1029
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> فن البندقية -> من آل بيليني إلى آل
3- من آل بيليني إلى جيورجيوني
وكان نجاح آل بيليني سبباً في نشر فن التصوير في البندقية، وكان فن الفسيفساء قبل عهدهم صاحب الشأن الأعلى فيها، فتضاعف عدد المراسم، وسخا أنصار الفن على المصورين، وزاد عدد هؤلاء، ولم يبلغون ما بلغه آل بيليني أو جورجيوني؛ ولكنهم لو شأوا وسط جماعات أقل من هؤلاء شأناً لكانوا من ألمع النجوم في هذا الفن. وقد بلغ من جمال الصور
التي رسمها فنتشندسو كاتبنا أن كان بعض صوره يعزى إلى بيليني أو جيورجيوني. واستجاب بارتولميو الأخ الأصغر لأنطونيو فيفاريني إلى مطالب المتحفظين فاستخدم في موضوعات العصور الوسطى أساليب اسكوارتشيوني والألوان القوية التي عرف المصورون كيف يخلطونها وينقلونها. ولاح وقتاً ما أن ألفيزي فيفاريني Alvise Vivarini تلميذ بارتولميو وابن أخيه سوف ينافس جيان بيليني في رسم صورة جميلة للعذراء، وقد رسم بالفعل ستاراً لمحراب عليه صور العذراء مع القديسين انتقل من إيطاليا إلى متحف القيصر فريدريك في برلين. وكان ألفيزي هذا معلماً بارعاً؛ وشاهد ذلك أن ثلاثة من تلاميذه نالوا شهرة لا بأس بها. أولئك هم باريولميو منتانيا الذي نتركه لنتحدث عنه في فيتشندسا، أما ثانيهما جيوفني باتستاتشيما دا كونجليانو Giovanni Batltista Cima da Conegliano فقد كان يرسم صور العذراء لمن يطلبها في السوق، ومن هذه صورة في بدوا الآن رسم معها ميكائيل رسماً جميلاً. وأخرى في كليفلند Cleveland يغطي عيوبها لونها الزاهي. ورسم ماركو باسيتي Marco Basiti صورة جميلة هي صورة دعاء أبناء زبيدي (في البندقية الآن) وأخرى ذات بهجة - هي صورة شاب في المعرض القومي بلندن.
وربما كان كارلو كريفلي Carlo Crivelli أيضاً من تلاميذ آل فيفاريني؛ وسواء كان هذا أو لم يكن فقد اضطر إلى الفرار من البندقية بعد أن بلغ السابعة عشرة من عمره بقليل (1457): ذلك أنه اختطف زوجة بحار فحكم عليه بالسجن وبغرامة؛ فلما أطلق سراحه احتمى في بدوا حيث درس في مدرسة اسكوارتشيوني، ثم انتقل منها إلى أسكولي Ascoli في عام 1468 وقضى الخمسة عشر عاماً الباقية يرسم لهذه المدينة وما حولها. ولعل خروجه من البندقية بهذه السرعة قد حال بينه وبين الاشتراك في الحركة التقدمية لفن التصوير البندقي؛ وكان يفضل الألوان
الزلالية على الألوان الزيتية، ويستمسك بالموضوعات الدينية التقليدية، واتبع طريقة تكاد تكون بيزنطية في إخضاع التمثيل للزخرف. وقد خلع على صوره صقلاً شبيهاً بصقل الميناء جعلها توائم الإطارات المذهبة الكثيرة الطيات التي وضعها فيها؛ وإن في صور العذارى التي أخرجها لرشاقة ورقة في الرسم يستبق بها جيورجيوني وإن بدا فيهما شيء من الفتور.
وكان فيتور Vettor (فتوري Vittore) كرباتشيو كبيراً بين هؤلاء الصغار. وقد بدأ تعليمه بدراسة المنظور والتخطيط على طريقة مانتينيا، ثم اتبع الطراز القصصي على نحو ما كان يفعل جنتيلي بليني، وأضاف إليه تفضيل الشباب أناشيد الرعاة الخيالية عن حادثات أيامه، واستخدم في موضوعاته الوجدانية فنه الذي أتقنه كل الإتقان. ومن صوره التي لا تتفق مطلقاً مع روحه المرحة الطروب صورة رسمها في بداية عهده (توجد الآن بنيويورك) هي صورة تفكير في آلام المسيح - وهي دراسة للموت يقوم بها القديسان جيروم وأونوفريوس Onofirus يتصوران المسيح الميت جالساً أمامهما وتحت أقدامهما جمجمة وعظام على شكل صليب، وفي خلفية الصورة سماء ملبدة بالغيوم. ولما بلغ كرباتشيو الثالثة والثلاثين من عمره عهد إليه عمل خطير (1488)؛ فقد طلب إليه أن يرسم لمدرسة القديس أرسولا Arsula سلسلة صور توضح تاريخها. واستجاب إلى الطلب وصور على تسع لوحات جملية مجيء كونون Conon أمير إنكلترا الوسيم إلى بريطانيا ليتزوج بأرسولا ابنة ملكها، ورجاءها إياه أن يؤجل الزفاف حتى تستطيع أن تحج إلى روما مع حاشية لها مؤلفة من أحد عشر ألفاً من العذارى، ثم مصاحبة كونون لها مدفوعاً إلى ذلك بحبها، ونيل الجميع بركة البابا، ثم ظهور ملك لأرسولا وإبلاغه إياها أنها لا بد لها أن تذهب هي وعذاراها إلى كولوني ليستشهدن، ثم تركها هي وصاحباتها كونون وهو حزين وذهابها إلى كولوني هادئة كريمة، وعرض ملكها الصغير الوثني عليها أن تتزوجه، ثم رفضها هذا
العرض ومقتل الأحد عشر ألفاً وواحدة جميعهن. ووفقت هذه القصة خيال كرباتشيو، فقد كان يسره أن يرسم جماعات العذارى والحاشية، وقد جعل كل من رسمه منهم تقريباً أرستقراطياً حسن الوجه ذا ثياب زاهية؛ ولم يجيء إلى هذه المناظر بعلمه بالتصوير فحسب بل جاء معه بعلمه بالأشياء الواقعية - كالعمارة، ونقل البضائع في الخلجان، وانتقال السحب في السماء على مهل.
وفي خلال التسع السنين التي كان كرباتشيو يعمل فيها في تصوير أرسولا رسم لمدرسة القديس يوحنا الإنجيلي صورة شفاء المحسوس بتأثير الصليب المقدس. ثم بدا لفتوري أن يصور منظراً على قناة في البندقية يناظر فيه جنتلي بليني، وملأه بالناس؛ وقوارب النزهة، والقصور، فكان فيه بذلك كل ما عند جنتلي من واقعية وتفاصيل مصقولة صقلاً براقاً فوق متناول أرجل العجوز. ثم طلبت مدرسة القديس جورج شفيع السلافونيين إلى كرباتشيو أن يخلد لها شفيعها القديس على جدران محرابهم في البندقية مدفوعين إلى هذا الطلب بما لقيه من نجاح، واستغرق هذا العمل تسع سنين أخرى رسم فيها تسعة مناظر، لا تبلغ ما بلغته مناظر أرسولا، ولكنها تدل على أن كرباتشيو وهو في العقد السادس من عمره لم يفقد ميله إلى رسم الأجسام الرشيقة في مجموعات متناسقة، ومن ورائها العمائر الخيالية في التفكير والمقنعة في التصوير. ونرى في الصورة القديس جورج يهاجم التنين هجوماً عنيفاً ولكن القديس جيروم يظهر على النقيض من هذا في صورة العالم الهادئ المنهمك في الدرس في حجرة تدهش الناظر بجمالها، وليس معه رفيق غير أسده. وقد رسم كل مظهر من مظاهر الحجرة بأمانة ودقة ولم يترك حتى العلامات الموسيقية الواضحة على ملف ساقط في الحجرة وضوحاً حولها ملمينتي Malmenti إلى نغمات على البيان.
وفي عام 1508 عين كرباتشيو واثنان آخران من المصورين المغمورين
ليقدروا قيمة رسم تجاري عجيب صورة مصور شاب ناشئ على الجدار الخارجي على مصنع التيديسكي - وهو مصنع يملكه التجار التيوتون بالقرب من جسر السوق المالية. وقدر قيمته بمائة وخمسين دوقة (1875 ؟ دولاراً). ولم يرسم كرباتشيو بعدئذ إلا صورتين عظيمتين وإن كان قد عاش بعد هذا الوقت ثماني عشرة سنة، فأما أحدهما فهي صورة المخلص في المعبد (1510) التي رسمها لمعبد أسرة سانودو Sanudo في كنيسة القديس جيني. وكان لا بد لها أن تنافس في هذا المكان صورة عذراء القديس أيوب لجيان بيليني؛ وجيوفني لافتوري هو الفائز في هذه المنافسة الصامتة وإن كانت عذراء ثانيهما وحاشيتها من السيدات بارعات الجمال. ولو أن كرباتشيو قد وجد في قرن آخر بعد الذي عاش فيه لكان هو سيد زمانه؛ ولكنه عاش لسوء حظه بين جيوفني بيليني وجيورجيوني.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق