1033
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> آداب البندقية -> ألدوس مانتيوس
الفصل السادس
آداب البندقية
1 - ألدوس مانوتيوس
كانت البندقية في ذلك الوقت تشغلها مهام الحياة وانهماكها فيها عن العناية بالكتب، ولكن علماءها، ودور كتبها، وشعراءها، وطابعيها، قد اشتركوا في إذاعة حسن الأحدوثة عنها. نعم إنها لم تسهم بنصيب بارز في حركة الآداب الإنسانية، بيد أن هذه النزعة كان لها في البندقية من يمثلها أنبل تمثيل - ونعني به إرمولاء وبربارو Ermolao Brabaro الذ توجه أحد الأباطرة شاعراً وهو في الرابعة عشرة من عمره، وعلم اللغة اليونانية، وترجم أرسطو، وخدم بني وطنه طبيباً، وخدم بلاده دبلوماسياً، وكنيسته كردينالاً، ومات بالطاعون وهو في سن التاسعة والثلاثين. ولم تكن نساء البندقية حتى ذلك الوقت يعنين بالتعليم إلا فيما ندر، فقد كن يقنعن بأن يكن مغريات في الجسم، أو مخصبات في النسل، أو موقرات آخر الأمر، ولكن إيرينه الاسمبلمبيرجيه Irine of Spilimbergo افتتحت في عام 1530 ندوة لرجال الأدب، ودرست التصوير على تيشيان، وكانت تغني بصوت رخيم، وتجيد العزف على الكمان الكبير، وعلى معزف تلك الأيام الشبيه بالبيان، وعلى العود، وتتحدث حديث العلماء في الأدب القديم والحديث. وكانت البندقية تبسط حمايتها على اللاجئين العقليين الفارين من الأتراك في الشرق ومن المسيحيين في الغرب، ففيها كان أرتينو يستهزئ وهو آمن بالبابوات والملوك، كما أشاد بيرون Byron في هذا المكان نفسه باضمحلالهم بعد عدة قرون. لقد كان الأشراف والأحبار يقيمون الأندية والمجامع العلمية
لنشر الموسيقى والآداب، ويفتحون بيوتهم ومكتباتهم للدارسين المجدين، والمغنين، والعلماء، وكانت الأديرة، والكنائس، والأسر تجمع الكتب، فكان للكردينال دمنيكو جريماني منها ثمانية آلاف أهداها فيما بعد إلى البندقية، وحذا حذوه في ذلك الكردينال يساربون فأهدى إليها مجموعة مخطوطاته الثمينة. وأرادت الحكومة أن تحفظ هذه الكنوز والبقية الباقية مما أهداه بترارك إلى المدينة فأمرت مرتين بتشييد دار كتب عامة، ولكن الحرب وغيرها من المشاغل وقفت في سبيل هذا المشروع، فلما كان عام 1536 كلف مجلس الشيوخ آخر الأمر ياقوبو ساسوفينو Jacopo Sansovino أن يشيد مكتبة فتشيا Libreria Vecia وهي من الناحية المعمارية أجمل بناء للمكتبات في أوربا.
وكان الطابعون البنادقة في تلك الأيام يخرجون أجمل الكتب المطبوعة في ذلك العصر، بل لعلها أجملها في كل العصور، ولم يكونوا هم أول من قام بهذا العمل في أوربا، فقد أنشأ اسوينهايم Sweynheim وبناردز Pannartz، وكانا في وقت ما مساعدين لجوهان فست Johann Fust في مينز، وأول مطبعة إيطالية في دير للرهبان البندكتيين في سبياكو بجبال الأبنين (1464)، ثم نقلا آلاتهما إلى روما في عام 1467 ونشرا فيها ثلاثة وعشرين كتاباً خلال الثلاث السنين التالية. وبدأت الطباعة في البندقية وميلان في عام 1469 أو قبلها، فلما كان عام 1471 افتتح برناردو تشينيني Bernardo Cennini داراً للطباعة في فلورنس، فأحزن فتحها بوليتيان الذي قال في أسف وحسرة إن ((أسخف الأفكار يمكن نقلها في ساعة من الزمان إلى آلاف المجلدات ونشرها في خارج البلاد))(43). وأخذ النساخون الذين تعطلوا ينددون عبثاً بالاختراع الجديد، وقبل أن يختتم القرن الخامس عشر تم طبع 4987 كتاباً في إيطاليا: منها 300 في فلورنس، و 629 في ميلان، و 925 في روما، و 2835 في البندقية (44).
ويرجع تفوق البندقية في هذه الناحية إلى تيوبلدو مانوتشي Teobaldo Manucci الذي غير اسمه فجعله ألدو مانودسيو Aldo Manuzio، ثم صبغه بعدئذ صبغة لاتينية فجعله ألدوس مانوتيوس Aldus Manutins. وكان مولده في بسيانو من أعمال رومانيا Bussiano in Romagna (1450)، وتعلم اللغة اللاتينية في روما واليونانية في فيرارا، تعلمهما على جوارينو دا فيرونا، ثم أخذ هو يحاضر في آداب اللغتين في فيرارا. ودعاه بيكو ديلا ميرندولا Pico della Mirandola أحد تلاميذه للمجيء إلى كابري Capri ليعلم فيها ليونيلو Lionello وألبرتو بيو ولدي أخيه. وتوطدت بين المعلم والتلميذين أواصر الحب القوي المتبادل، وأضاف ألدوس اسم بيو إلى اسمه الأول، وأتفق ألبرتو وأمه كونتة كابري أن يمولا أول المشروعات الكبرى في النشر. وكانت خطة ألدوس أن يجمع، ويحرر، ويطبع، الآداب اليونانية القيمة التي نجت من عاديات الدهر، وينشرها بتكاليفها. وكان هذا المشروع مجازفة خطرة لعدة أسباب: منها أن من الصعب الحصول على المخطوطات، وأن الكتاب القديم الواحد توجد منه مخطوطات متعددة تختلف نصوصها بعضها عن بعض اختلافاً يبعث على اليأس، وأن المخطوطات كلها تقريباً مليئة بالأخطاء الناشئة من النسخ، وأن لابد من البحث عن المنقحين الذين تعهد إليهم مقابلة النصوص ومراجعتها، ورسم الحروف اللاتينية واليونانية وصبها، ولابد بعد هذا من استيراد كميات كبيرة من الورق، واستخدام الجماعين والطباعين وتدريبهم، ولابد من تنظيم أداة للتوزيع، وخلق جمهور من القراء على نطاق أوسع مما كان من قبل. ولابد من تقديم جميع المال اللازم لهذا كله مع عدم وجود قانون لحماية حقوق الطبع.
واختار ألدوس البندقية مركزاً لعمله، لأن علاقاتها التجارية جعلتها مركزاً ممتازاً للتوزيع، ولأنها كانت أغنى مدن إيطاليا بأجمعها، ولأن فيها
كثيرين من الأثرياء الذين قد يرغبون في تزيين حجراتهم بكتب لم تفتح، ولأنها كانت تأوي عشرات من اللاجئين من علماء اليونان الذين يسرهم أن يقوموا بأعمال النشر العلمي وقراءة التجارب. وكان جون اسباير John Speyer قد أنشأ قبل ذلك الوقت أول مطبعة في البندقية (1469)، ثم أنشأ نقولاس جنسن Nicholas Jensen الفرنسي الذي تعلم الفن الجديد عند جوتنبرج في مينز، مطبعة أخرى بعد عام من ذلك الوقت. وفي عام 1479 باع جنسن مطبعته إلى أندريا تريسانو Andrea Torresano، واستقر ألدوس مانوتيوس في البندقية عام 1490، وتزوج فيها بابنة تريسانو عام 1499.
وجمع ألدوس في بيته القريب من كنيسة القديس أجستينو Santa Agostino جماعة من العلماء اليونان، وأمدهم بالطعام، والفراش، وجعلهم يعملون في إخراج الكتب اليونانية القديمة. واكن يتحدث إليهم باللغة اليونانية، ويكتب بها عبارات الإهداء والمقدمات، وكانت الحروف الجديدة ترسم وتصب في منزله، وفيه يضع المداد، وتطبع الكتب وتجلد. وكان أول ما نشره منها (1495) كتاباً في نحو اللغتين اليونانية واللاتينية من مؤلفات قسطنطين لاسكارس Contantine Lasscaris، وبدأ في العام نفسه يصدر مؤلفات أرسطو بلغتها الأصلية. وفي عام 1496 نشر نحو اللغة اليونانية لثيودوروس جادسا Theodorus Gaza، وأصدر في عام 1497 معجماً يونانياً لاتينياً جمعه هو نفسه، ذلك انه ظل يشتغل بالدرس حتى في أثناء مخاطر النشر ومحنه، وكانت ثمرة الدراسة التي دامت سنين طوالاً أن طبع في عام 1502 كتابه في مبادئ نحو اللغة اللاتينية Rudimenta Linguae Latinae مع مقدمة في اللغة العبرية متوسطة الحجم.
ومن هذه البدايات الفنية واصل العمل في نشر الآداب اليونانية القديمة (1495 وما بعدها): فنشر لموسيوس Musaeus هيرود ولياندر
Herod and Leander، وهزيود Hesiod، وثيوجنيس Theognis، وأرسطوفانيز، وهيرودوت، وتوكيديدس، وسفكليز، ويوربديز، ودمستنيز، وإيسكنير، ولوسياس Lysias، وأفلاطون، وبندار، وكتاب موراليا لأفلوطرخس. وأخرج في تلك السنين نفسها عدداً كبيراً من المؤلفات اللاتينية والإيطالية، مبتدئاً من كونتليان ومنهياً ببمبو، وكتاب أدجيا Adagia لإرازمس Erasmus. فقد رأى هذا المصلح ما ينطوي عليه مشروع ألدو من أهمية عظمى فجاء بنفسه ليقيم معه وقتاً ما لم ينشر في خلاله أدجيا أو معجم المقتبسات فحسب، بل نشر أيضاً مؤلفات ترنس، وبلوتوس، وسنكا. وقد وضع ألدوس للكتب اللاتينية حروفاً رشيقة شبيهة بخط اليد رسمها له فرانتشيسكو دا بولونيا وهو من مهرة الخطاطين، ولم يأخذها من خط بترارك كما تقول الأقاصيص، وهذا هو الخط الذي نسميه الآن بالخط المائل Italic واسمه الإنكليزي مشتق من أصله (اللاتيني). أما النصوص اليونانية فقد وضع لها تصميماً أساسه خط تلميذه مارقوس موسوروس الكريتي Marcus Mausaurus of Crete الذي كان يبذل فيه عناية فائقة. وكان يضع على جميع الكتب التي ينشرها ذلك الشعار عجل على مهل Festina Lente مضافاً إليه صورة دلفين رمزاً إلى السرعة ومرساة (هلبا) رمزاً إلى الإستقرار. ومن هذا الرمز مضافاً إليه صورة البرج الذي استخدمه ترسانو من قبل أخذ الطابعون والناشرون عادتهم التي ألفوها وهي وضع شعار لهم فيما ينشرونه من الكتب .
وكان ألدوس يعمل في مشروعه ليلاً ونهاراً - بالمعنى الحرفي لهذه العبارة. وقال في المقدمة التي وضعها لكتاب أورغانون لأرسطو: ((يجب أن يزود الذين يريدون الأدب بما يلزمهم من الكتب لتحقيق أغراضهم، ولن أستريح حتى أزودهم بحاجاتهم منها)). وقد نقش على باب مكتبه ذلك
التحذير: ((يطلب إليك ألدوس أياً كنت أن تقول ما تريد بإيجاز، وأن تسرع بالخروج ... لأن هذا مكان عمل))(45) وقد أنهمك في حملة النشر انهماكاً أهمل معه أسرته وأصدقاءه وأتلف صحته. وقد تحالفت عليه ألف محنة ومحنة قضت على قوته ونشاطه: فالإضراب المتكرر عطل برنامجه، وعطلته الحرب سنة كاملة حين كانت البندقية تقاتل في سبيل حياتها عصبة كمبرية، ونهب الطابعون المنافسون له في إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا المطبوعات التي ابتاع مخطوطاتها بأغلى الأثمان، وأدى للعلماء أجوراً عالية لمراجعة نصوصها. ولكن منظر كتبه الصغيرة السهلة التناول، الواضحة الخط، الأنيقة التغليف، تخرج من عنده إلى جمهور من القراء مطرد الزيادة، بثمن معتدل (حوالي دولارين من نقود هذه الأيام)، لكن منظرها هذا كان يدخل السرور على قلبه، وكان هو يرى فيه جزءاً أو في كدحه، وكان يقول وقتئذ لنفسه إن مجد بلاد اليونان سيتلألأ أمام كل من يريدون الاستمتاع به(46).
وتأثر علماء البنادقة بإخلاصه فاشتركوا معه في تأسيس المجمع العلمي الجديد Neacademia (1500) الذي كان يعمل للحصول على كتب الآداب اليونانية، وطبعها، ونشرها. ولم يكن أعضاء هذا المجمع ينطقون في مجالسهم بغير اليونانية، واستبدلوا بأسمائهم الأصلية صيغاً يونانية، وكانوا يشتركون جميعاً في مهام الطباعة. وكانت صفوة ممتازة من الرجال تكدح معه في هذا المجمع. بمبو، والبرتوبيو، وإرازمس الهولندي، ولنكر Lenacre الإنكليزي. وكان ألدوس يعزو إليهم أكبر الفضل في نجاح مشروعه، ولكن الحقيقة أن نشاطه وشغفه بعمله كانا هما سبب النجاح. ومات الرجل منهوك القوى، فقيراً (1515)، ولكنه أدى رسالته. وواصل أبناؤه عمله، ولكن مات حفيده ألدو الثاني (1597) أفلس المشروع بعد أن حقق الغرض من إنشائه في أمانة وإخلاص، فقد أخرج الآداب اليونانية من الأرفف التي لا تكاد تطلع عليها الأعين من
مجموعات الأغنياء، ونشرها في نطاق بلغ من سعته أن ما حدث في إيطاليا من تخريب ونهب في العقد الثالث من القرن السادس عشر، وما حل بأوربا الشمالية من الدمار في حرب الأعوام الثلاثين كان يسعها أن تضيع منها هذه المجموعات كما ضاع الأكبر منها في عصر احتضار روما القديمة دون أن يلحقها ضرر كبير.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق