إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 11 ديسمبر 2014

234 تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون ) المجلد الثانى المقدّمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم . الطبقة الأولى من العرب



234


تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )

المجلد الثانى

المقدّمة الثانية

في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم .

الطبقة الأولى من العرب

وهم العرب العاربة وذكر نسبهم والإلمام بملكهم ودولهم علي الجملة

هذه الأمة أقدم الأمم من بعد قوم نوح ،وأعظمم قدرة ،وأشدّهم قوة وآثاراً في الأرض، وأول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه. لأن أخبار القرون الماضية من قبلهم يمتنع اطلاعنا عليها التطاول الأحقاب ودروسها، إلا ما يقصه علينا الكتاب ويؤثر عن الأنبياء بوحي الله إليهم، وما سوى ذلك من الأخبار الأزلية فمنقطع الإسناد. ولذلك كان المعتمد عند الإثبات في أخبارهم، ما تنطق به آية القرآن في قصص الأنبياء الأقدمين، أو ما ينقله زعماء المفسرين في تفسيرها من أخبارهم وذكر دولهم  وحروبهم، ينقلون ذلك عن السلف من التابعين الذين أخذوا عن الصحابة، أو سمعوه ممن هاجر إلى الإسلام من أحبار اليهود وعلمائهم أهل التوراة أقدم الصحف المنزلة فيما علمنا، وما سوى ذلك من حطام المفسرين وأساطير القصص وكتب بدء الخليقة فلا نعوّل على شي منه. وإن وجد لمشاهير العلماء تأليف مثل كتاب الياقوتية للطبريّ ،والبدء للكسائي ، فإنما نحوا فيها منحى القصاص ، وجروا على أساليبهم، ولم يلتزموا فيها الصحة،  ولا ضمنوا لنا الوثوق بها، فلا ينبغي التعويل عليها، وتترك وشأنها. وأخبار هذا الجيل من العرب وإن لم يقع لها ذكر في التوراة إلا أنّ بني إسرائيل من بين أهل الكتاب أقرب إليهم عصراً ، وأوعى لأخبارهم، فلذلك يعتمد نقل المهاجرة منهم لأخبار هذا الجيل، ثم أنّ هذه الأمم على ما نقل كان لهم ملوك ودول.

 فملوك جزيرة العرب، وهي الأرض التي أحاط بها بحر الهند من جنوبها، وخليج الحبشة من غربها ،وخليج فارس من شرقها، وفيها اليمن والحجاز والشحر وحضرموت، وامتد ملكهم فيها إلى الشام ومصر في شعوب منهم على ما يذكر. ويقال: إنهم انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام، فسكنوا جزيرة العرب بادية مخيمين، ثم كان لكل فرقة منهم ملوك وآطام وقصور حسبما نذكره، إلى أنّ



 غلب عليهم بنو يعرب بن قحطان. وهؤلاء العرب العاربة شعوب كثيرة وهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل وعبد ضخم وجرهم وحضرموت وحضورا والسلفات. وسمي أهل هذا الجيل العرب العاربة، إما بمعنى الرساخة في العروبية كما يقال: ليل أليل وصوم صائم. أو بمعنى الفاعلة للعروبية والمبتدعة لها بما كانت أول أجيالها. وقد تسمى البائدة أيضاً بمعنى الهالكة لأنه لم يبق على وجه الأرض أحد من نسلهم. فأما عاد وهم بنو عاد بن عوص بن إرم بن سام، فكانت مواطنهم الأولى بأحقاف الرمل بين اليمن وعمان إلى حضرموت والشحر. وكان أبوهم عاد فيما يقال أول من ملك من العرب ،وطال عمره وكثر ولده، وفي التواريخ أنه ولد له أربعة آلاف ولد ذكر لصلبه، وتزوج ألف امرأة، وعاش ألف سنة ومائتى سنة. وقال البيهقي: أنه عاش ثلثمائة سنة، وملك بعده بنوه الثلاثة شديدٌ وبعده شداد وبعده إرم. وذكر المسعودى: أنّ الذي ملك من بعد عاد وشداد منهم، هو الذي سار في الممالك، واستولى على كثير من بلاد الشام والهند والعراق. وقال الزمخشري: أنّ شدّاد هو الذي بنى مدينة إرم في صحارى عدن، وشيدها بصخور الذهب وأساطين الياقوت والزبرجد، يحاكي بها الجنة، لما سمع وصفها طغياناً منه وعتّواً .ويقال: أنّ باني إرم هذه هو إرم بن عاد. وذكر ابن سعيد عن البيهقيّ: أنّ باني ارم هو ارم بن شداد بن عاد الأكبر، والصحيح أنه ليس هناك مدينة إسمها إرم، وإنما هذا من خرافات القصاص. وإنما ينقله ضعفاء المفسرين. وإرم المذكورة في قوله تعالى:{ إرم ذات العماد}[سورة.....] القبيلة لا البلد.

وذكر المسعودى: أنّ ملك عوص كان ثلثمائة وأن الذي ملك من بعده ابنه عاد بن عوص، وان جيرون بن سعد بن عاد كان من ملوكهم ،وأنه الذي اختط مدينة دمشق ومصرها، وجمع عُمُدَ الرخام والمرمر إليها وسماها إرم. ومن أبواب مدينة دمشق إلى هذا العهد باب جيرون، وذكره الشعراء في معاهدها. قال الشاعر:

# النخل فالقصر فالحماء بينهما      أشهى   إلى القلب من أبواب جيرون

وهذا البيت في الصوت الأوّل من كتاب الأغاني. وذكر ابن عساكر في تاريخ  دمشق: جيرون ويزيد أخوان هما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وبهما عرف باب جيرون ونهر يزيد. والصحيح أنّ باب جيرون إنما سمي باسم مولى من موالي سليمان عليه السلام في دولة بني إسرائيل، جيرون كان ظاهراً في دولتهم.

وذكر ابن سعيد في أخبار القبط: أنّ شدّاد بن بداد بن هداد بن شدّاد بن عاد





حارب بعضاً من القبط، وغلب على أسافل مصر، ونزل الإسكندرية وبنى فيها حينئذ مدينة مذكورة في التوراة يقال لها أون، ثم هلك في حروبهم ،وجمع القبط إخوتهم من البربر والسودان، وأخرجوا العرب من ملك مصر.

ثم لما اتصل ملك عاد وعظم طغيانهم وعتوّهم انتحلوا عبادة الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب، ويقال: أنّ ذلك لانتحالهم دين الصابئة، فبعث الله إليهم أخاهم هوداً، وهو فيما ذكر المسعودى والطبريّ هود بن عبد الله بن رَبَاح بن الخَلود بن عاد، وفي كتاب البدء لابن حبيب: رباح بن حرب بن عاد، وبعضهم يقول هود بن عابر بن شالِخ بن أرْفخشذ. فوعظهم وكان ملوكهم لعهده :الخلجان ،ولقمان بن عاد بن عاديا بن صدا بن عادفا،آمن به لُقمان وقومه، وكفر الخلْجان، وامتنع هود بعشيرته من عاد. وحبس الله عنهم المطر ثلاث سنين، وبعثوا الوفود من قومهم إلى مكة يستسقون لهم، وكان في الوفد على ما قاله الطبري نعيم بن هزال بن هزيل بن عبيل بن صدا بن عاد. وقيل ابن عنز منهم، وحلقمة بن الخسري، ومرثد بن سعد بن عنز. وكان ممن آمن بهود واتبعه، وكان بمكة من عاد هؤلاء :معاوية بن بكر وقومه، وكانت هزيلة أخت معاوية عند نعيم بن هزال، وولدت له عبيداً وعمراً وعامراً، فلما وصل الوفد إلى مكة مرَّوا بمعاوية بن بكر وابنه بكر، ونزل الوفد عليه. ثم تبعهم لقمان بن عاد، وأقاموا عند معاوية وقومه شهراً لما بينهم من الخؤلة، ومكثوا يشربون وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية بن بكر وابنه بكر. ثم غنتاهم شعراً تذكرهم بأمرهم، فانبعثوا ومضوا إلى الإستسقاء، وتخلف عنهم لقمان بن عاد ومرثد بن سعد، فدعوا في استسقائهم وتضرعوا، وأنشأ الله السحب، ونودي بهم أنّ اختاروا فاختاروا سوداءَ من السحب، وأنذروا بعذابها فمضت إلى قومهم وهلكوا كما قصَّه القرآن.

وفي خبر الطبري أنّ الوفد لما رجعوا إلى معاوية بن بكر، لقيهم خبر مهلك  قومهم هنالك، وأن هوداً بساحل البحر، وأن الخلجان ملكهم قد هلك بالريح فيمن هلك، وأن الريح كانت تدخل تحت الرجل فتحمله، حتى تقطعوا في الجبال، وتقلع الشجر وترفع البيوت ،حتى هلكوا أجمعون. انتهى كلام الطبري.

ثم ملك لقمان ورهطه من قوم عاد، واتصل لهم الملك فيما يقال ألف سنة أو يزيد، وانتقل ملكه إلى ولده لقمان، وذكر البخاري في تاريخه: أنّ الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً هو هدد بن بدَد بن الخلجان بن عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الأكبر، وأن المدينة



 بساحل برقة ا هـ . ولم يزل ملكهم متصلاً إلى أنّ غلبهم عليه يعرب بن قحطان، واعتصموا بحبال حضرموت إلى أنّ انقرضوا. وقال صاحب زجار أنّ ملكهم عاد بن رقيم بن عابر بن عاد الأكبر هو الذي حارب يعرب بن قحطان، وكان كافراً يعبد القمر، وأنه كان على عهد نوح، وهذا بعيد، لأن بعثة هود كانت عند استفحال دولتهم، أو عند مبتدئها، وغلب يعرب كان عند انقراضها. وكذلك هدد الذي ذكر البخاري أنه ملك برقة إنما هو حافد الخلجان الذي اعتصم آخرهم بجبل حضرموت. وخبر البخاري مقدم.

وقال علي بن عبد العزيز الجر جاني: وكان من ملوك عاد يعمر بن شداد، وعبد أبهر بن معد يكرب بن شمد بن شداد بن عاد، وحناد بن مياد بن شمد بن شداد، وملوك آخرون أبادهم الله والبقاء لله وحده. فأما عبيل وهم إخوان عاد بن عوص فيما قاله الكلبي، وإخوان عوص بن إرم فيما قاله الطبريّ، وكانت  ديارهم بالحجفة بين مكة والمدينة، وأهلكهم السيل. وكان الذي اختط يثرب منهم، هكذا قال المسعودى، وقال هو يثرب بن بائلة بن مهلهل بن عبيل. وقال السهيلي: أنّ الذي اختط يثرب من العماليق، وهو يثرب بن مهلايل بن عوص بن عمليق. وأما عبد ضخم بن إرم فقال الطبري: كانوا يسكنون الطائف وهلكوا فيمن هلك من ذلك الجيل. وقال غيره: إنهم أوّل من كتب بالخط العربى.

 وأمَّا ثمود وهم بنو ثَمود بن كاثر بن إرم فكانت ديارهم بالحِجرْ ووادي القُرى، فيما بين الحجاز والشام، وكانوا ينحتون بيوتهم في الجبال، ويُقال: لأنّ أعمارهم كانت تطول، فيأتي البلاءُ والخرابُ على بيوتهم، فنحتوها لذلك في الصخر، وهي لهذا العهد، وقد مرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ونهى عن دخولها كما في الصحيح، وفيه إشارة إلى أنَّها بيوتَ ثمود أهلُ ذلك الجيل. ويشهد ذلك ببطلان ما يذهب إليه القُصَّاصُ، ووقع مثله للمسعودي من أنّ أهل تلك الأجيال كانت أجسامهم مفرطةً في الطول والعِظَم، وهذه البيوت المشاهدة المنسوبة إليهم بكلام الصادق صلوات الله عليه، يشهد بأنَّهم في طولهم وعظم حُجُرَاِتِهم مثلنا سواء، فلا أقدم من عاد وأهل أجيالهم فيما بلغنا.

 ويقال: أنّ أَوَّل ملوكهم كان عابر بن إرم بن ثمود، ملك عليهم مائتي سنة. ثم كان من بعده جُنْدُعُ بن عمرو بن الدُبَيْل بن إرَم بن ثمود. ويقال: مَلَكَ نحواً من ثلثمائة سنة.



وفي أيامه كانت بَعْثَةُ صالح عليه السلام، وهو صالح بن عَبِيل بن أسف بن شالِخ بن عبيل بن كاثَر بن ثمود، وكانوا أَهل كُفْرٍ وبَغْيٍ وعبادة أوثان، فدعاهم صالح إلى الدين والتوحيد. قال الطبريُّ: فلما جاءهم بذلك كفروا وطلبوا الآيات، فخرج بهم إلى هَضَبةٍ من الأرض ، فتمخَّضت عن الناقة، ونهاهم أنّ يتعرضوا لها بعقْرٍ أوْ هلكة، وأخبرهم مع ذلك أنهم عاقروها ولا بدَّ، ورأس عليهم قَدَار بن سالف، وكان صالح وصف لهم عاقِرَ الناقة بصفة قَدَار هذا، ولما طال النذير عليهم من صالح سئموه وهمَّوا بقتله، وكان يأوي إلى مسجدٍ خارج ملائهم،  فكمن له رهْطٌ منهم تحت صخرة في طريقه ليقتلوه، فانطبقت عليهم وهلكوا وحِنقوا ومضوا إلى الناقة، ورماها قَدَارٌ بسهم في ضرعها وقتلها، ولجأ فصيلها إلى الجبل فلم يدركوه. وأقبل صالح وقد تخوف عليهم العذاب، فلمَّا رآه الفصيل أقبل إليه ورغا ثلاث رغاآت، فأنذرهم صالح ثلاثاً. وفي صبح الرابعة صُعقوا بصيحة من السماء تقطَّعت بها قلوبهم فأصبحوا جاثمين، وهلك جميعهم حيث كانوا من الأرض، إلاَّ رجلاً كان في الحرم منعه الله من العذاب. قيل من هو يا رسول الله؟ قال: أبو رغال. ويقال: أنّ صالحاً أقام عشرين سنة ينذرهم، وتوفي ابن ثمان وخمسين سنة. وفي الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  مرَّ في غزوة تبوك بقُرى ثَمُود، فنهى عن استعمال مياههم وقال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون أنّ يصيبكم ما أصابهم،آه، كلام الطبري.

وقال الجرجاني: كان من ملوكهم دوبان بن يَمْنَع ملك الإسكندرية، ومَوْهب بن
مُرَّة بن رحيب، وكان عظيم المُلك. وأخوه هُوبيل بن مرَّة كذلك. وفيما ذكره المفسرون أَنَّهم أوَّل من نحت الجبال والصخور، وأَنَّهم بنوا ألفاً وسبعمائة مدينة، وفي هذا ما فيه. ثم ذهبوا بما كسبوا،ودرجوا في الغابرين وهلكوا. ويقال: أنّ من بقاياهم أهلُ الرس الذين كان نبيهُّم حَنْظَلَةُ بن صَفْوان، وليس ذلك بصحيح. وأَهلُ الرَسّ هم حضور ويأْتي ذكرهم في بني فالغَ بن عَابر، وكذلك يزعم بعض النسَّابة أنّ ثقيفاً من بقايا ثَمود هؤُلاء وهو مردود. وكان الحجَّاج بن يوسف إذا سَمِع ذلك يقول: كذبوا. وقال والله جلَّ من قائل يقول: وثمود فما أبقى، أي أهلكهم فما أبقى أحداً منهم. وأهلُ التوراة لا يعرفون شيأ من أخبار عاد ولا ثًمود، لأنهم لم يقع لهم ذِكْر في التوراة، ولا لهود ولا لصالح عليهما السلام، بل ولا لأحد من العرب العاربة لأن



 سياق الأخبار في التوراة عن أولئك الأمم إنما هو لمن كان في عمود النسب ما بين موسى وآدم صلوات الله عليهم، وليس لأحد من آباء هؤلاء الأجيال ذكر في عمود ذلك النسب فلم يُذْكَرُوا فيها.

وأما جديس وطسم فعند ابن الكلبي أنّ جديساً لإرم بن سام، وديارهم اليمامة وهم أخوان لثمود بن كاثر، ولذلك ذكرهم بعدهم، وأن طسماً للاوذ بن سام وديارهم بالبحرين. وعند الطبريّ أنهما معاً للاوذ وديارهم باليمامة. ولهذين الإثنين خبرٌ مشهورً ينبغي سياقُهُ عند ذكرهم، قال الطبريُّ عن هشام بن محمد الكلبي بسنده إلى ابن إسحق وغيره من علماء العرب: أنّ طسماً وجديسا كانوا من ساكني اليمامة ،وهي إذْ ذاك من أخصب البلاد وأعمرها وأكثرها خيراً وثمارا وحدائق وقصورا. وكان ملك طسم غشوماً لا ينهاه شىءٌ عن هواه، ويقال له: عملوق وكان مُضِرّاً لجديس مُسْتَذِلاً لَهُم ، حتى كانت البكر من جديس لا تهدى إلى زوجها حتى تدخل عليه فيفترعها. وكان السبب في ذلك أنّ امرأة منهم كان اسمها هُزَيْلةَ طلقها زوجها وأخذ ولده منها، فأمر عَمْلوق ببيعها، وأخذ زوجها الخُمس من ثمنها فقالت شعراً تتظلَّم منه، فأمر أنّ لا تزوَّج منهم امرأَة حتى يفترعها. فقاموا كذلك حتى تزوجت الشموس، وهي عفيرة ابنة غفار ابن جديس أخت الأسود ،فافتضها عملوق ، فقال الأسود بن غفار لرؤساء جديس: قد ترون ما نحن فيه من الذل والعار الذي ينبغي للكلاب أنّ تعافه، فأطيعوني أدعكم إلى عز الدهر، فقالوا: وما ذاك؟ قال: أصنع للملك وقومه دعوةً فإذا جاؤوا، يعني طَسْماً، نهضنا إليهم بأسيافنا فنقتلهم. فأجمعوا على ذلك ودفنوا سيوفهم في الرمل ودعوا عَمْلوقاً وقومَه. فلما حضروا قتلوهم ، فأَفنوهم ،وقتل الأسْود عملوقاً وأفلت رَباح بن مُرَّة بن طَسْم، فأتى حسان بن تُبّع مستغيثاً، فنهض حسّان في حِمْيَر لإغاثته، حتى كان من اليمامة على ثلاث مراحل. قال لهم رباح: أنّ لي أُختاً مُزوّجة في جديس إسمُها اليمامة، ليس على وجه الأرض أبصر منها، وأنها لتبصر الراكب على ثلاث مراحل، وأخاف أنّ تنظر القوم. فأمر كل رجل أنّ يقلع شجرة فيجعلها في يده، ويسير كأنه خلفها ففعلوا، وبصرت بهم اليمامة فقالت لجديس: لقد سارت إليكم حِمْيَر، وإني أرى رجلاً من وراء شجرة بيده كتف يتعرقها، أو نعل يخصفها، فاستبعدوا ذلك ولم يحفلوا به. وصبحهم حَسَّانُ وجنوده من حِمْيَر فأبادهم وخَرَّب حصونهم وبلادهم



 وهرب الأَسودُ بن غفَّار إلى جَبَليْ طيء ، فأقام بهما، ودعا تُبَّع باليمامة أخت رباح التي أبصرتهم فقلع عينها. ويقال: إنه وجد بها عروقا سوداً زعمت أنّ ذلك من اكتحالها بالإثْمِد، وكانت تلك البلد تسمى جُو فسُمِيَّت باليمامة اسم تلك المرأة.

قال أبو الفرج الأصبهاني: وكانت طيء تسكن الجُرُف من أرض اليمن، وهي اليوم

محلةٍ مراد وهمدان ، وسيدهم يومئذ سامة بن لؤي بن الغوث بن طيء، وكان الوادي مسبعةً، وهم قليل عددهم، وكان يجتاز بهم بعير في زمن الخريف ويذهب ثم يجيء من قابل ولا يعرفون ،مقرَّهُ وكانت الأزْد قد خرجت أيام سَيْل العرِم واستوحشت طيء فظعنوا على أثرهم، وقالوا لسامَةَ: هذا البعيرُ إنما يأتي من الريف والخِصْب، لأن في بعره النوى، فلما جاءهم زمن الخريف أتَّبعُوه يسيرون لسيره حتى هبط عن الجبلين، وهجموا على النخل في الشعاب وعلى المواشي، وإذا هم بالأسود بن غفار، في تلك الشعاب، فهالهم خلقه وتخوفوه، ونزلوا ناحية ونفضوا الطريق فلم يروا أحداً، فأمر سامة ابنه الغوث بقتل الأسود ، فجاء إليه فعجب من صغر خلقه، وقال: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن، وأخبره خبر البعير ثم رماه فقتله، وأقامت طيء بالجبلين بعده.

وذكر الطبري عن غير ابن إسحق أنّ تُبَّع الذي أوقع بجديس هو والد حَسَّان هذا، وهو ثبان أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، ويأتي ذكره في ملوك اليمن أنّ شاء الله تعالى، انتهى كلام الطبري.

وقال غيره أنّ حسان بن تُبَّع لما سار بحمير إلى طسم بعث على مقدمته إليهم عبد كلال بن منوب بن حجر بن ذي رعين من أقيال حِمْيَر، فسلك بهم رباح بن مرة الرمل، وكانت الزرقاء أخت رباح ناكحاً في طسم، وتُسمَّى عنزة واليمامة، وكانت تبصر على البعد فأنذرتهم فلم يقبلوا. وصبح عبد بن كلال جديساً إلى آخر القِصَّة، وبقيت اليمامة بعد طسم يباباً لأ يا كل ثمرها إلا عوافي الطير والسباع، حتى نزلها بنو حنيفة، وكانوا بعثوا رائدهم عبيد بن ثعلبة الحنفي يرتاد لهم في البلاد، فلما أكل من ذلك الثمر، قال: أنّ هذا الطعام! وحجر بعصاه على موضع قصبة اليمامة، فسميت حجرا، واستوطنها بنو حنيفة وبها صبحهم الإسلام كما يأتي في أخبارهم أنّ شاء الله تعالى.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق