236
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
المجلد الثانى
المقدّمة الثانية
في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم .
وأما العرب البايدة من بني أرفخشذ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ، فهم جرهم وحضورا وحضرموت والسلف. فأما حضورا فكانت ديارهم بالرس، وكانوا أهل كفر وعبادة أوثان، وبعث إليهم نبي منهم اسمه شعيب بن ذي مهرع فكذبوه وهلكوا كما هلك غيرهم من الأمم. وأما جرهم فكانت ديارهم باليمن، وكانوا يتكلمون بالعبرانية، وقال البيهقي: أنّ يعرب بن قحطان لما غلب عاداً على اليمن، وملكه من أيديهم ولى إخوته على الأقاليم، وولي جرهم على الحجاز، وولي بلاد عادٍ الأولى، وهي الشحر، عاد بن قحطان فعرفت به، وولي عمان يقطن بن قحطان. انتهى كلام البيهقي، وقيل إنما نزلت جرهم الحجاز، ثم بني قطور بن كركر بن عملاق لقحط أصاب اليمن، فلم يزالوا بمكة إلى أنّ كان شان إسماعيل عليه السلام ونبوته، فآمنوا به وقاموا بأمره، وورثوا ولاية البيت عنه، حتى غلبتهم عليه خزاعة وكنانة فخرجت جرهم من مكة، ورجعوا إلى ديارهم باليمن إلى أنّ هلكوا.
وأما حضرموت فمعدودون في العرب العاربة لقرب أزمانهم وليسوا من العرب البايدة لأنهم باقون في الأجيال المتأخرة، إلا أنّ يقال: أنّ جمهورهم قد ذهب من بعد عصورهم الأولى واندرجوا في كندة ،وصاروا من عدادهم، فهم بهذا الاعتبار قد هلكوا وبادوا والله أعلم. وقال علي بن عبد العزيز: أنه كانه فيهم ملوك التبابعة في علو الصيت ونهاية الذكر. قال وذكر جماعة من العلماء أنّ أول من انبسط ملكه منهم، وارتفع ذكره عمرو الأشنب بن ربيعة بن يرام بن حضرموت. ثم خلفه ابنه نمر الأزج، فملك مائة سنة وقاتل العمالقة، ثم ملك كريب ذو كراب، ثم نمر الأزج مائة وثلاثا وثلاثين سنة، وهلك إخوته في ملكه. ثم ملك مرثد ذو مروان بن كريب مائة وأربعين سنة، وكان يسكن مأرب ثم تحول إلى حضرموت،
ثم ملك علقمة ذو قيعان بن مرثد ذي مروان بحضرموت ثلاثين سنة، ثم ملك ذوعيل بن ذي قيعان عشر سنين، وسكن صنعاء وغزا الصين، فقتل ملكها وأخذ سيفه ذا النور، ثم ملك ذوعيل بن ذي عيل بحضرموت عشر سنين، ولما شخص سنان ذو ألم لغزو الصين تحول ذوعيل إلى صنعاء واشتدت وطأته، وكان أول من غزا الروم من ملوك اليمن، وأول من أدخل الحرير والديباج إلى اليمن. ثم ملك بدعات بن ذي عيل بحضرموت أربع
سنين. ثم ملك بدعيل بن بدعات وبنى حصونا وخلف آثارا، ثم ملك بديع ذو عيل، ثم ملك حماد بن بدعيل بحضرموت، فأنشأ حصنه المعقرب، وغزا فارس في عهد سابور ذي الأكتاف، وخرب وسبى، ودام ملكه ثمانين سنة. وكان أول من اتخذ الحجاب من ملوكهم. ثم ملك يشرح ذو الملك بن ودب بن ذي حماد بن عاد من بلاد حضرموت مائة سنة، وكان أول من رتب الرواتب، وأقام الحرس والروابط. ثم ملك منعم بن ذي الملك دثار بن خذيمة بن منعم، ثم يشرح بن جذيمة بن منعم، ثم نمر بن بشرح ،ثم ساجن المسمى ابن نمر وفي أيامه تغلبت الحبشة على اليمن.
هذه قبائل هذا الجيل من العرب العاربة وما كانوا عليه من الكثرة والملك، إلى أنّ انقرضوا وأزال الله من أمرهم بالقحطانية كما نحن ذاكروه. ولم نغفل منهم إلا من لم يصلنا ذكره من خيره، والله وارث الأرض ومن عليها. وأما جرهم فقال ابن سعيد: إنهم
أمتان أمة على عهد عاد وأمة من ولد جرهم بن قحطان، ولما ملك يعرب بن قحطان اليمن ملك أخوه جرهم الحجاز. ثم ملك من بعده ابنه عبد يا ليل، ثم بعده ابنه عبد المدان بن جرهم، ثم ابنه نفيلة بن عبد المدان، ثم ابنه عبد المسيح بن نفيلة، ثم ابنه مضاض بن عبد المسيح، ثم ابنه الحرس. ثم ملك من بعده جرهم بن عبد ياليل، ثم بعده ابنه عمرو بن الحرث، ثم أخوه بشير بن الحرث، ثم مضاض بن عمرو بن مضاض. قال وهذه الأمة الثانية هم الذين بعث إليهم إسماعيل عليه السلام وتزوج فيهم، انتهى.
وأما بنو سبا بن يقطن فلم يبيدوا، وكان لهم بعد تلك الأجيال البائدة أجيال باليمن منهم حِمْيَر وكهلان وملوك التابعة وهم أهل الطبقة الثانية. وفي مسند الإمام أحمد: أنّ رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل هو فروة بن مسيك المرادي عن سبا أرجل هو أو امرأة أم أرض؟ فقال بل رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة. فأمّا اليمانيون فمذ حج وكندة والأزد والأشعر وأنمار وحمير. وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان. وثبت أنّ أباهم قحطان كان يتكلم بالعربية، ولقنها عن الأجيال قبله، فكانت لغة بنيه. ولذلك سموا العرب المستعربة، ولم يكن في آباء قحطان من لدن نوح عليه السلام إليه من يتكلم بالعربية، وكذلك كان أخوه فالغ ،وبنوه إنما يتكلمون بالعجمية، إلى أنّ جاء إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما، فتعلم العربية من جرهم فكانت لغة بنيه، وهم أهل الطبقة الثالثة المسمون بالعرب التابعة للعرب. فلنذكر هذا النسب لينتظم أجياله مع الأجيال السابقة واللاحقة، ونستوفي أنساب الأمم منها.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق