195
تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )
الفصل الخامس والعشرون
علم الطب
ومن فروع الطبيعيات صناعة الطب، وهي صناعة تنظر في بدن الإنسان من حيث يمرض ويصح؛ فيحاول صاحبها حفظ الصحة وبرء المرض بالأدوية والأغذية ، بعد أن يبين المرض الذي يخص كل عضو من أعضاء البدن، وأسباب تلك الأمراض التي تنشأ عنها، وما لكل مرض من الأدوية؛ مستدلين على ذلك بأمزجة الأدوية وقواها، وعلى المرض بالعلامات المؤذنة بنضجه وقبوله للدواء، أولاً: في السجية والفضلات والنبض، محاذين لذلك قوة الطبيعة، فإنها المدبرة في حالتي الصحة والمرض. وإنما الطبيب يحاذيها ويعينها بعض الشيء، بحسب ما تقتضيه طبيعة المادة والفصل والسن، ويسمى العلم الجامع لهذا كله علم الطب. وربما أفردوا بعض الأعضاء بالكلام وجعلوه علماً خاصاً، كالعين وعالمها وأكحالها. وكذلك الحقوا بالفن منافع الأعضاء ومعناه المنفعة التي خلق لأجلها كل عضو من أعضاء البدن الحيوانى. وإن لم يعن ذلك من موضوع علم الطب، إلا أنهم جعلوه من لواحقه وتوابعه.ولجالينوس في هذا الفن كتاب جليل، عظيم المنفعة، وهو إمام هذه الصناعة التي ترجمت كتبه فيها من الأقدمين، يقال إنه كان معاصراً لعيسى عليه السلام، ويقال إنه مات بصقلية في سبيل تغلب ومطاوعة اغتراب. وتآليفه فيها هي الأمهات التي
اقتدى بها جميع الأطباء من بعده. وكان في الإسلام في هذه الصناعة أئمة جاءوا من وراء الغاية،مثل الرازي والمجوسي وابن سينا، ومن أهل الأندلس أيضاً كثير. وأشهرهم ابن زهر. وهي لهذا العهد في المدن الإسلامية كأنها نقصت لوقوف العمران وتناقصه، وهي من الصنائع التي لا تستدعيها إلا الحضارة والترف كما نبينه بعد.وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، ويتداولونه متوارثاً عن مشايخ الحي وعجائزه؛ وربما يصح منه البعض، إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا عن موافقة المزاجٍ. وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون: كالحرث بن كلدة وغيره. والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شي وإنما. هو أمر كان عادياً للعرب. ووقع في ذكر أحوال النبي ?، من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة، لا من جهة ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل. فإنه ? إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطمث ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: <<أنتم أعلم بأمور دنياكم>>. فلا ينبغي أن يحمل شيء من الذي وقع من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه؛ اللهم إلا أن استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني؛ فيكون له أثر عظيم في النفع. وليس ذلك من الطب المزاجي وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية، كما سوقع في مداواة المبطون بالعسل ونحوه. والله الهادي إلى الصواب لا رب سواه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق