1042
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> النهضة في رومة -> أزمة الكنيسة -> الانشقاق البابوي
الكتاب الرابع
النهضة في روما
1378 - 1521
الباب الرابع عشر
أزمة الكنيسة
1378-1447
الفصل الأول
الانشقاق البابوي
1378-1417
أعاد جريجوري الحادي عشر البابوية إلى روما؛ ولكن هل تستطيع البابوية البقاء فيها؟ وكان المجمع الذي انعقد لاختيار من يخلفه مؤلفاً من ستة عشر كردنالا، لم يكن منهم إيطاليين غير أربعة، وقدم إليهم ولاة الأمور في المدينة معروضاً يطلبون إليهم فيه أن يختاروا رجلاً من أهل روما ، فإن لم يكن فلا أقل من أن يكون إيطالياً؛ وأرادوا أن يؤيدوا هذا المطلب فاجتمعت طائفة منهم خارج الفاتيكان، وأنذرت المجتمعين بأنها ستقتل جميع الكرادلة غير الإيطاليين إذا لم ينتخب للبابوية أحد أبناء روما؛ وارتاع لذلك المقدس، فأسرع باختيار بارتولميو برنيانو Baratolommao Prignano، (1378) كبير أساقفة باري وتسمى باسم إربان السادس، ثم ولوا هاربين طلباً للنجاة، ولكن روما قبلت هذه الترضية(1).
وحكم إربان السادس المدينة والكنيسة بنشاط استبدادي عنيف، فعين هو أعضاء مجلس الشيوخ وكبار موظفي البلدية، وأخضع العاصمة الثائرة المضطربة للطاعة والنظام، وروع الكرادلة بأن أعلن عزمه على إصلاح
الكنيسة، وانه سيبدأ هذا الإصلاح من أعلى؛ وبعد أسبوعين من هذا الإعلان ألقى عظة عامة حضرها الكرادلة أنفسهم ندد فيها بفساد أخلاقهم وأخلاق كبار رجال الدين، ولم يترك نقيصة إلا رماهم بها. وقد أمرهم ألا يقبلوا معاشاً، وأن يقوموا بجميع الأعمال التي تحال إلى المحكمة البابوية دون أجور أو هدايا أيا كان نوعها. ولما تذمر الكرادلة وأخذوا يتهامسون مستائين قال لهم: "إياكم وهذا اللغو"، فلما احتج عليه الكردنال أرسيني Orisini قال له البابا إنه أبله لا يعقل، ولما اعترض عليه كردنال ليموج Limoges هجم عليه إربان يريد أن يضربه. وسمعت القديسة كترين بهذا فبعثت إلى البابا الثائر تحذره وتقول له: "افعل ما تريد أن تفعله باعتدال... وحسن نية، وقلب مسالم، لأن التطرف يدمر ولا يبني؛ وإني أستحلفك بحق الرب المصلوب أن تكبح بعض الشيء جماح هذه الحركات السريعة التي تدفعك إليها طبيعتك"(2). واصم إربان أذنه عن سماع هذا النداء، وأعلن عزمه على تعيين عدد من الكرادلة الإيطاليين يكفي لأن يجعل لإيطاليا أغلبية في مجلس الكرادلة.
واجتمع الكرادلة الفرنسيون في أنانيي، ودبروا الثورة، فلما كان اليوم التاسع من أغسطس عام 1379 أصدروا منشوراً يعلنون فيه أن انتخاب إربان باطل لأنه تحت ضغط غوغاء روما، وانضم إليهم جميع الكرادلة الطليان، وأعلن المجمع على بكرة أبيه في يوم 20 سبتمبر أن ربرت الجنيفي هو البابا الحق. واتخذ ربرت مقامه في أفنيون وتسمى باسم كلمنت السابع، أما إربان فقد تمسك بمنصبه الديني الأعلى وظل مقيماً في روما. وكان الانقسام البابوي الذي بدأ على هذه الصورة نتيجة أخرى من النتائج التي أسفر عنها قيام الدولة القومية، فقد كان في واقع الأمر محاولة من جانب فرنسا للاحتفاظ بعون البابوية الذي لا غنى لها عنه في حربها مع إنجلترا وفي كل نزاع مقبل مع ألمانيا أو إيطاليا. وحذت نابلي، وأسبانيا،
واسكتلندة حذو فرنسا، ولكن إنجلترا، وفلاندرز، والمانيا، وبولندة، وبوهيميا، وهنغاريا، والبرتغال رضيت بإربان، وأضحت الكنيسة ألعوبة في أيدي المعسكرين المتنافسين. وبلغ هذا الاضطراب غايته، وأثار ضحك الإسلام الآخذ في الانتشار وسخريته؛ فقد كان نصف العالم المسيحي يرى أن النصف الآخر زنادقة مجدفون، خارجون على الدين. ونددت القديسة كترين بكلمنت السابع وقالت إنه هو يهوذا؛ وأطلق القديس فنسنت فرر St. Vincent Ferrer الاسم عينه على إربان السادس(3). وادعت كلتا الطائفتين أن القربان المقدس الذي تقمه الطائفة الأخرى باطل، وأن الأطفال الذين تعمدهم، والتائبين الذين تتلقى اعترافهم، والموتى الذين تمسحهم، يبقون في حالة من الخطيئة الأخلاقية، ملقين في الجحيم أو في الأعراف إذا عاجلهم الموت. وبلغت العداوة بين الطائفتين درجة لا تعادلها إلا العداوة في أشد الحروب مرارة وعنفاً، ولما أن ائتمر كثيرون من كرادلة إربان الجدد عليه ليقتلوه لأنه عاجز شديد الخطورة أمر بالقبض على سبعة منهم، وعذبهم، ثم أعدمهم (1385).
ولم يحسم موته (1389) هذا النزاع، ذلك أن الأربعة عشر من الكرادلة الذين بقوا في معسكره اختاروا بيرو توماتشيلي Piero Tomacelli لمنصب البابوية، وتسمى بعد اختياره بونيفاس التاسع، وأطالت الأمم المنقسمة انقسام البابوية هذا، ولما مات كلمنت السابع (1394) رشح كرادلة أفنيون بيرو ده لونا Piero de Luna ليكون هو بندكت الثالث عشر، واقترح شارل السادس ملك فرنسا أن يستقيل البابوان كلاهما، ولكن بندكت لم يقبل هذا الاقتراح. فلما كان عام 1399 أعلن بونيفاس التاسع إقامة عيد عام في السنة التالية؛ وإذ كان يعلم أن كثيرين ممن ينتظر منهم أن يقدموا للاشتراك في هذا العيد سيبقون في أوطانهم بسبب ما يسود تلك الأيام من فوضى وأخطار، خول وكلاءه في
الأقاليم ـ أن يمنحوا كل ما يترتّب على الحج للاحتفال بالعيد من غفران للذنوب وامتيازات لكل مسيحي يعترف بذنوبه، ويتوب، ثم يهب الكنيسة الرومانية المال الذي يتطلبه السفر إلى روما. ولم يكن جباة هذه الأموال رجال دين ذوي ضمائر حية نزيهة، فقد كان كثيرون منهم يعرضون الغفران دون أن يتلقّوا اعترافاً ما؛ ولامهم بونيفاس على فعلتهم، ولكنّه كان يحس بأنه ما من أحد غيره يستطيع أن يفيد من المال الذي جمع بهذه الطريقة أحسن مما يفيده منه هو، ولم "يرو بونيفاس تعطّشه إلى الذهب"(4) كما يقول أمين سرّه وسط ما كان يعانيه من آلام الحصوة المبرحة. ولمّا أراد بعض الجباة أن يغتالوا بعض هذا المال أمر بتعذيبهم حتى يردوه إليه. ومزقت جماهير روما الغاضبة غيرهم من الجباة لأنهم سمحوا لبعض المسيحيين أن ينالوا الغفران دون أن يأتوا الى روما لينفقوا فيها نقودهم(5). وبينا كانت الاحتفالات قائمة على قدم وساق حرضت أسرة كولنا الشعب على أن يطالب بعودة الحكم الجمهوري، فلما رفض بونيفاس هذا الطلب، قادت هذه الأسرة جيشاً مؤلفاً من ثمانية آلاف محارب هجمت بهم عليه؛ وقاوم البابا الطاعن في السن الحصار بعزيمة ماضية في سانتا أنجيلو، وانقلب الشعب على آل كولنا، وتفرق جيش المتمردين، وزج واحد وثلاثين من زعماء الفتنة في غيابة السجون. ووعد واحد منم بالعفو والابقاء على حياته إذا رضى بأن يكون جلاد الباقين؛ فرضى بهذا العمل وشنق الثلاثين الباقين ومنهم أبوه وأخوه(6).
وشبت نار الفتنة من جديد لما مات بونيفاس واختير إنوسنت السابع لمنصب البابوية (1404) وفر إنوسنت إلى فتيربو Viterbo وهجم الغوغاء من أهل روما بقيادة جيوفني كولنا على قصر الفاتيكان، وأعملوا فيه السلب والنهب، ولطخوا شارات إنوسنت بالوحل، وبعثروا السجلات
البابوية والقرارات التاريخية في شوارع المدينة (1405)(1) ثم تراءى للشعب أن روما إذا خلت من البابوات حل بها الخراب والدمار ، فعقد للشعب أن روما إذا خلت من البابوات حل بها الخراب والدمار، فعقد صلحا مع إنوسنت، فعاد إلى روما ظافراً ومات فيها بعد أيام قليلة من عودته (1406).
ودعا خلفه جريجوري الثاني عشر بندكت الثالث عشر إلى الاجتماع به في مؤتمر. وعرض بندكت أن يستقيل إذا رضى جريجوري أن يقوم هو أيضاً بنفس العمل، ولكن أهل جريجوري أشاروا عليه بألاّ يوافق على هذا الاقتراح؛ فما كان من بعض الكرادلة إلا أن انسحبوا إلى بيزا، ودعوا إلى عقد مجلس عام يختار بابا بترضية العالم المسيحي قاطبة. وحث ملك فرنسا مرة أخرى بندكت على أن يستقيل، فلما رفض ذلك للمرة الثانية أعلنت فرنسا عدم ولائها له، واتخذت موقف الحياد بين الطرفين المتنازعين. ولما تخلى كرادلة بندكت عنه فر إلى أسبانيا، وأنضم هؤلاء الكرادلة إلى الذين تخلوا عن جريجوري، وأصدروا جميعاً دعوة إلى مؤتمر بعقد في بيزا في الخامس والعشرين من شهر مارس عام 1409.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق