إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 25 أبريل 2014

1024 قصة الحضارة ( ول ديورانت ) قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> أحوال البندقية الاقت الفصل الثاني أحوال البندقية الاقتصادية والسياسية


1024

قصة الحضارة ( ول ديورانت )

 قصة الحضارة -> النهضة -> مسرح الحوادث الإيطال -> البندقية وأملاكها -> أحوال البندقية الاقت

الفصل الثاني


أحوال البندقية الاقتصادية والسياسية


كانت أحوال البندقية في عام 1378 قد انحطت إلى الدرك الأسفل: كان أسطول جنوى المنتصر يعترض تجارتها في البحر الأدرياوي، وكان جنود جنوى وبدوا يسدون عليها الاتصال بينها وبين القارة من جهة البر، ويكاد أهلها يموتون جوعاً، وحكومتها تفكر في الاستسلام. فلما مضى نصف قرن من ذلك الوقت كانت تحكم بدوا، وفيتشندسا، وفيرونا، وبريشيا، وبرجامو، وتريفيزو، وبيلونو، وفلتري، وفريولي، وإستريا، وساحل دلماشيا، وليبانتو، وبتراس، وكورنثة. وبدت وهي آمنة في قلعتها ذات الخنادق الكثيرة كأنها بمنجاة من تصاريف الأقدار السياسية التي كانت تجري في أراضي شبه الجزيرة الإيطالية؛ وظلت ثروتها وقوتها تسموان حتى تربعت كالملكة المتوجة على رأس إيطاليا. ولقد وصفها فليب ده كومين Philippe de Comine بعد أن وصل إليها سفيراً لفرنسا في عام 1495 بقوله أنها ((أعظم مدينة ظافرة شهدتها في حياتي))(1). ووصف بيترو كاسولي Pietro Casole الذي جاءها من ميلان حوالي ذلك الوقت عينه فقال: هذه المجموعة الفذة المكونة من 117 جزيرة، و150 قناة، و400 جسر يشرف عليها كلها الطريق الكبير طريق القناة العظمى الجارية الذي وصفه الرحالة كومينيز Comines بأنه ((أجمل شوارع العالم على الإطلاق)) وأضاف أنه ((عجز عن وصف ما حوته من جمال، وفخامة وثراء)).
ترى من أين جاءت هذه الثروة التي كانت مصدر هذه الفخامة؟

لقد جاء بعضها من مائة من الصناعات - بناء السفن، والصناعات الحديدية، وصناعة الزجاج، ودبغ الجلود وصناعتها، وقطع الجواهر وتركيبها، وصناعة النسيج ... التي نظمت كلها في نقابات للحرف كبيرة عظيمة، تجمع صاحب العمل والأجير في الزمالة الوطنية. جاء بعض الثروة من هذه الناحية ولكن لعل معظمها جاء من أسطولها التجاري الذي كانت أشرعته تخفق فوق مياهها الضحلة، والذي كانت فسنه تحمل بضائع البندقية والبلاد التابعة لها في البر، والسلع الألمانية التي تأتي إليها من وراء جبال الألب، وتنقلها إلى مصر وبلاد اليونان، وبيزنطة، وآسية، ثم تعود من بلاد الشرق مثقلة بالحرير، والتوابل، والطنافس، والعقاقير الطبية؛ والأرقاء. وكانت قيمة صادراتها في السنين العادية تبلغ عشرة ملايين دوقية (250.000.000)(3)؛ ولم يكن في أوربا كلها مدينة أخرى تبلغ صادراتها هذا القدر؛ وكانت سفن البندقية ترى في مائة من المرافئ من طربزون على البحر الأسود، إلى قادس في أسبانيا، ولشبونة، ولندن، وبروج، بل وفي أسلندة نفسها(4). وكان التجارة يجتمعون من نصف الكرة الأرضية في السوق المالية مركز البندقية التجاري. وقد وضع لهذه الحركة التجارية نظام التأمين البحري، وكانت الضرائب المفروضة على الصادرات والواردات هي المصدر الرئيسي لموارد الدولة.وبلغ دخل حكومة البندقية السنوي في عام 1455 ثمانمائة ألف دوقية (20.000.000 ؟ دولار) بينما كان دخل فلورنس في ذلك العام نفسه 200.000 دوقية، ونابلي 310.000، والولايات البابوية 400.000 وأسبانيا المسيحية كلها 800.000(5).
وكانت هذه التجارة هي التي تحدد الاتجاه السياسي لجمهورية البندقية لأنها كانت أكبر موارد هذه الجمهورية؛ فقد رفعت إلى مركز السلطان أرستقراطية تجارية جعلت من نفسها طبقة وراثية وسيطرت على جميع

جهاز الدولة؛ وأوجدت عملاً نافعاً لسكان المدينة البالغ عددهم 190.000 (في عام 1422)؛ وإن كانت قد جعلتها يعتمدون على الأسواق، والخامات والأطعمة الخارجية. وكانت البندقية سجينة في متاهتها البحرية، فأصبحت لذلك عاجزة عن إطعام سكانها إلا بالطعام المستورد من الخارج؛ ولم يكن في وسعها أن تحصل على المواد اللازمة لصناعتها إلا باستيراد الخشب، والمعادن، والفلزات، والجلد، والأقمشة؛ ولا تستطيع أن تؤدي أثمانها إلا بالبحث عن أسواق لمنتجاتها وتجارتها. وإذ كانت تعتمد على أرض القارة في الحصول على الطعام، والنافذ التجارية، والمواد الخام، فقد اشتبكت في سلسلة من الحروب لفرض سيطرتها على شمالي إيطاليا؛ وإذ كانت تعتمد كذلك على غير الأراضي الإيطالية فقد كانت قوية الرغبة في أن تسيطر على الأصقاع التي تفي بحاجتها: الأسواق التي تصرف فيها بضائعها، والطرق التي تجتازها تجارتها التي لا حياة لها بغيرها؛ ومن أجل هذا جعلتها ((الأقدار المسيطرة)) دولة استعمارية.
وهكذا كان محور تاريخ البندقية السياسي هو حاجاتها الاقتصادية؛ ولهذا فإنه لما حاول آل اسكاليجيري في فيرونا أو الكراربيسي في بدوا، أو الفيسكونتي في ميلان أن يبسطوا سلطانهم على الشمالي إيطاليا الشرقي، أحست البندقية بالخطر المحدق بها، وامتشقت السلاح دفاعاً عن نفسها؛ ولما خشيت أن تسيطر فيرارا على منصب البو حاولت أن تكون صاحبة القول الفصل في اختيار المركيز الحاكم فيها في توجيه سياسته، وقاومت ما تدعيه البابوية من أن فيرارا إقطاعية تابعة لها. وكانت الخطة التي جرت عليها في التوسع نحو الغرب سبباً في إغضاب التي كانت هي الأخرى تسعى للتوسع وبسط السلطان، ولما أن هاجم فلبوماريا قيسكونتي فلورنس (1423)، استنجدت الجمهورية التسكانية بالبندقية، وأبانت لها أن سيادة ميلان على تسكانيا لن تلبث أن تستولي على جميع إيطاليا الواقعة في

شمال الولايات البابوية؛ وحدث في مجلس شيوخ البندقية نقاش طالما حدث مثله في التاريخ، فقد أخذ الدوج توماسو موتشينجو Tommaso Mocrenigo وهو يحتضر يدعو إلى السلم، وأخذ فرانتشيسكو فسكاري Francssco Foscari يدعو على شن حرب هجومية للدفاع عن المدينة؛ وكانت الغلبة لفسكاري، واشتبكت البندقية مع ميلان في سلسة من الحروب دامت من 1425 إلى 1454 ما عدا فترات من السلم قليلة. ثم كان موت فلبوماريا (1447)، والفوضى التي ضربت أطنابها في الجمهورية الأمبروازية في ميلان، واستيلاء الأتراك على القسطنطينية، فرأت الدول المتنافسة أن توقع فيما بينها معاهدة في لودي Lodi تركت جمهورية الجزرية منهوكة القوى ولكنها منتصرة.
وكان لبداية توسعها في البحر الأدرياوي سبب مشروع؛ فقد كانت هي الميناء الواقع في أقصى شمال البحر المتوسط؛ وكان هذا الموقع الجغرافي من أحسن المواقع بالنسبة للمدينة، ولكنه يصبح عديم الفائدة لها إذا لم تسيطر على البحر الأدرياوي. ذلك أن في الساحل الشرقي لهذا البحر مكامن لسفن القراصنة التي كانت غاراتها منشأ خسارة كثيرة وأخطار دائمة لمراكب البندقية؛ ولما أن أغرت البندقية الصليبيين بالرشا ليساعدوها على امتلاك زارا عام 1202، استولت بذلك على مركز استطاعت أن تطهو منه معششات للقراصنة عاماً بعد عام، وما زالت كذلك حتى قبل جميع ساحل دلماشا سيادتها. ولما استولى هؤلاء الصليبيين أنفسهم على المدينة القسطنطينية (1204) كان نصيب البندقية من مغانمهم جزيرة كريت (إقريطش) وسلانيك، وجزائر سكليديس، واسبوراديس وهي حلقات ثمينة في السلسلة الذهبية التجارية؛ ثم استولت بصبرها ومثابرتها على دورتسو Dorazzo، وساحل ألبانيا، وجزائر أيونيا (1386 - 1392)، وفريولي وإستريا (1418 - 1420)، ورافنا (1441)؛ فأضحت بذلك ملكة البحر الأدرياوي وبلا منازع، وفرضت رسوم المرور على جميع السفن التي تمر بهذا البحر والتي

تملكها غيرها من المدن(6)؛ ولما صعب على القسطنطينية أن تدافع عن أملاكها النائية بسبب تقدم الأتراك العثمانيين نحو هذه العاصمة، خضعت كثير من الجزائر والمدن اليونانية طائعة إلى البندقية لأنها وجدت فيها القوة الوحيدة التي تستطيع حمايتها. وكانت لقبرص ملكة عظيمة تدعى كاترينا كرنارو Caterina Coenaro آخر أسرة لوزينيا Lusigna الحاكمة، واقتنعت هذه الملكة بأنها لا تستطيع الدفاع عن جزيرتها ضد الأتراك؛ فنزلت عن عرشها لحاكم من قبل البندقية (1489)، نظير معاش منها قدره ثمانية آلاف دوقية في العام؛ وأوت إلى ضيعة في أوسولو Osolo القريبة من تريفيزو، وأنشأت فيها بلاطاً غير رسمي، وأخذت تناصر الآداب والفنون، وأصبحت موضوع قصائد ومسرحيات غنائية تتحدث عنها أو تهدي إليها، وصور برسمها لها بليني؛ وتيشيان وفيرونيز غير المؤمنين.
ووجهت هذه الانتصارات كلها التي حققتها البندقية بالحرب تارة وبالدبلوماسية تارة أخرى؛ وهذه المنافذ، والموارد، والمعاقل التي استولت عليها تجارة البندقية، واجهت هذه كلها قوة الأتراك العثمانيين الناشئة الجارفة، وقد حدث في عام 1416 أن هاجمت حامية تركية في غاليبولي أسطولاً تملكه البندقية، وحارب البنادقة بشجاعتهم المعهودة، وانتصروا على الأتراك نصراً حاسماً، وعاشت الدولتان المتنافستان جيلاً من الزمان متهادنتين، وعقدت بينهما صداقة تجارية ارتاعت لها أوربا التي كانت تريد من البندقية أن تشترك في معركة أوربا ضد الأتراك. ولم يفصم شيء من الأحداث عرى هذا الاتفاق حتى سقوط القسطنطينية نفسه، فقد عقدت البندقية معاهدة تجارية سمحة مع الأتراك المنتصرين، وتبادلت المجاملات مع الغزاة الفاتحين. غبر أن وصول البنادقة إلى تجارة ثغور البحر الأسود المربحة أصبح من ذلك الوقت يعتمد على إذن الأتراك، وسرعان ما للقوا في سبيل ذلك كثيراً من القيود التي ضايقتهم مضايقة شديدة. ولما أن أعلن البابا بيوس Pius الثاني حرباً دينية على الأتراك معبراً عن عواطفه المسيحية ومصالح أوربا التجارية وعاهدته

الدول الأوربية على أن تمده بالعتاد والرجال، استجابت البندقية إلى دعوته وكانت تأمل أن تتكرر الأحداث التي وقعت في عام 1204. ولكن الدول نكثت عهودها، وألفت البندقية نفسها منفردة في حربها ضد الأتراك (1463)، وظلت تواصل الحرب ستة عشر عاماً، وانتهت بهزيمتها وانتهابها، ثم وقعت معاهدة تخلت بمقتضاها لهم جزيرة نجروينت Negroponte (عويبة (Eubcea)) وشفودره، وشبه جزيرة المورة، ودفعت غرامة حربية مقدارها 100.000 دوقية، وتعهدت بأداء عشرة آلاف دوقية في كل عام نظير تمتعها بالاتجار مع الثغور التركية. وأعلنت أوربا أنها قد خانت بعملها هذا العالم المسيحي، ولما أن دعا بابا آخر إلى حرب صليبية ضد الأتراك أعارت البندقية هذه الدعوة أذناً صماء، وكانت بذلك متفقة مع أوربا على أن التجارة أعظم شأناً من المسيحية.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق