إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 11 ديسمبر 2014

237 تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون ) المجلد الثانى المقدّمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم . الخبر عن إبراهيم


237

تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )

المجلد الثانى

المقدّمة الثانية

في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم .

الخبر عن إبراهيم

أبي الأنبياء عليهم السلام ونسبه إلي فالغ بن عابر

وذكر أولاده صلوات ا لله عليهم وأحوالهم

ولنذكر الآن أهل هذا النسب ما بين إسماعيل ونوح عليهما السلام، ومن كان منهم، أو من إخوانهم أو أبنائهم من الأنبياء والشعوب والملوك، وما كان لإسماعيل صلوات الله عليه من الولد. ونختم هذه الطبقة الأولى بذكرهم ،وإن كانوا عجما في لغاتهم، إلا أنهم أصون الخليقة في أنسابهم، وكل البشر على بعض الآراء من أعقابهم، وهم مع ذلك معاصرون لهذه الطبقة، فيتسق الكلام فيهم على شرط كتابنا، ويتميز بذكر أخبارأحوال الطبقات التي بعدهم على الوفاء والكمال. فنبدأ أولا بذكر عمود هذا النسب على التوالي، ثم نرجع إلى أخبارهم.  وإسماعيل صلوات الله عليه هو ابن إبراهيم بن آزر، وهو تارح وآزر اسم لصنمه لقب به ابن ناحور بن ساروخ بالخاء أو بالغين ابن عابر أو عنبر بن شالح أو شليخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وهذه الأسماء الأعجمية كلها منقولة من التوراة ولغتها عبرانية، ومخارج حروفها في الغالب مغايرة لمخارج الحروف العربية. وقد يجيء الحرف منها بين



 حرفين من العربية فترده العرب إلى أحد ذينك الحرفين، وفي مخرجه فيتغير عن أصله، ولذلك تكون فيها إمالة متسوطة أو محضة فيصير إلى حرف العلة التي بعده من ياء أو واو، فلذلك تنقل الكلمة منها على اختلاف. وإلا فشأن الأعلام أنّ لا تختلف. وقال الطبري: أنّ بين شالخ وأرفخشد أبا آخر اسمه قينن، وسقط ذكره من التوراة لأنه كان ساحرا وادعى الألوهية.وقال ابن حزم: في كتب النصارى أنّ بين فالغ وعابر أبا آخر اسمه ملكيصدق وهو  أبو فالغ.

واعلم أنّ نوحا صلوات الله عليه بلغ عمره يوم الطوفان ستمائة سنة، عاش بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة، فكانت جملة ذلك تسعمائة وخمسين سنة. ألف سنة إلا خمسين. وهذا نص المصحف الكريم، وكذا وقع في التوراة بعينه. ومن الغريب الواقع في التوراة أنّ عمر إبراهيم كان يوم وفاة نوح ثلاثا وخمسون سنة، لأنه قال أنّ أرفخشد ولد لسام بعد سنتين من الطوفان، ولما بلغ خمسا وثلاثين سنة ولد له ابنه شالخ، وبعد ثلاثين سنة ولد ابنه عابر؛ وبلغ عابر أربعا وثلاثين سنة، فولد ابنه فالغ، وبلغ فالغ ثلاثين سنة، فولد له أرغو، وبلغ أرغو اثنتين وثلاثين سنة فولد شاروغ، وبلغ شاروغ ثلاثين سنة فولد ناحور، وبلغ ناحور تسعا وعشرين سنة فولد تارح، وبلغ تارح خمسا وسبعين سنة فولد إبراهيم. وجملة هذه السنين من الطوفان إلى ولادة إبراهيم مائتان وسبع وتسعون سنة. وعمر نوح بعد الطوفان ثلثمائة وخمسون سنة، فيكون إبراهيم بعد وفاة نوح ابن ثلاث وخمسين سنة، فيكون لقي نوحا صلوات الله عليهما، وخالطه وأخذ عنه، وهو على رأي بعضهم أب لجميع الشعوب من بعده، فلذلك كان الأب الثالث للخليقة من بعد آدم ونوح صلوات الله عليهم أجمعين أ هـ .

 وفي كتاب البدء ونقله ابن سعيد: أنّ أول من ملك الأرض من ولد نوح كنعان بن كوش بن حام، فسار من أرض كنعان بالشام إلى أرض بابل، فبنى مدينة بابل إثني عشر فرسخا في مثلها، وورث ملكه ابنه النمرود بن كنعان، وعظم سلطانه في الأرض، وطال عمره وغلب على أكثر المعمور، وأخذ بدين الصابئة وخالفه الكلدانيون منهم في التوحيد وأسمائه، ومال معهم بنو سام، وكان سام قد نزل بشرقي الدجلة، وكان وصيُّ أبيه في الدين والتوحيد، وورث ذلك ابنه أرفخشذ، ومعنى أرفخشذ مصباح مضيء ، فاشتغل بالعبادة ودعاه الكلدانيون إلى القيام بالتوحيد



 فامتنع. ثم قام من بعده ابنه شالخ وعاش طويلا، وقام من بعده بأمره ابنه عابر كذلك، وخرج مع الكلدانيين على النمرود منكراً لعبادة الهياكل، فغلبه نمروذ وأخرجه من كوثا، فلحق هو ومن معه من الحلفاء بالجزيرة، وهي مدينة المجدل بين الفرات ودجلة. وعابر هذا هو أبو العبرانيين الذين تكلموا بالعبرانية، واستفحل ملكه بالمجدل. قال ابن سعيد وورث من بعده ابنه فالغ، وهو الذي قسم الأرض بين ولد نوح. وفي زمانه بنى النمروذ الصرح ببابل، وكان من أمره ما نصه القرآن، وقام بأمر فالغ من بعد ابنه ملكان فيما زعموا وغلبه الجرامقة والنبط على ملكه، وقام بالمجدل في ملكهم إلى أنّ هلك وخلف ابنه أتيا ويقال له الخضر وأما ارغو بن فالغ فعبر إلى كلواذا، ودخل في دين النبط، وهي بدعة الصابئة. وولد له منهم ابنه شاروخ. ثم بعده ناحور بن شاروخ، ثم بعده تارح بن ناحور الذي سمي آزر، واستخلص النمروذ آزر وقدمه على بيت الأصنام، والنمروذ من ملوك الجرامقة واسمه هاصد بن كوش. انتهى كلام ابن سعيد.

وولد لتارح وهو آزر على ما وقع في التوراة ثلاثة من الولد إبراهيم وناحور وهاران، ومات هاران في حياة أبيه تارح وترك ابنه لوطا فهو ابن أخي إبراهيم. قال الطبري: ولد إبراهيم الخليل قيل بناحية كوثا من السواد وهو قول ابن إسحق، وقيل بحران وقيل ببابل، وعامة السلف أنه ولد على عهد نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام. وكان الكهان يتحدثون بولادة رجل يخالف الدين ويكسر الأصنام والأوثان، فأمر بذبح الولدان فولدته أمه وتركته بمغارة في فلاة من الأرض حتى كبر وشب، ورأى في الكواكب ما رآه وكملت نبوته، فأحضرته إلى أبيه ودعاه إلى التوحيد، فامتنع وكسر إبراهيم الأصنام واحضر عند نمروذ وقذفه في النار فصارت بردا وسلاما، وخرج منها ولم تعد عليه كما نص ذلك القرآن.ثم تدبر النمروذ في أمره وطلب من إبراهيم أنّ يقرب قربانا يفتدي مما دعاه إليه، فقال له إبراهيم: لن يقبل منك إلا الإيمان، فقال: لا استطيع. وترك إبراهيم وشانه. ثم أمر الله إبراهيم بالخروج من أرض الكلدانيين ببابل، فخرج به أبوه تارح ومعهما على ما في التوراة ابنه ناحور بن تارح وزوجته ملكا بنت أخيه هاران، وحافده لوط بن



 هاران، قال في التوراة وكنته سارة يعني زوج إبراهيم، فقيل إنها أخت ملكا بنت هاران بن تارح، وقيل بنت ملك حران، طعنت على قومها في الدين فتزوجها إبراهيم على أنّ لا يضرها، ويرد هذا ما في التوراة أنها خرجت معهم من أرض الكلدانيين إلى حران فتزوجها. وقيل: إنها بنت هاران بن ناحور. وهاران عم إبراهيم قاله السهيلي، فأقاموا بحران ومات بها أبوه تارح وعمره مائتا سنة وخمس سنين. ثم أمر بالخروج إلى أرض الكنعانيين ووعده الله بأن تكون أثرا لبنيه، وأنهم يكثرون مثل حصى الأرض.فنزل بمكان بيت المقدس وهو ابن خمس وسبعين سنة، ثم أصاب بلد الكنعانيين مجاعة، فخرج إبراهيم في أهل بيته وقدم مصر، ووصف لفرعون ملك القبط جمال امرأته سارة فأحضرها عنده، ولما هم بها يبست يده على صدره، فطلب منها الإقالة فدعت له الله فانطلقت يده. ويقال عاود ذلك ثلاثا يصاب في كلها وتدعو له فردها إلى إبراهيم واستخدمها هاجر.قال الطبري والملك الذي أراد سارة هو سنان بن علوان، وهو أخو الضحاك. والظاهر أنه من ملوك القبط.

ثم ساروا إلى أرض كنعان بالشام. ويقال: أنّ هاجر أهدها ملك الأردن لسارة   وكان إسمه فيما قال الضبي صلاوق، وأنه انتزع سارة من إبراهيم، ولما هم بها صُرع مكانه، وسألها في الدعاء فدعت له، فأفاق فردها إلى إبراهيم وأخدمها هاجر أمة كانت لبعض ملوك القبط. ولما عاد إبراهيم إلى أرض كنعان نزل جيرون وهو مدفنه المسمى بالخليل؛ وكانت معظمة تعظمها الصابئة وتسكب عليها الزيت للقربان، وتزعم أنها هيكل المشتري والزهرة، فسماها العبرانيون إيليا ومعناه بيت الله.

 ثم أنّ لوطا فارق إبراهيم عليه السلام لكثرة مواشيهما وتابعهما وضيق المرعى. فنزل المؤتفكة بناحية فلسطين وهي بلاد العدور المعروف بعدور صقر؛ وكانت هناك على ما



 نقله المحققون خمس قرى سدوم. ووجدهم على ارتكاب الفواحش فدعاهم إلى الدين، ونهاهم عن المخالفة، فكذبوه وعتوا وأقام فيهم داعيا إلى الله إلى أنّ هلكوا كما قصه القرآن.وخرج لوط مع عساكر كنعان وفلسطين للقاء ملوك الشرق حين زحفوا إلى أرض الشام، وكانوا أربعة ملوك ملك الأهواز من بني غليم بن سام واسمه كرزلا عامر، وملك بابل واسمه في التوراة شنعا واسمه أمراقيل، ويقال هو نمروذ، وملك الأستار وما أدري معنى هذه اللفظة واسمه أريوح ، وملك كوتم ومعناه ملك أمم أو جماعة واسمه تزعال. وكان ملوك كنعان الذين خرجوا إليهم خمسة على عدد القرى الخمسة. وذلك أنّ ملك الأهواز كان استعبدهم اثنتي عشرة سنة ثم عصوا، فزحف إليهم واستجاش بالملوك المذكورين معه، فأصابوا من أهل جبال يسعين إلى فاران التي في البرية، وكان بها يومئذ الجويون من شعوب كنعان أيضا.وخرج ملك سدوم وأصحابه لمدافعتهم، فانهزم هو والملوك الذين معه من أهل سدوم، وسباهم ملك الأهواز ومن معه من الملوك، وأسروا لوطا وسبوا أهله، وغنموا ماشيته. وبلغ الخبر إبراهيم عليه السلام فاّتبعهم في ولده ومواليه نحواً من ثلثمائة وثمانية عشر، ولحقهم بظاهر دمشق فدهمهم فانفضوا وخلص لوطا في تلك الوقعة، وجاء بأهله ومواشيه، وتلقاهم ملك سدوم، واستعظم فعلتهم.

ثم أوحى الله إلى إبراهيم أنّ هذه الأرض: أرض الكنعانيين التي أنت بها، ملكتها لك ولذريتك وأكثرهم مثل حصى الأرض وأن ذريتك يسكنون في أرض ليست لهم أربعمائة سنة، ويرجع الحقب الرابع إلى هنا. ثم أنّ سارة وهبت مملوكتها هاجر القبطية لإبراهيم عليه السلام لعشر سنين من مجيئهم من مصر. وقالت لعل الله يرزقك منها ولداً، وكان إبراهيم قد سأل الله أنّ يهب له ولدا، فوعده به. وكانت سارة قد كبرت وعقمت عن الولد، فولدت هاجر لإبراهيم إسماعيل عليهما السلام لست وثمانين من عمره. وأوحى الله إليه أني قد باركت عليه وكثرته، ويولد له اثنا عشر ولدا ويكون رئيساً لشعب عظيم. وأدركت سارة الغيرة من هاجر وطلبت منه إخراجها، وأمره الله أنّ يطيع سارة في أمرها، فهاجر بها إلى مكة ووضعها وابنها بمكان زمزم عند دوحة هنالك وانطلق. فقالت له هاجر: اّلله أمرك؟ قال: نعم، فقالت: إذا لا يضيعنا. وانطلق إبراهيم، وعطش إسماعيل بعد ذلك عطشا شديداً وأقامت هاجر تتردّد بين الصفا والمروة إلى أنّ صعدت عليها



 سبع مرات لعلها تجد شيئاً ؛ ثم أتته وهو يفحص برجليه فنبعت زمزم.

وعن السدي: أنه تركه في مكان الحجر، واتخذ فيه عريشاً وأن جبريل هو الذي همز له الماء بعقبه، وأخبر هاجر أنها عين يشرب بها ضيفان الله، وأن أبا هذا الغلام سيجيء ويبنيان بيتا لله هذا مكانه. ثم مرت رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم أقبلوا من كداء، ونزلوا أسفل مكة، فرأوا الطير حائمة فقالوا: لا نعلم بهذا الوادي ماء، ثم أشرفوا فرأوا المرأة ونزلوا معها هنالك.

 وعن ابن عباس: كانت احياؤها قريبا من ذلك المكان، فلما رأوا الطير تحوم عليه، أقبلوا إليه فوجدوهما فنزلوا معهما، حتى كان بها أهل أبيات منهم، وشب إسماعيل بينهم وتعلم اللغة العربية منهم، وأعجبهم وزوجوه امرأة منهم. وماتت أمه هاجر فدفنها في الحجر. ولما رجع إبراهيم وأقام في أهله بالشام، وبالغ أهل المؤتفكة في العصيان والفاحشة، ودعاهم لوط فكذبوه، وأقام على ذلك. قال الطبري: فأرسل الله رسولا من الملائكة لإهلاكهم، ومروا بإبراهيم فأضافهم وخدمهم، وكان من ضحك سارة وبشارة الملائكة لها باسحق وابنه يعقوب ما قضه القرآن. وكانت البشارة بإسحق وإبراهيم ابن مائة سنة، وسارة بنت تسعين. وفي التوراة أنه أمر أنّ يحرر ولده إسماعيل لثلاث عشرة سنة من عمره. ولكل من في بيته من الأحرار، فكان ذلك لتسع وتسعين من عمر إبراهيم. وقال له ذلك عهد بيني وبينك وذريتك .ثم أهلك الله المؤتفكة ونجى لوطاً إلى أرض الشام، فكان بها مع عمه إبراهيم صلوات الله عليهما. وولدت سارة إسحق وأمر الله إبراهيم بعد ولادة إسماعيل وإسحق ببناء بيت يعبد فيه ويذكر، ولم يعرف مكانه، فجعل له علامة تسير معه حتى وقفت به على الوضع، يقال إنها ريح لينة لها رأسان تسير معه حتى تكون بالموضع، ويقال بل بعث معه جبريل لذلك حتى أراه الموضع. وكان إبراهيم يعتاد إسماعيل لزيارته، ويقال أنه كان يستأذن سارة في ذلك وأنها شرطت عليه أنّ لا يقيم عندهم، وأنّ إبراهيم وجد امرأة لإسماعيل في غيبة منه. وكانت من العماليق، وهى عمارة بنت سعيد بن أسامة بن أكيل. فرآها فظة غليظة، فأوصاها لإسماعيل بأن يحوّل عتبة بابه، فلما قصت عليه الخبر والوصيّة، قال: ذاك أبي يأمرني أنّ اطلقك، فطلقها وتزوّج بعدها السيدة بنت مضّاض بن عمرو الجُرهمي، وخالفه إبراهيم إلى بيته، فتسهلت له بالإذن وأحسنت التحية، وقرّبت الوضوء والطعام. فأوصاها لإسماعيل نجاني قد رضيت



عتبة بابك. ولما قصت عليه الوصية، قال: ذلك أبي يأمرني بإمساكك، فأمسكها. ثم جاء إبراهيم مرة ثالثة وقد أمره الله ببناء البيت، وأمر إسماعيل باعانته، فرفعوها من القواعد، وتمّ بناؤها وأذن في الناس بالحج.

       ثم زوج لوط ابنته من مدين بن إبراهيم عليهما السلام، وجعل الله في نسلها البركة. فكان منهم أهل مدين الأمة المعروفة.

ثم ابتلى الله إبراهيم بذبح ابنه في رؤيا رآها وهي وَحْي، وكانت الفدية ونجّى الله ذلك الولد، كما قُصَّ في القرآن. واختلف في ذلك الذبيح من ولديه فقيل إسماعيل وقيل إسحق. وذهب إلى كلا القولين جماعة من الصحابة والتابعين. فالقول بإسماعيل لابن عباس وابن عمر والشعبي ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب القرظي . وقد يحتجون له بقوله صلى الله عليه وسلم : "أنا ابن الذبيحين"، ولا تقوى الحجة به لأنّ عمّ الرجل قد يُجعل أباه بضرب من التجوز، لا سيما في مثل هذا الفخر. ويحتجون أيضاً بقوله تعالى: { فبشرناها بإسحق، ومن وراء إسحق يعقوب}[سورة……] ، ولو كان ذبيحا في زمن الصبا لم تصح البشارة بابن يكون له، لأنّ الذبح في الصبا ينافي وجود الولد، ولا تقوم من ذلك حجة، لأن البشارة انما وقعت على وفق العلم بأنه لا يذبح ؛ وإنما كان ابتلاءلا براهيم. والقول بإسحق للعباس وعمرو وعلي وابن مسعود وكعب الأحبار وزيد بن أسلم ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير وعطا والزهري ومكحول والسدي وقتادة.

وقال الطبري: والراجح أنه إسحق، لأن نص القرآن يقتضي أنّ الذبيح هو المبشر به، ولم يبشر إبراهيم بولد إلا من زوجته سارة، مع أنّ البشارة وقعت إجابة لدعائه عند مهاجره من أرض بابل. وقوله: إني ذاهب إلى ربي سيهدين. ثم قال عقبة: رب هب لي من الصالحين. ثم قال عقبة: فبشرناه بغلام حليم. وذلك كله كان قبل هاجر، لأن هاجر إنما ملكتها سارة بمصر، وملكتها لإبراهيم بعد ذلك بعشر سنين. فالمبشر به قبل ذلك كله إنما هو ابن سارة، فهو الذبيح بهذه الدلالة القاطعة. وبشارة الملائكة لسارة بعد ذلك، حين كانوا ضيوفا عند إبراهيم في مسيرهم لإهلاك سدوم ،إنما كان تجديداً للبشارة المتقدمة ا هـ .


ثم توفيت لمائة وسبع وعشرين من عمرها، وذلك في قرية جيرون من بلاد بني حبيب الكنعانيين. فطلب إبراهيم منهم مقبرة لها، فوهبه عفرون بن صخر مغارة كانت في مزرعته، فامتنع من قبولها إلا بالثمن، فأجاب إلى ذلك، وأعطاه إبراهيم أربعمائة مثقال فضة، ودفن فيها سارة. وتزوج إبراهيم من بعدها قطورا بنت يقطان من الكنعانيين. وقال السهيلي قنطورا بزيادة نون بين القاف والطاء، وهذا الاسم أعجمي وطاوة قريبة من التاء. فولدت له كما هو مذكور في التوراة ستة من الولد وهم: زمران، يقشان، مدان، مدين، أشبق، شوخ.ثم وقع في التوراة ذكر أولادهم. فولد يقشان سبا ودذان، وولد دذّان أشور ثم ولطوسيح ولاميم. وولد مدين عيفا وعيفين وحنوخ وأفيداع وألزاعا. هذا آخر ولده من قنطورا في التوراة. وقال السهيلي: كان لإبراهيم عليه السلام أولاد آخرون: خمسة من امرأة اسمها حجين أو حجون بنت أهيب وهم كبسان وفروخ وأميم ولوطان ونافس. ولما ذكر الطبري بني قنطورا الستة، وسمّى منهم يقشان، قال بعده: وسائرهم من الأ خرى وهي رعوة. ثم قال: ومن يقشان جيل البربر ا هـ .فوُلدُ إبراهيم على هذا ثلاثة عشر: فإسماعيل من هاجر، وإسحق من سارة، وستة من قنطورا كما ذكر في التوراة، والخمسة بنو حجين عند السهيلي أو رعوة عند الطبري.

 وكان إبراهيم عليه السلام قد عهد لإبنه إسحق أنّ لا يتزوّج في الكنعانيين، وأكد العهد والوصية بذلك لمولاه القائم على أموره، ثم بعثه إلى حران مهاجرهم الأول، فخطب من ابن أخيه بتويل بن ناحور بن آزر بنته رفقا فزوجها أبوها واحتملها ومن معها من الجواري، وجاء بها إلى إسحق في حياة أبيه، وعمره يومئذ أربعون سنة. فتزوجها وولدت له يعقوب وعيصو توأمين، وسنذكر خبرهما. ثم قبض الله نبئه إبراهيم صلوات الله عليه بمكان هجرته من أرض كنعان، وهو ابن مائة وخمس وسبعين سنة، ودفن مع سارة في مغارة عفرون الحبيبي وعرف بالخليل لهذا العهد. ثم جعل الله في ذريته النبوة والكتاب آخر الدهر.


 فإسماعيل سكن مع جرهم بمكة وتزوج فيهم، وتعلم لغتهم وتكلم بها، وصار أبا لمن بعده من أجيال العرب، وبعثه الله إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بمكة وإلى أهل اليمن فآمن بعض وكفر بعض. ثم قبضه الله إليه وخلّف ولده بين جرهم، وكانوا على ما ذكر في التوراة اثنتي عشر أكبرهم بنايوت، وهو الذي تقوله العرب نابت ونبت، ثم قيذار وأدبيل وبسام ومشمع وذوما ومسا وحرّاه وقيما وبطور ونافس وقدما. قال ابن إسحق: وعاش فيما ذكر مائة وثلاثين سنة، ودفن في الحجر مع أمه هاجر، ويقال آجر. وفي التوراة أنه قبض ابن مائة وسبع وثلاثين سنة، وأن شيعته سكنوا من حويلا إلى شور قبالة مصر من مدخل أثور، وسكنوا على حذر شيع اخوته. وحويلا عند أهل التوراة هي جنوب برقة، والواو منها قريبة من الياء. وشور هي أرض الحجاز وأثور بلاد الموصل والجزيرة. ثم ولي البيت من بعد إسماعيل ابنه نابت، وأقام ولده بمكة مع أخوالهم جرهم حتى تشعبوا وكثر نسلهم، وتعددت بطونهم من عدنان في عداد معدّ، ثم بطون معدّ في ربيعة ومضر وإياد وأنمار بني نزار بن معد. فضاقت بهم مكة على ما نذكره عند ذكر قريش وأخبار ملكهم بمكة. فكانت بطون عدنان هذه كلها من ولد إسماعيل لإبنه نابت وقيل لقيذار. ولم يذكر النسابون نسلا من ولده الآخرين. وتشعبت من إسماعيل أيضاً عند جماعة من أهل العلم بالنسب بطون قحطان كلها فيكون على هذا أبا لجميع العرب بعده.

 وأمّا إسحق فأقام بمكانه من فلسطين، وعمر وعمي بعد الكثير من عمره، وبارك على ولده يعقوب، فغضب بذلك أخوه عيصو وهمَّ بقتله، فأشارت عليه رفقا بنت بَتْويل بالسير إلى حرَّان عند خاله لابان بن بتوبل، فأقام عنده وزوّجه بنتيه. فزوجه أولا الكبرى واسمها ليَّا، وأخدمها جاريتها زُلْفة، ثم من بعدها أختها الصغرى واسمها راحيل، وأخدمها جاريتها بلها. وأوّل من ولد منهنّ ليَّا ولدت له رُوبيل ثم شمعون ثم لاوي، ثم يهوذا. وكانت راحيل لا تحبل فوهبت جاريتها بَلْها ليعقوب لتلد منه، فولدت له دان ثم نفتالي، ولما فعلت ذلك راحيل وهبت أختها ليا ليعقوب عليه السلام جاريتها زلفة، فولدت له كاد وآشر، ثم ولدت ليَّا من بعد ذلك يساخر ثم زبولون، فكمل له بذلك عشرة من الولد. ثم دعت راحيل الله عزّ وجل أنّ يهب لها ولدا من يعقوب فولدت يوسف، وقد كملت له بحرَّان عشرون سنة، ثم أمر بالرحيل إلى أرض كنعان التي وعدوا بملكها. فارتحل وخرج لابان في اتباعه وعزم له في المقام



عنده فأبى، فودَّعه وانصرف إلى حران. وسار يعقوب لوجهه، حتى إذا قرب من بلد عيصو وهو جبل يسعين بأرض الكرك والشوبك لهذا العهد، اعترضه عيصو لتلقّيه وكرامته، فأهدى إليه يعقوب من ماشيته هديّة احتفل فيها، وتودّد إليه بالخضوع والتضرُّع، فذهب ما كان عند عيصو. وأوحى الله إليه بأن يكون إسمه إسرائيل، ومر على أرشاليم وهي بيت المقدس، فاشترى هنالك مزرعة ضرب فيها فسطاطه وأمر ببناء مرجح، سماه إيل في مكان الصخرة. ثم حملت راحيل هنالك فولدت له بنيامين وماتت من نفاسه، ودفنها في بيت لحم. ثم جاء إلى أبيه إسحق بقرية جيرون من أرض كنعان، فأقام عنده.

       ومات إسحق عليه السلام لمائة وثمانين سنة من عمره، ودفن مع أبيه في المغارة، وأقام يعقوب بمكانه، وولده عنده. وشب يوسف عليه السلام على غير حالهم من كرامة الله به، وقصَّ عليهم رؤياه التي بَشَّر فيها بأمره، فغصوا به وخرجوا معه إلى الصيد، فالقوه في الجبَّ. واستخرجه السيَّارة الذين مرُّوا به بعد ذلك، وباعوه للعرب بعشرين مثقالاً. ويقال: أنّ الذي تولّى بيعه هو مالك بن دَعَر بن واين بن عيفا بن مدين. واشتراه من العرب عزيز مصر، وهو وزيرها أو صاحب شرطتها. قال ابن إسحق واسمه أطفير بن رجيب، وقيل قوطفير. وكان ملكها يومئذ من العماليق الريَّان بن الوليد بن دُومغ. وربي يوسف عليه السلام في بيت العزيز، فكان من شأنه مع أمراته زليخا، ومكثه في السجن، وتعبيره الرؤيا للمحبوسين من أصحاب الملك، ما هو مذكور في الكتاب الكريم. ثم استعمله ملك مصر عندما خشي السُّنة والغلاء على خزائن الزرع في سائر مملكته، يقدر جمعها وتصريف الأرزاق منها، وأطلق يده بذلك في جميع أعماله، وألبسه خاتمه وحمله على مركبه. ويوسف لذلك العهد ابن ثلاثين سنة، فقيل عزل أطفير العزيز وولاه. وقيل بل مات أطفير فتزوّج زليخا وتولّى عمله ، وكان ذلك سبباً لانتظام شمله بأبيه وإخوته لما أصابتهم السنة بأرض كنعان، وجاء بعضهم للميرة، وكال لهم يوسف عليه السلام، وردّ عليهم بضاعتهم وطالبهم بحضور أخيهم، فكان ذلك كله سببا لاجتماعه بأبيه يعقوب بعد أنّ كبر وعمي.

قال ابن إسحق: كان ذلك لعشرين سنة من مغيبه، ولما وصل يعقوب إلى بلبيس قريباً من مصر خرج يوسف ليلقاه. ويقال خرج فرعون معه، وأطلق لهم أرض



بلبيس يسكنون بها وينتفعون. وكان وصول يعقوب صلوات الله عليه في سبعين راكباً من بنيه، ومعه أيوب النبي من بنيّ عيصو وهو أيوب بن برحما بن زبرح بن رعويل بن عيصو، واستقّروا جميعا بمصر، ثم قُبض يعقوب صلوات الله عليه لسبع عشرة من مقدمه ولمائة وأربعين من عمره، وحمله يوسف صلوات الله عليه إلى أرض فلسطين، وخرج معه أكابر مصر وشيوخها بإذن من فرعون. واعترضهم بعض الكنعانّيين في طريقهم فأوقعوا بهم، وانتهوا إلى مدفن إبراهيم وإسحق عليهما السلام، فدفنوه في المغارة عندهما، وانتقلوا إلى مصر. وأقام يوسف صلوات الله عليه بعد موت أبيه، ومعه إخوته إلى أنّ أدركته الوفاة، فقُبِضَ لمائة وعشرين سنة من عمره، وادرج في تابوت وختم عليه، ودفن في بعض مجاري النيل. وكان يوسف أوصى أنّ يحمل عند خروج بني إسرائيل إلى أرض اليفاع فيدفن هنالك، ولم تزل وصيته محفوظة عندهم، إلى أنّ حمله موسى صلوات الله عليه عند خروجه ببني إسرائيل من مصر.

ولما قُبَضَ يوسف صلوات الله عليه وبقي من بقي من الأسْباط، إخوته وبنيه تحت سلطان الفراعنة بمصر، تشعَّب نسلهم وتعدَّدوا إلى أنّ كاثروا أهل الدولة وارتابوا بهم فاستعبدوهم. قال المسعودي: دخل يعقوب إلى مصر مع ولده الأسباط وأولادهم حين أتوا إلى يوسف في سبعين راكبا، وكان مُقَامُهُم بمصر إلى أنّ خرجوا مع موسى صلوات الله عليه نحواً من مائتين وعشر سنين، فتداولهم ملوك القِبْط والعمالقة يمصر، ثم أحصاهم موسى في التَيْه، وعدّ من يطيق حمل السلاح من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف ويزيدون. وقد ذكرنا ما في هذا العدد من الوَهْم والغلوَّ في مقدّمة الكتاب، فلا نطوَّلَ به. ووقوعه، في نص التوراة لا يقضي بتحقيق هذا العدد، لأن المقام للمبالغة فلا تكون إعداده نصوصاً. وكان ليوسف صلوات عليه من الولد كثير إلا أنّ المعروف منهم اثنان: أفراثيم ومنشى، وهما معدودان في الأسباط، لأن يعقوب صلوات الله عليه أدركهما وبارك عليهما، وجعلهما من جملة ولده. وقد يزعم بعض من لا تحقيق عنده أنّ يوسف صلوات الله عليه إستقل آخرا بملك مصر، وينسب لبعض ضعفة المفسرَين، ومعتمدهم في ذلك قول



 يوسف عليه السلام في دعائه: رب قد آتيتني من الملك، ولا دليل لهم في ذلك، لأن كل من ملك شيئاً ولوفي خاصة نفسه فاستيلاؤه يسمى مُلْكاً حتى البيت والفَرَس والخادم، فكيف من مَلَكَ التصرُّف، ولو كان في شعب واحد منها فهو ملك. وقد كان العرب يسمون أهل القرى والمدائن ملوكا، مثل هجر ومعان ودومة الجندل، فما ظنك بوزير مصر لذلك العهد، وفي تلك الدولة. وقد كان في الخلافة العباسيّة تسمى ولاة الأطراف وعمالها ملوكا، فلا استدلال لهم في هذه الصيغة، وأخرى أيضاً فيما يستدلون به من قوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض }[سورة…] ، أنّ لا يكون لهم فيه مستند، لأنَّ التمكين يكون بغير الملك. ونص القرآن إنَّما هو بولايته على أمور الزرع في جمعه وتفريقه، كما قال تعالى:  { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم  }[سورة….]. ومساق القصة كلها أنه مرؤس في تلك الدولة بقرائن الحال كلها، لا ما يتوهم من تلك اللفظة الواقعة في دعائه، فلا نعدل من النص المحفوف بالقرائن إلى هذا المتوهم الضعيف. وأيضا فالقصّة في التوراة قد وقعت صريحة في أنه لم يكن ملكا، ولا صار إليه مُلْك. وأيضا فالأمر الطبيعي من الشوكة والقطامة له يدفع أنّ يكون حصل له ملك، لأنه إنما كان في تلك الدولة قبل أنّ يا تي إليه إخوته منفرداً لا يملك إلا نفسه، ولا يا تي الملك في هذا الحال، وقد تقدَّم ذلك في مقدمة الكتاب والله أعلم.

عيصو: وأما عيصو بن إسحق فسكن جبال بني يسعين من بني جوى إحدى شعوب كنعان، وهي جبال الشراة بين تبوك وفلسطين، وتعرف اليوم ببلاد كرك والشوبك. وكان من شعوبهم هنالك على ما في التوراة بنو لوطان وبنو شوبال وبنو صمقون وبنو عنا وبنو ديشوق وبنو يصد وبنو ديسان سبعة شعوب. ومن بني ديشون الأشبان، فسكن عيصو بينهم بتلك البلاد، وتزوّج منهم من بنات عنا بن يسعين من جوى ، وهي أهليقاما، وتزوّج أيضاً من بنات حي من الكنعانيين عاذا بنت أيلول وباسمت بنت إسماعيل عليه السلام. وكان له من الولد خمسة مذكورون في التوراة أكبرهم أليفاز، بالفاء المفخّمة وإشباع حركتها وزاي معجمة من بعدها من عاذا بنت أيلول. ثم رعويل من باسمت بنت إسماعيل، ثم يعوش ويعلام وقورح من أهليقاما بنت عنا. وولد أليفاز ستة من الولد: ثيمال وأومار وصفو وكعتام وقتال وعمالق السادس، لسرّيّة اسمها تمتاع وهي شقيقة لوطان بن يسعين. وولد رعويل بن عيصو أربعة من الولد: ناحة وزيدم وشتما ومرّا. هكذا وقع ذكر وُلْد العيص وولدهم في التوراة.وفيها أنّ



 العيص إسمه أدوم، فلذلك قيل لهم بنو أدوم، ولبعض الإسرائيليين أنّ أدوم اسم لذلك الجبل، ومعناه بالعبرانية الجبل الأحمر الذّي لا نبات به. وقد يقع لبعض المؤرّخين أنّ القياصرة ملوك الروم من ولد عيصو، وقال الطبرىُّ: أنّ الروم وفارس من ولد رعويل بن باسمت وليس ذلك كله بصحيح. ورأيته في كتاب يوسف بن كرمون: مؤرخ العمارة الثانية ببيت المقدس قبيل الجلوة الكبرى وكان من كهنوتينا اليهود، وهو قريب من الغلط.

       قال ابن حزم في كتاب الجمهرة: وكان لإسحق عليه السلام ابن آخر غير يعقوب اسمه عيصاب أو عيصو، كان بنوه يسكنون جبال الشراة بين الشام والحجاز، وقد بادوا جملة، إلا أنّ قوما يذكرون أنّ الروم من وُلْده وهذا خطأ. وإنّما وقع لهم هذا الغلط لأن موضعهم كان يقال له أدوم فظنوا أنّ الروم  من ذلك الموضع وليس كذلك، لأن الروم إنما نسبوا إلى رمس باني رومة، فإن ظنّ ظان أنّ قول النبيّ صلى الله عليه وسلم للحُرّ بن قيس: هل لك في بلاد بني الأصفر العام، وذلك في غزوة تبوك، يدل على أنّ الروم من بني الأصفر وهو عيصاب المذكور وليس كما ظُنّ وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم حق ؛ وإنما عنى عليه السلام بني عيصاب على الحقيقة لا الروم، لأن مغزاه عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة كان إلى ناحية الشراة مسكن القوم المذكورين ا هـ . كلام ابن حزم.

وزعم أهروشيوش مؤرّخ الروم أنّ أم الفينان وهاؤا وعالوم وقدوح الأربعة من بنات كاتيم بن ياوان ابن يافث، والأوّل أصح لأنه نص التوراة. ثم كثر نسل بني عيصو بأرض يسعين وغلبوا الجويّين على تلك البلاد، وغلبوا بني مدين أيضاً على بلادهم إلى أيلة. وتداول فيهم ملوك وعظماء، كان منهم فالغ بن ساعور، وبعده يودب بن زيدح. ثم كان منهم هداد بن مدّاد الذي أخرج بني مدين عن مواطنهم. ثم كان فيهم بعده ملوك إلى أنّ زحف يوشع إلى الشام، وفتح أريحاء وما بعدها، وانتزع الملك من جميع الأمم الذين كانوا هنالك، ثم استلحمهم بختنصر عندما ملك أرض القدس، ولحق بعضهم بأرض يونان وبعضهم بأفريقية. وأما عمالق بن أليفاز فمن عقبه عند الإسرائيليين عمالقة الشام. وفي قول فراعنة مصر من القِبْط. ونُسّاب العرب يأبون



 من ذلك، ونسبوهم إلى عملاق بن لاوذ كما مرّ. ثم بنو يروم وكنعان، ولم يبق منهم عين تطرف والله الباقي بعد فناء خلقه.

مدين: وأمّا مدين بن إبراهيم فتزوّج بابنة لوط، وجعل الله في نسلها البركة، وكان له من الولد خمسة: عيفا وعيفين وحنوخ وأنيداغ وألزاعا. وقد تقدم ذكرهم في ولد إبراهيم من قنطورا، فكان منهم مدين أمّة كبيرة ذات بطون وشعوب، وكانوا من أكبر قبائل الشام وأكثرهم عددا. وكانت مواطنهم تجاور أرض معان من أطراف الشام مما يلي الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط. وكان لهم تغلبٌ بتلك الأرض فعتوا وبغوا وعبدوا الآلهة، وكانوا يقطعون السُبُل ويبخسون في المكيال. وبعث الله فيهم شعيبا نبيا منهم وهو ابن نويل بن رعويل بن عيا بن مدين. قال المسعوديّ: مدين هؤلاء من ولد المحضر بن جندل بن يعصب بن مدين، وأن شُعيبا أخوهم في النسب، وكانوا ملوكا عدة يسمون بكلمات أبجد إلى آخرها وفيه نظر. وقال ابن حبيب في كتاب البدء: هو شُعَيْب بن نويب بن أحزم بن مَدْيَن وقال السهيلي: شعيب بن عيفا ويقال ابن صيفون. وشعيب هذا هو شعيب موسى الذي هاجر إليه من مصر أيام القبط، واستأجره على إنكاح ابنته إياه على أنّ يخدمه ثماني سنين، وأخذ عنه آداب الكتاب والنبوّة حسبما يا تي عند ذكر موسى صلوات الله عليهما، وأخبار بني إسرائيل. وقال الصيمري: الذي استأجر موسى وزوّجه: هو بَثْر بن رعويل. ووقع في التوراة أنّ اسمه يَبْثُر وأن رعويل أباه أو عمّه هو الذي تولى عقد النكاح. وكان لمدين هؤلاء مع بني إسرائيل حروب بالشام، ثم تغلب عليهم بنو إسرائيل وانقرضوا جميعا.

لوط: وأما لوط بن هاران أخي إبراهيم عليهما السلام فقد تقدّم من خبره مع قومه ما ذكرناه هنالك. ولما نجا بعد هلاكهم لحق بأرض فلسطين، فكان بها مع إبراهيم إلى أنّ قبضه الله، وكان له من الولد على ما ذكر في التوراة عمُّون، بتشديد الميم وإشباع حركتها بالضمّ ونون بعدها، وموآيي بإشباع ضمة الميم وإشباع فتحة الهمزة بعدها وياء تحتية وبعدها ياء ساكنة هوائية، وجعل الله في نسلهما البركة حتى كانوا من أكثر قبائل الشام، وكانت مساكنهم بأرض البلقاء ومدائنها في بلد موآيي ومعان وما والاهما. وكانت لهم مع بني إسرائيل حروب نذكرها في أخبارهم، وكان منهم بلعام بن باعورا  بن رسيوم بن برسيم بن موآيي، وقصته مع ملك كنعان حين طلبه في الدعاء على بني إسرائيل أيام موسى صلوات الله عليه، وأنّ دعاءه صرف إلى




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق