1171
قصة الحضارة ( ول ديورانت )
قصة الحضارة -> الإصلاح الديني -> من ويكلف إلى لوثر -> إنجلترا ويكلف وتشوسر -> المد العثماني -> السنوات الأخيرة للقس
3- السنوات الأخيرة للقسطنطينية
1373 - 1453
لم تكن هناك حكومة جديرة تماماً بالسقوط كالحكومة البيزنطية.فلم ترسل فرقاً من الجنود إلى الجيوش المسيحية في مارتزا وقوصوه أونيكوبوليس لأنها فقدت الرغبة في الدفاع عن نفسها وعجزت عن إقناع اليونان الممعنين في السفسطة بأن الاستشهاد في سبيل الوطن عمل مجيد ونبيل، فقد جهزت اثني عشر ألف جندي للسلطان عام 1379 والفرق البيزنطية هي التي أجبرت بأمر جون السابع باليولوجس مدينة فيلادلفيا البيزنطية بآسيا الصغرى على التسليم للأتراك (1390).
ولما واصل بايزيد حصار القسطنطينيين (1402) كانت الإمبراطورية البيزنطية قد انحسرت في عاصمتها. وسيطر بايزيد على شاطئ بحر مرمرة وتحكم في الدردنيل وحكم معظم آسيا الصغرى والبلقان تقريباً وتنقل في أمن بين عواصمه الأسيوية والأوربية. ويبدو أن الساعة الأخيرة للمدينة المحاصرة قد حانت. وكان اليونان المشرفون على الموت جوعاً يلقون بأنفسهم من الأسوار، ويلجئون إلى الأتراك لكي يطعموا. وفجأة ظهر من الشرق الإسلامي مخلص ((كافر)) للحدود الأمامية للعالم المسيحي. وهو تيمور الأعرج - تيمورلنك الكبير - الذي عزم على أن يضع حداً لنمو القوة العثمانية ووجودها. ولما أخذت حشود التتار تطوي الأرض متجهة إلى الغرب رفع بايزيد الحصار عن القسطنطينية وعاد ليعيد جمع قواته في الأناضول. والتقى التتار والأتراك في أنقرة (1402) فهزم
بايزيد ووقع أسيراً وانحسر المد التركي فترة جيل. وبدأ أن الله قد ناصر آخر الأمر المسيحيين.
واستعادت بيزنطية بفضل حكم عمانويل الثاني السديد، معظم اليونان وأجزاء من تراقية. ولكن محمد الأول أعاد تنظيم الجيش التركي وتحول به مراد الثاني من الهزيمة المنكرة إلى انتصارات باهرة. وكان جنود الإسلام لا يزالون، يستلهمون من اعتقادهم بأن الشهيد في سبيل الإسلام له الجنة. وحتى ولو لم تكن هناك جنة وحور عين، فإن فيهم من الإنصاف ما يجعلهم يرون الجمال في بنات يونان . أما المسيحيون فلم يكونوا على هذا القدر من الأنصاف، فإن اليونان الكاثوليك كانوا يمقتون الرومان الكاثوليك، وكان الفريقان مكروهين بدورهما.ولما أخذ البنادقة يقنصون اليونان الكاثوليك في جزيرة كريت ويعملون السيف في رقابهم انضم البابا أربان الخامس إلى بترارك في تهنئة أمير البندقية على حمايته للكنيسة الواحدة الصادقة (1350) ولقد نفر الشعب وصغار القساوسة من كل محاولة لإعادة توحيد المسيحية اليونانية واللاتينية - وصرح أمير بيزنطي بأنه يفضل أن يرى العمامة التركي في القسطنطينية على القبعة الحمراء لكاردينال روماني. وكرهت معظم الحكومات البلقانية جيرانها أكثر من كراهيتها للأتراك، وآثر البعض أن يخضع للمسلمين، الذين لا يفرضون ضرائب أكثر مما يفرضه الحكام المسيحيون واضطهادهم للهرطقة أقل أو هم لا يضطهدونها على الإطلاق ويسمحون بأربع زيجات.
وفي عام 1422 أعاد مراد الثاني الهجوم على القسطنطينية. وأرغمته ثورة في الولايات البلقانية على رفع الحصار. وسمح لجون الثامن باليولوجس أن يحكم في سلام نسبي بشرط أن يدفع جزية باهظة للأتراك. وأعاد مراد فتح اليونان وسالونيك ومعظم ألبانيا. وقاومت الصرب ببساطة تحت إمرة
جورج برانكوفتش، وألحق جيش موحد من الصرب والهنغاريين إمرة هانياد جانوس الهزيمة بمراد عند كونوفتزا (1444) وحكم بارنكوفتش الصرب إلى أن مات بالغاً من العمر تسعين سنة (1456) ووقع مراد، بعد انتصارين من فارنا ووقعة قوصوه الثانية (1448)، صلحاً مع الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر باليولوجس وانسحب إلى أدرنة ومات هناك (1451).
ولقد جلس محمد الثاني الملقي بالفاتح على العرش العثماني وهو في الواحدة والعشرين من عمره. وأيد المعاهدة التي أبرمت مع قسطنطين وأرسل ابن أخيه أورخان ليتعلم (وربما ليكون جاسوساً) في البلاط البيزنطي ولما تحدت دول إسلامية أخرى سلطانه على آسيا الغربية جعل جنود يعبرون المضايق وترك ممتلكاته الأوربية تحت إمرة وزيره خليل باشا المعروف بصداقته لبيزنطة. وكان قسطنطين يتحلى بالشجاعة يتحلى بالشجاعة أكثر من الذكاء، فأبلغ الوزير أنه إذا لم يضاعف المعاش الذي يدفع لرعاية ابن أخي محمد فإن بيزنطة ستجعل أورخان مطالباً بالسلطنة العثمانية. ويبدو أن قسطنطين قد رأى أن الثورة في آسيا فرصة لإضعاف الأتراك في أوربا. ولكنه أهمل أن يحافظ على محالفاته في الغرب ومواصلاته بالجنوب. وعقد محمد الصلح مع أعدائه من المسلمين ومع البندقية وولاشيا والبوسنة وهنغاريا. وعبر ثانية إلى أوربا وشيد حصناً منيعاً على البوسفور مشرفاً على القسطنطينية، ومن ثم أمن المعبر المكشوف الذي تحوزه جنوده بين القارتين، وتحكم في التجارة كلها التي تدخل البحر الأسود. وظل ثمانية أشهر يجمع المواد والرجال. واستأجر صناع المدافع المسيحيين، ليصنعوا له أكبر مدفع عرف لذلك العهد، يرمى بقذائف وزنها ستمائة رطل، وفي يونية عام 1452، أعلن الحرب، وبدأ الحصار الأخير للقسطنطينية ومعه مائة وأربعون ألف رجل.
ودافع قسطنطين بعزم اليائس وجهز جنوده السبعة آلاف بمدافع صغيرة ورماح وقسى وسهام وبنادق ساذجة ترمي قذائف من الرصاص في
حجم الجوزة، وكان لا ينام إلا لحظات خاطفة، وأشرف كل ليلة على إصلاح ما يصيب الأسوار من عطب في غضون النهار. ومع ذلك فإن الحصون القديمة أخذت تنهار أكثر فأكثر تحت وطأة قذائف المنجنيق ومدفعية الأتراك المتفوقة، وهكذا انتهى تحصين المدن في القرون الوسطى بالأسوار. وفي التاسع والعشرين من مايو شق الأتراك طريقهم عبر خندق مكتظ بجثث قتلاهم. ودخلوا كالموج المتلاطم من فوق الأسوار ومخترقين إياها إلى المدينة التي أخذها من كل جانب، وضاعت حشرجة المحتضرين في طبول الموسيقى العسكرية وأبواقها. وحارب اليونان بشجاعة آخر الأمر، وكان الإمبراطور الصغير في كل مكان من حومة الوغى، واستشهد النبلاء الذين كانوا معه عن بكرة أبيهم دفاعاً عنه. ولما أحاط به الأتراك صاح قائلا: ((ألا يوجد مسيحي يضرب عنقي)). وخلع عن نفسه رداءه الإمبراطوري وحارب كجندي عادي واختفى في طريق جيشه الصغير، ولم يسمع عنه شيء قط بعد ذلك.
وقتل المنتصرون الألوف، حتى توقفت كل محاولة للدفاع. ثم بدءوا النهب والسلب الذي يجنح إليه الظافرون والذي طال تعطشهم إليه، وأخذ كل بالغ ينتفع به في العمل غنيمة، واغتصبت الراهبات كغيرهن من النسوة في ثورة من الشهوة لا تعرف التمييز، ووجد السادة والخدم من المسيحيين بعد أن زال عنهم الكساء الذي يدل على مكانتهم، أنفسهم متساوين فجأة في العبودية التي لا تمييز فيها وكبح جماح النهب والسلب هوناً ما، فعندما رأى محمد الثاني رجلاً مسلحاً تدفعه عاطفته الدينية يتلف الممر الرخامي لكنيسة القديسة صوفيا، ضربه بسيفه الملكي الأحدب، وأعلن أن كل المباني يجب أن تصان لتكون غنيمة ينظمها السلطان. وحولت كنيسة القديسة صوفيا إلى مسجد بعد التطهير المناسب فأزيلت عنها كل الإمارات المسيحية، وطليت فسيفساؤها بالبياض ونسي ما كان عليها خمسمائة سنة، وصعد مؤذن في نفس اليوم الذي
سقطت المدينة فيه أو في يوم الجمعة التالي له إلى أعلى برج من أبراج أيا صوفيا ودعا المسلمين للصلاة فيها جماعة لله الناصر؛ وأدى محمد الثاني فريضة الصلاة في أشهر مزار في العالم المسيحي.
وهز الاستيلاء على القسطنطينية كل عرش في أوربا. فقد سقط الحصن الذي طالما حمى أوربا من آسيا أكثر من ألف سنة، فإن القوة والعقيدة الإسلاميتين اللتين أمل الصليبيون فر ردهما إلى داخل آسيا، قد شقتا الآن طريقهما على جثة بيزنطة، وعبرتا البلقان إلى أبواب هنغاريا؛ ورأت البابوية، التي حلمت بإخضاع جميع المسيحيين اليونان لحكم روما، بفزع سرعة تحول الملايين من سكان جنوب شرقي أوربا إلى الإسلام. وأصبحت طرق التجارة التي كانت مفتوحة في يوم من الأيام للسفن الغربية في يد أجنبية، تفرض عليها المكوس في وقت السلم أو تسدها المدافع في وقت الحرب، وهجر الفن البيزنطي موطنه ولجأ إلى روسيا. بينما اختفى تأثيره في الغرب بالقضاء على عزمه. وأخذت هجرة العلماء إلى إيطاليا وفرنسا، التي كانت قد بدأت عام 1397، تزداد وتثمر في إيطاليا الدعوة إلى إنقاذ اليونان القديمة. وإذا أخذنا بوجه من الوجوه فإنه لم يضع شيء، إلا أن الموتى قد ماتوا. فقد أتمت بيزنطة دورها، وأسلمت مكانها، في موكب الإنسانية الذي يتألف من البطولة والقتل ومن النبل والخسة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق