّ عدد قليل؛ ولم تكن تكنس إلاّ في أخص المناسبات، كعيد عام أو دخول شخصية جد خطيرة دخولاً رسمياً.
وكان عماد المدينة من الناحية الاقتصادية يجيء بعضه من المراعي وإنتاج الصوف، والماشية التي ترعى في الحقول القريبة منها، ولكن الجزء الأكبر منه يجيء من إيراد الكنيسة. وكانت الزراعة قليلة أو منعدمة، والتجارة أقل من القليل، أما الصناعة والتجارة الخارجية فقد كادتا تختفيان من الوجود لافتقارهما إلى الحماية وتعرضهما لاعتداء اللصوص وقطّاع الطريق. ولم تكد توجد في المدينة طبقة وسطى ـ فلم يكن فيها إلاّ الأشراف، ورجال الدين، والعامة- وكان الأشراف يمتلكون كل ما لم يقع في حوزة الكنيسة من الأراضي إلاّ القليل الذي لا يستحق الذكر، وكانوا يستغلون الفلاحين بلا وازع من رحمة ولا ضمير خليقين بالمسيحي الصحيح. وكانوا يقضون على العصيان بقسوة، ويتقاتلون فيما بينهم على أيدي الأوشاب السفاحين الأشدّاء، الذين يحتفظون بهم ويدربونهم على الضرب والفتك لينفذوا أغراضهم. واغتصبت الأسر الكبيرة- وخاصة أسرة كولنا وأسرة أرسيني- المقابر والحمامات، ودور التمثيل، وغيرها من المنشآت القائمة
في روما أو بالقرب منها، وحولتها إلى قلاع خاصة؛ وكانت قصورها الريفية مشيّدة بحيث تؤدي الأغراض الحربية، أو يبذلون جهدهم ليتولوا هم اختيار هؤلاء البابوات والسيطرة عليهم. وكثيراً ما أشاعوا الاضطراب الذي أدى إلى فرار البابوات من المدينة؛ حتى لقد كان البابا بيوس الثاني يدعو الله أن يجعل مدينة غير روما عاصمة ملكه(3). ولمّا أن حارب سكسنس الرابع واسكندر السادس أولئك الأعيان كانت حروبهما مجهوداً يغتفر لهما للتمتّع ببعض الأمن الذي لابد منه للكرسي البابوي.
وكان رجال الدين هم الذين يحكمون روما عادة، لأنهم كانت بأيديهم موارد الكنيسة على اختلاف أنواعها ينفقون منها. وكان الأهلون يعتمدون على ما ينصب في المدينة من الذهب الوارد من الأقطار المختلفة، وعلى ما يستطيع رجال الكنيسة أن يستخدموهم فيه من الأعمال بفضل هذا الذهب، وعلى الصدقات التي يستطيع البابوات أن يمدوهم بها منه. ولم يكن من شأن أهل روما أن يتحمّسوا لأي إصلاح في الكنيسة يقلّل من أنصباب هذا الذهب فيها. وإذ كانوا عاجزين عن العصيان الصريح فقد استبدلوا به الهجاء اللاذع الذي لا يضارعه في هذا هجاء آخر في أية مدينة غير روما في أوربا كلها. من ذلك أن تمثالاً في البياتسا نافونا Piazza Navona، وهو في أكبر الظن تمثال لهرقول، قد أطلق عليه اسم باسكوينو Pasquino- ولعل هذا الاسم قد أخذ من اسم خياط قريب منه- واتخذ لوحة تلصق عليها أحدث عبارات القذف والطعن، وكانت في العادة عبارة عن نكت باللغة الإيطالية أو اللاتينية، وكانت توجه في أكثر الأحيان إلى البابا الحاكم، وكان أهل روما قوماً متدينين في المناسبات الخاصة على الأقل؛ فكانوا يتزاحمون لتلقّي البركة من البابا، ويفخرون بأن يحذو حذو السفراء فيقبّلوا قدميه؛ ولكن لمّا أعجز داء الرثية البابا سكستس الرابع عن أن يظهر
أمامهم في الموعد المقرر لمنح هذه البركة وجّهوا إليه أقذع ما في جعبة أهل روما من السباب. ويضاف إلى هذا أن البابوات أصبحوا، بعد أن ألغى بوجينيوسش الرابع الجمهورية في روما، حكّام المدينة الزمنيين، وبذلك كان يوجّه إليهم ما يوجّه إلى الحكومات من شتائم. وكان من سوء حظ البابوية أن يكون مقرها بين أكثر أهل إيطاليا خروجاً على القانون.
وكان البابوات يشعرون بأن لهم الحق كل الحق في أن يطالبوا لأنفسهم بقسط من السلطة الزمنية ورقعة من الأرض يمارسون فيها هذه السلطة. ذلك بأنهم وهم رؤساء منظمة دولية، لا يقبلون أن يكونوا أسرى في أيدي دولة بمفردها كما كانت حالهم في واقع الأمر في أفنيون. فإذا ما ضيق عليهم إلى هذا الحد عجزوا لا محالة عن أن يقدّموا للناس جميعاً خدماتهم نزيهة من غير تفرقة بينهم؛ وعجزوا أكثر من هذا عن أن يحققوا حلمهم العظيم وهو أن يكونوا الحكّام الروحيين لجميع الحكومات. ولقد كانت "هبة قسطنطين" المزعومة وثيقة واضحة التزوير (كما اعترف بذلك نقولاس باستئجار فلاّ "، ولكن إهداء بيبين إيطاليا الوسطى للبابوية (755)، ذلك الإهداء الذي أيده شارلمان، (773) من الحقائق التاريخية التي لا شك فيها. وكان البابوات قد سكّوا لهم عملة خاصة منذ عام 782 إن لم يكن قبل ذلك التاريخ(4)، ولم يرتّب أحد في حقهم هذا قروناً طوالا. وكان توحيد السلطات المحلية، الإقطاعية أو الحربية، يسير في الولايات البابوية سيره في غيرها من الأمم الأوربية. فإذا كان البابوات من أيام نقولاس الخامس إلى أيام كلمنت السابع قد حكموا الولايات الخاضعة لهم حكم الملوك أصحاب السلطة المطلقة، فقد كانوا يتّبعون في هذا ما جرى به العرف في زمانهم، وكان من حقهم أن يشكّوا إذا قام مصلحون مثل جيرسن Gerson مدير جامعة باريس يطالب بالدمقراطية في الكنيسة ولكنه يستنكرها في الدولة. والحق أنه لا الدولة ولا الكنيسة كانت مستعدة للدمقراطية في
الوقت الذي لم تكن الطباعة قد أخذت فيه تعم وتنتشر. ذلك أن نقولاس الخامس قد ارتقى عرش البابوية قبل أن يطبع جوتنبرج الكتاب المقدس بسبع سنين،وقبل أن يصل فن الطباعة إلى روما بثلاثين سنة، وقبل أن ينشر ألدوس مانوتيوس أول كتاب من كتب الآداب القديمة. وملاك القول أن الديمقراطية ترف لا يستمتع به إلاّ إذا تثقفت العقول وساد الأمن والسلام.
وكان حكم البابوات الزمني ينبسط مباشرة على ما كان الأقدمون يسمّونه إقليم لاتيوم (وهو إقليم لادسيو في هذه الأيام)، وعلى جزء صغير من الإقليم المحصور بين تسكانيا، وأمبريا، ومملكة نابلي، والبحر الترهيني. وكانوا فضلاً عن هذا يدّعون أنهم أصحاب أمبريا نفسها وولايات الحدود، ورومانيا Romogna (وهي رومانيا Romania القديمة). ويتكون من هذه الأصقاع الأربعة منطقة عريضة تمتد في عرض إيطاليا من البحر إلى البحر، وتضم نحو ست وعشرين مدينة كان البابوات متى شاءوا يحكمونها بأيدي نائبين عنهم أو يقسمونها بين حكّام الأقاليم الأخرى. وفضلاً عن هذا وذاك كان البابوات يدّعن أن صقلية ومملكة نابلي كلها إقطاعيتان باباويتان، مستندين في ذلك إلى اتفاق عقد بين البابا إنوسنت الثالث وفردريك الثاني؛ وأصبح أداء هاتين الدولتين جعلاً إقطاعياً للبابوية من أكبر أسباب النزاع بين حاكميها والبابوات. يضاف إلى هذا كله أن الكونتة ماتلدا كانت قد أوصت للبابوات (1107) بتسكانيا كلها تقريباً، بوصفها من ممتلكاتها الإقطاعية الخاصة، بما في ذلك فلورنس، ولوكا، وبستويا، وبيزا، وسينا، وأردتسو؛ وكان البابوات يطالبون بأن تكون لهم على جميع هذه الأملاك حقوق السادة الإقطاعية، ولكنهم قلّما كانوا يستطيعون أن ينفّذوا مطلبهم هذا ويجعلوه من الحقائق الواقعة.
وكانت البابوية تعاني الأمرّين من جرّاء الفساد الداخلي، وعجزها
الحربي والمالي، واشتباك الأحوال السياسية الأوربية بالإيطالية، والشئون الكنسية بالزمنية؛ وظلت وتلك حالها تكافح قروناً طوالا للمحافظة على ممتلكاتها التقليدية وتحول بينها وبين أن يمتلكها رؤساء العصابات الأفّاقون المستأجرون، وأن تعتدي عليها الدول الإيطالية الأخرى. مثال ذلك أن ميلان حاولت أكثر من مرة أن تمتلك بولونيا، وأن البندقية استولت على رافنا، وحاولت أن تضم إليها فيرارا، وأن نابلي حاولت أن تبسط سلطانها على لاتيوم. وقلّما كان البابوات يعتمدون في صد هذه الهجمات على جيشهم الصغير المؤلف من الجنود المرتزقين، بل كانوا يثيرون هذه الدول الطامعة بعضها على بعض؛ لينشئوا بذلك نوعاً من توازن القوى السياسية، ويحاولون أن يحولوا بين أية واحدة منها وبين أن يصبح لها من القوة ما يمكّنها من أن تلتهم الأملاك البابوية. ولقد كان مكيفلي وجوتشيارديني Guicciardini محقيّن حين أرجعا بعض أسباب تمزّق إيطاليا إلى هذه السياسة البابوية؛ ولقد كان البابوات على حق في الجري عليها لأنها كانت سبيلهم الوحيدة للمحافظة على استقلالهم الروحي والسياسي عن طريق سلطانهم الزمني.
وأحس البابوات بوصفهم حكّاماً سياسيين أنهم مضطرّون إلى استخدام نفس الأساليب السياسية التي يستخدمها أندادهم الحكّام الزمنيون. فكانوا يوزعون- وأحياناً يبيعون- المناصب والرتب الكهنوتية إلى ذوي النفوذ، حتى القصَّر منهم، لكي يوفوا بما عليهم من الديون السياسية، أو يحققوا أغراضاً سياسية، أو يكافئوا أو يعينوا رجالاً من الأدباء أو الفنانين. وكانوا يزوجون أقاربهم في الأسر ذات القوة السياسية. وكانوا يستخدمون الجيوش كما فعل يوليوس الثاني، أو أساليب الخداع كما استخدمها ليو العاشر(5)، للوصول إلى أغراضهم. وكانوا يغضّون النظر عن قيام درجات من البيروقراطية الخسيسة ـ كانوا يفيدون منها في بعض الأحيان- أكبر الظن
أنها لم تكن أشد خسّة مما كانت تتصف به معظم حكومات تلك الأيام. ولم تكن شرائع الولايات البابوية أقل شدة من شرائع غيرها من الدول، فكان مندوبو البابوات يشنقون اللصوص ومزيّفي النقود ويرون هذا شراً مريراً لابد للحكومات أن تسلكه. وكان معظم البابوات يعيشون معيشة بسيطة إلى الحد الذي تجيزه المظاهر والحفلات الرسمية الفخمة التي تتطلبها مناصبهم في زعمهم؛ وإن أسوأ القصص التي نقرأها عنه لهي أقاصيص غير مستندة إلى أساس صادق أذاعها عنهم هجّاءون غير مسئولين مثل برني Berni، أو طلاب المناصب الذين لم ينالوا بغيتهم أمثال أرتينو Artino، أو عملاء السلطات مثل آل إنفسورا Infessura المعادين للبابوية عدا شخصياً عنيفاً أو عداء دبلوماسياً. أما الكرادلة الذين كانوا يعرفون شئون الكنيسة الدينية والسياسية، فكانوا يرون أنفسهم شيوخاً في مجلس دولة غنية، وينظّمون حياتهم على أساس هذا الوضع، وشاد الكثيرون منهم لأنفسهم قصوراً فخمة، وناصر كثيرون غيرهم الآداب والفنون، وأباح بعضهم لأنفسهم الاتصال بالمحاظي والعشيقات، ولم يتحرجوا في اتباع القانون الأخلاقي السائد في أيام الاستهتار التي يعيشون فيها.
وواجه البابوات بوصفهم قوة روحية مشكلة التوفيق بين النزعة الإنسانية الأدبية وبين المسيحية. ولقد كانت النزعة الإنسانية نصف وثنية، وكانت الكنيسة قد أخذت على عاتقها اجتثاث أصول الوثنية وتقطيع فروعها، سواء كان ذلك في عقائدها أو في فنها. وكانت قد شجعت تدمير الهياكل والتماثيل الوثنية أو أباحت هذا التدمير. مثال ذلك أن كنيسة أرفيتو الكبرى كانت قد شُيّدت توّاً بالرخام الذي أخذ بعضه من كرارا وبعضه الآخر من الآثار الرومانية القديمة؛ وأن مندوباً بابوياً باع كتل الرخام المأخوذة من الكلوسيوم لكي تحرق ويصنع منها الجير(6)؛ وأن قصر البندقية قد بدء في تشييده في عام 1461 لا قبل بتدمير المدرج الفلافي. وقد استخدم نقولاس
نفسه، في حماسته المعمارية حمل ألفي عربة وخمسمائة من الرخام وصخور الترافرتين أخذها من الكلوسيوم، ومن حلبة مكسيموس وغيرهما من العمائر القديمة لكي يعيد بها بناء كنائس روما وقصورها(7). وكان انتهاج عكس هذه الخطة، والاحتفاظ بما بقى من الآثار الفنية والأدبية الرومانية واليونانية القديمة يتطلبان ثورة في التفكير الكنسي. وكانت منزلة النزعة الإنسانية في الأدب قد علت علوّاً كبيراً، وكانت الدوافع التي وراس الحركة الوثنية الجديدة قد اشتدت وقويت، والصبغة التي اصطبغ بها زعماؤها قد عظم تأثيرها، بحيث لم تر الكنيسة بدّاً من أن تجد مكاناً لهذه التطورات التي حدثت في الحياة المسيحية، وإلاّ خسرت الطبقات المثقفة في إيطاليا، ولعلها تخسر بعد ذلك هذه الطبقات في أوربا كلها. ومن أجل هذا احتضنت النزعة الإنسانية في أيام نقولاس الخامس، وانحازت بشجاعة ونبل إلى جانب الأدب الجديد والفن الجديد وتولت زعامتهما، وظلت مائة عام- تعد من أكثر الأعوام بهجة ورواء- (1447-1534) تتيح لعقل إيطاليا قدراً عظيماً من الحرية- الحرية التي لا يفيد منها العقل كما يقول فيليلفو- وللفن الإيطالي مناصرة، وفرصاً، ودوافع قائمة على التمحيص والتمييز جعلت روما مركز للنهضة، ومكّنتها من أن تستمتع بعصر من أكثر العصور لألاء في تاريخ البشرية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق