إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 11 ديسمبر 2014

233 تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون ) المجلد الثانى المقدّمة الثانية في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم .


233

تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )

المجلد الثانى

المقدّمة الثانية

في كيفية وضع الأنساب في كتابنا لأهل الدول وغيرهم .

أعلم أنّ الأنساب تتشعب دائماً، وذلك أنّ الرجل قد يكون له من الولد ثلاثة أو أربعة أو أكثر، ويكون لكل واحد منهم كذلك، وكل واحد منهم فرعٌ ناشئ عن أصلٍ، أو فرع، أو عن فرع فرع، فصارت بمثابة الأغصان للشجرة تكون قائمة على ساق واحدة هي أصلها والفروع عن جانبها، ولكل واحدٍ من الفروع فروعٌ أخري إلى أنّ تنتهي إلى الغاية. فلذلك اخترنا بعد الكلام على الأنساب للأمّة وشعوبها أنّ نضع ذلك على شكل شجرة نجعل أصلها وعمود نسبها باسم الأعظم من أولئك الشعوب ومن له التقدم عليهم، فيجعل عمود نسبه أصلا لها وتفرع الشعوب الأخرى عن جانبه من كل جهة، كأنها فروع لتلك الشجرة، حتى تتصل تلك الأنساب عموداً وفروعاً بأصلها الجامع لها ظاهرة للعيان في صفحة واحدة، فترسم في الخيال دفعة، ويكون ذلك أعون على تصور الأنساب وتشعبها. فإن الصور الحسيّة أقرب إلى الإرتسام في الخيال من المعاني المتعلقة. ثم لما كانت هذه الأمم كلها لها دول وسلطان، اعتمدنا بالقصد الأوّل ذكر الملوك منهم في تلك الشجرات، متصلة أنسابهم إلى الجد الذي يجمعهم ،بعد أنّ نرسم على كل واحد منهم رتبته في تعاقبهم واحداً بعد واحدٍ، بحروف أب ج د هـ . فالألف للأول، والباء للثاني، والجيم للثالث، والدال للرابع، والهاء للخامس، وهلم جرّا. ونهاية الأجداد لأهل تلك الدولة في الآخر منهم ،ويكون للأول غصون وفروع في كل جهة عنه، فإذا نظرت في الشجرة علمت أنساب الملوك في كل دولةٍ وترتبهم بتلك الحروف واحداً بعد واحد، والله أعلم بالصواب.

أجيال العرب

القول في أجيال العرب و أوّليتها واختلاف طبقاتهم وتعاقبها

وأنساب كل طبقة منها

اعلم أنّ العرب منهم الأمة الراحلة الناجعة، أهل الخيام لسكناهم، والخيل لركوبهم، والأنعام لكسبهم، يقومون عليها، ويقتاتون من ألبانها، ويتخذون الدفء والأثاث من أوبارها وأشعارها، ويحملون أثقالهم على ظهورها. يتنازلون حِلَلاً متفرقة،



 ويبتغون الرزق في غالب أحوالهم من القنص، ويختطف الناس من السبل، ويتقلبون دائماً في المجالات فراراً من حمارّة القيظ  تارة، وصبارة البرد أخرى، وانتجاعاً لمراعي غنمهم، وارتياداً لمصالح إبلهم الكفيلة بمعاشهم، وحمل أثقالهم ودفئهم ومنافعهم، فاختصوا لذلك بسكنى الإقليم الثالث، ما بين البحر المحيط من المغرب إلى أقصى اليمن وحدود الهند من المشرق. فعمروا اليمن والحجاز ونجداً وتهامة وما وراء ذلك مما دخلوا إليه في المائة الخامسة، كما ذكروه من مصر وصحاري برقة وتلولها وقسنطينة وأفريقية وزاغا والمغرب الأقصى والسوس، لاختصاص هذه البلاد بالرمال والقفار المحيطة بالأرياف والتلول، والأرياف الآهلة بمن سواهم من الأمم في فصل الربيع وزخرف الأرض، لرعي الكلأ والعشب في منابتها، والتنقل في نواحيها إلى فصل الصيف لمدّة الأقوات في سنتهم من حبوبها. وربما يلحق أهل العمران أثناء ذلك معرات من أضرارهم، بإفساد السابلة ،ورعي الزرع مخضرًّا، وانتهابه قائماً وحصيداً إلا ما حاطته الدولة، وذادت عنه الحامية في الممالك التي للسلطان عليهم فيها. ثم ينحدرون في فصل الخريف إلى القفار لرعي شجرها ،ونتاج إبلهم في رمالها، وما أحاط به عملهم من مصالحها، وفراراً بأنفسهم وظعائنهم من أذى البرد إلى دفء مشاتيها. فلا يزالون في كل عام مترددين بين الريف والصحراء ما بين الإقليم الثالث والرابع، صاعدين ومنحدرين على ممر الأيام، شعارهم لبس المخيط في الغالب، ولبس العمائم تيجاناً على رؤسهم، يرسلون من أطرافها عذبات يتلثم قوم منهم بفضلها وهم عرب المشرق، وقومٌ يلفون منها الليث والأخدع قبل لبسها، ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها وهم عرب المغرب، حاكوا بها عمائم زناته من أمم  البربرقبلهم. وكذلك لقنوا منهم في حمل السلاح اعتقال الرماح الخطية، وهجروا تنكب القسي. وكان المعروف لأولهم ومن بالمشرق لهذا العهد منهم استعمال الأمرين.

ثم أنّ العرب لم يزالوا موسومين بين الأمم بالبيان في الكلام والفصاحة في المنطق والذلاقة في اللسان، ولذلك سموا بهذا الاسم فإنه مشتق من الإبانة لقولهم: أعرب الرجل عما في ضميره إذا أبان عنه. ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :<<الثيب تعرب عن نفسها>>. والبيان سمتهم بين الأمم منذ كانوا. وانظر قصة كسرى لما طلب من خليفته على العرب النعمان بن المنذر أنّ يوفد عليه من كبرائهم وخطبائهم من رضي لذلك، فاختار منهم وفدا أوفده عليه، وكان من خبره واستغراب ما جاؤا به من البيان ما هو معروف.



 فهذه كلها شعائرهم وسماتهم وأغلبها عليهم اتخاذ الإبل والقيام على نتاجها وطلب الانتجاع بها الارتياد مراعيها، ومفاحص توليدها بما كان معاشهم منها. فالعرب أهل هذه الشعار من أجيال الآدميين. كما أنّ الشاوية أهل القيام على الشاة والبقر لما كان معاشهم فيها، فلهذا لا يختصون بنسب واحد بعينه إلا بالعرض. ولذلك كان النسب في بعضهم مجهولاً عند الأكثر، وفي بعضهم خفيا على الجمهور. وربما تكون هذه السمات والشعائر في أهل نسب آخر فيدعون باسم العرب إلا أنهم في الغالب يكونون أقرب إلى الأولين من غيرهم. وهذا الانتقال لا يكون إلاّ في أزمنة متطاولة وأحقاب متداولة. ولذلك يعرض في الأنساب ما يعرض من الجهل والخفاء.

واعلم أنّ جيل العرب بعد الطوفان وعصر نوح عليه السلام كان في عادٍ الأولى وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت، ومن ينتمي إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح. لما انقرضت تلك العصور، وذهب أولئك الأمم وأبادهم الله بما شاء من قدرته، وصار هذا الجيل في آخرين ممن قرب من نسبهم من حِمْيَر وكهلان وأعقابهم من التبابعة ومن إليهم من العرب المستعربة من أبناء عابر بن شالخ بن أزفخشذ بن سام. ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن عابر أعالم من بين ولده واختص الله بالنبوة منهم إبراهيم بن تارخ وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ، وكان من شأنه مع نمروذ ما قصّه القرآن. ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور، وتخلف ابنه إسماعيل مع أمه هاجر بالحجر قرباناً لله، ومرَّت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها، ونشأ إسماعيل بينهم ،وربّي في أحيائهم، وتعلم لغتهم العربية بعد أنّ كان أبوه أعجميا. ثم كان بناء البيت كما قصه القرآن، ثم بعثه الله إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بالحجاز، فآمن كثير منهم واتبعوه. ثم عظم نسله وكثر، وصار بالجيل آخر من ربيعة ومضر ومن إليهم من إياد وعك وشعوب نزار وعدنان وسائر ولد إسماعيل، وهم العرب التابعة للعرب. ثم انقرض أولئك الشعوب في أحقاب طويلة وانقرض ما كان لهم من الدولة في الإسلام. وخالطوا العجم بما كان لهم من التغلب عليهم، ففسدت لغة أعقابهم في آماد متطاولة، وبقي خلفهم أحياء بادين في القفار والرمال والخلاء من الأرض تارة والعمران تارة. وقبائل بالمشرق والمغرب والحجاز واليمن وبلاد الصعيد والنوبة والحبشة، وبلاد الشام والعراق



 والبحرين وبلاد فارس والسند وكرمان وخراسان، أمم لا يأخذها الحصر والضبط، قد كاثروا أمم الأرض لهذا العهد شرقاً وغرباً، واعتزوا عليهم، فهم اليوم أكثر أهل العالم، وأملك لأمرهم من جميع الأمم. ولما كانت لغتهم مستعجمة على اللسان المضري الذي نزل به القرآن، وهو لسان سلفهم ،سميناهم لذلك العرب المستعجمة. فهذه أجيال العرب منذ مبدإ الخليقة ولهذا العهد في أربع طبقات متعاقبة، كان لكل طبقة منها عصور وأجيال ودول وأحياء وقعت العناية بها دون من سواهم من الأمم، لكثرة أجيالهم واتساع النطاق من ملكهم. فلنذكر لكل طبقة أحوال جيلها وبعض أيامهم ودولهم، ومن كان على عهدهم من ملوك الأمم ودولهم ليتبين لك بذلك مراتب الأجيال في الخليقة كيف تعاقبت، والله سبحانه وتعالى وليُّ العون.

برنامج بما تضمنه الكتاب من الدول في هذه الطبقات الأربع

علي ترتيبها والدول المعاصرين من العجم في كل طبقة منها

فنبدأ أوّلاً بذكر الطبقة الأولي، وهم العرب العاربة، ونذكر أنسابهم ومواطنهم وما كان لهم من الملك والدولة. ثم الطبقة الثانية وهم العرب المستعربة من بني حِمْيَر بن سبا، ونذكر أنسابهم وما كان لهم من الملك باليمن في التبابعة وأعقابهم. ثم نرجع إلى ذكر معاصرهم من العجم وهم ملوك بابل من السريانيّين، ثم ملوك الموصل ونينوى من الجرامقة، ثم القبط وملوكهم بمصر، ثم بني إسرائيل ودولهم ببيت المقدس قبل تخريب بختنصر وبعده، وبالصابئة، ثم الفرس ودولهم  الأولى والثانية، ثم يونان ودولهم الإسْكندر وقومه، ثم الروم ودولهم في القياصرة وغيرهم.   ثم نرجع إلى ذكر الطبقة الثالثة وهم العرب التابعة للعرب من قضاعة وقحطان وعدنان وشعبيها العظيمين ربيعة ومضر. فنبدأ بقضاعة وأنسابهم، وما كان لهم من الملك البدوي في آل النعمان بالحيرة والعراق ومن زاحمهم فيها من ملوك كندة بني حجر آكل المرار. ثم ما كان لهم أيضاً من الملك البدوي بالشام في بني جفنة بالبلقاء والأوس والخزرج بالمدينة النبوية. ثم عدنان وأنسابهم وما كان لهم من الملك بمكة في قريش، ثم ما شرفهم الله به وجيل الآدميين أجمع من النبوة، وذكر الهجرة والسير النبوية، ثم نذكر ما أكرمهم الله به من الخلافة والملك، فنترجم للخلفاء الأربعة وما كان على عصرهم من الردَّة والفتوحات والفتن. ثم نذكر خلفاء الإسلام من بني أمية



 وما كان لعهدهم من أمر الخوارج. ثم نذكر خلفاء الشيعة وما كان لهم من الدول في الإسلام. والأولى الدولة العظيمة لبني العبَّاس التي انتشرت في أكثر ممالك الإسلام، ثم دولة العلوية المزاحمين لها بعد صدر منها وهي دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى، ثم دولة العبيدية من الإسماعيلية بالقيروان ومصر، ثم القرامطة بالبحرين، ثم دعاة طبرستان والديلم، ثم ما كان من هؤلاء العلوية بالحجاز. ثم نذكر بني أمية المنازعين لبني العباس بالأندلس، وما كان لهم من الدولة هنالك، والطوائف من بعدهم، ثم نرجع إلى ذكر المستبدين بالدعوة العباسية بالمغرب والنواحي، وهم بنو الأغلب بأفريقية وبنو حمدان بالشام وبنو المقلد بالموصل، وبنو صالح بن كلاب بحلب، وبنو مروان بديار بكر، وبنو أسد بالحلة، وبنو زياد باليمن، وبنو هود بالأندلس.

 ثم نرجع إلى القائمين بالدعوة العبيدية بالنواحي وهم الصليحيون باليمن، وبنو أبي الحسن الكلبي بصقلية وصنهاجة بالمغرب. ثم نرجع إلى المستبدين بالدعوة العباسية من العجم في النواحي، وهم بنو طولون بمصر، ومن بعدهم بنو طغج، وبنو الصفار بفارس وسجستان، وبنو سامان فيما وراء النهر، وبنو سبكتكين في غزنة وخراسان، وغورية في غزنة والهند، وبنو حسنويه من الكرد في خراسان. ثم نرجع إلى ذكر المستبدين على الخلفاء ببغداد من العجم، وهم أهل الدولتين العظيمتين القائمتين بملك الإسلام من بعد العرب، وهم بنو بويه من الديلم والسلجوقية من الترك. ثم نرجع إلى ملوك السلجوقية المستبدين بالنواحي، وهم بنو طغتكين بالشام ،وبنو قطلمش ببلاد الروم، وبنو خوارزم شاه ببلاد العجم وما وراء النهر، وبنو سقمان بخلاط وأرمينية، وبنو أرتق بماردين، وبنو زنكي بالشام، وبنو أيوب بمصر والشام. ثم الترك الذين ورثوا ملكهم هنالك، وبنو رسول باليمن. ثم نرجع إلى ذكر التتر من الترك القائمين على دولة الإسلام والماحين للخلافة العبَّاسية، ثم ما كان من دخولهم في دين الإسلام وقيامهم بالملك بالنواحي، وهم بنو هولاكو بالعراق، وبنو ذو شيخان بالشمال، وبنو أرتنا ببلاد الروم، ومن بعد بني هولاكو بنو الشيخ حسن ببغداد، وتوريز،و بنو المظفر بأصبهان وشيراز وكرمان،وبعد بني أرتنا ملوك بني عثمان من التركمان ببلاد الروم وما وراءها.



 ثم نرجع إلى الطبقة الرابعة من المغرب وهم المستعجمة ومن له ملك بدوي منهم بالمغرب والمشرق. ثم نخرج بعد ذكر ذلك إلى ذكر البربر ودولهم بالمغرب والمشرق. ثم نخرج بعد ذلك إلى ذكر البربر ودولهم بالمغرب لأنهم كانوا من شرط كتابنا. وهنالك نذكر برنامج دولهم والله سبحانه أعلم.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق