إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 11 ديسمبر 2014

231 تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون ) المجلد الثانى المقدمة الأولى من صفحة 3 - 147 في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام علي الجملة في أنسابهم


231

تاريخ ابن خلدون ( ابن خلدون )

المجلد الثانى

المقدمة الأولى

من صفحة 3 - 147

في أمم العالم واختلاف أجيالهم والكلام علي الجملة في أنسابهم

اعلم أنّ الله سبحانه وتعالى اعتمر هذا العالم بخلقه، وكّرم بني آدم باستخلافهم في أرضه، وبثهم في نواحيها لتمام حكمته، وخالف بين أممهم وأجيالهم إظهارا لآياته، فيتعارفون بالأنساب، ويختلفون باللغات والألوان، ويتمايزون بالسير والمذاهب والأخلاق، ويفترقون بالنِحَلِ والأديان والأقاليم والجهات. فمنهم العرب والفرس والروم وبنو إسرائيل والبربر، ومنهم الصقالبة والحبش والزنج، ومنهم أهل الهند وأهل بابل وأهل الصين وأهل اليمن وأهل مصر وأهل المغرب. ومنهم المسلمون والنصارى



 واليهود والصابئة والمجوس، ومنهم أهل الوبِرَ وهم أصحاب الخيام والحلل وأهل المَدَرِ وهم أصحاب المجاشر والقرى والأطم، ومنهم البدو الظواهر والحضر الأهلون. ومنهم العرب أهل البيان والفصاحة والعجم أهل الرطانة بالعبرانية والفارسية والإغريقية والطينية والبربرية. خالف أجناسهم وأحوالهم وألسنتهم وألوانهم ليتم أمر الله في اعتمار خصوصياتهم ونحلهم فتظهر آثار القدرة وعجائب الصنعة وآيات الوحدانية أنّ في ذلك لآيات للعالمين.

واعلم أنّ الامتياز بالنسب أضعف المميزات لهذه الأجيال والأمم لخفائه  واندراسه بدروس الزمان وذَهابه. ولهذا كان الاختلاف كثيراً ما يقع في نَسَبِ الجيل الواحِد أوّ الأمَّة الواحدة، إذا اتصلت مع الأيام وتشعَّبت بطونُها على الأحقاب كما وقع في نسب كثير من أهل العالم مثل اليونانيين والفرس والبربر وقحطان من العرب. فإذا اختلفت الأنساب واختلفت فيها المذاهب وتباينت الدعاوى استظهر كل ناسب على صحَّة ما ادَّعاه بشواهد الأحوال والمتعارف من المقارنات في الزمان والمكان وما يرجع إلى ذلك من خصائص القبائل وسمِات الشعوب والفِرَق التي تكون فيهم منتقلة، متعاقبة في بنيهم.

وسُئلَ مالك رحمه الله تعالى عن  الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك وقال من  أين يعلم ذلك؟ فقيل له فإلى إسماعيل فأنكر ذلك، وكره أيضاً أنّ يُرْفَعَ في أنساب الأنبياء، مثل أنّ يقال: إبراهيم بن فلان بن فلان، وقال من يخبره به. وكان بعضهم إذا تلا قوله تعالى: {والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله }[سورة:..] قال: كَذَبَ النسابون. واحتجوا أيضاً بحديث ابن عباس أَنَّه صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال من ههنا كذب النسابون. واحتجوا أيضاً بما ثبت في أَنه علم لا ينفع، وجهالة لا تضرّ، إلى غير ذلك من الاستدلالات.
وذهب كثير من أئمة المحدَثين والفقهاء مِثْلُ ابن إسحق والطبري والبخاري إلى جواز الرفع في الأنساب، ولم يكرهوه ،محتجين بعمل السلف، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه أنسبَ قرش لقريش ومضر، بل ولسائر العرب، وكذا ابن عباس، وجُبَير بن مطعم وعَقيل بن أبي طالب، وكان من بعدهم ابن شهاب والزهري وابن سيرين، وكثير من



التابعين. قالوا وتدعو الحاجة إليه في كثير من المسائل الشرعية، مثل تعصيب الوراثة وولاية النكاح، والعاقلة في الديات، والعلم بنسب النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنه القُرَشيّ الهاشمي الذي كان بمكة، وهاجر إلى المدينة، فإنّ هذا من فروض الإيمان ولا يعذر الجاهل به. وكذا الخلافة عند من يشترط النَسَبَ فيها. فهذا كله يدعو إلى معرفة الأنساب ويؤكد فضل هذا العلم وشرفه، فلا ينبغي أنّ يكون ممنوعا.

وأما حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم- لما بلغ نسبه إلى عدنان قال من ههنا كذب النسَّابون، يعني من عدنان. فقد أنكر السُهيليّ روايته من طريق ابن عبّاس مرفوعاً، وقال الأَصح أنه موقوف على ابن مسعود. وخرّج السُهَيلىّ عن أُمِّ سلمة أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم- قال: مُعَدُّ بن عَدنان بن أدَدٍ بن زَيدٍ البِّري بن أَعْراق الثرى. قال وفسرت أم سلمة زيداً بأنه الهُمَيسَع والبرِّي بأنه نَبْتٌ أَوْ نابتٌ واعراق الثري بأَنه إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم، وإبراهيم لم تأْكله النار كما لا تأْكل الثرى. وردّ السُهَيلِي تفسير أمّ سَلَمَةَ وهو الصحيح، وقال إِنما معناه معنى قولi-صلى الله عليه وسلم- كلكم بنو آدم وآدم من تراب. لا يريد أنّ الهُمَيسَع ومن دونه ابن لإسماعيل لِصُلبِهِ، وعضد ذلك باتفاق الأخبار على بعد المدّة بين عدنان وإسماعيل، التي تستحيل في العادة أنّ يكون فيها بينهما أَربعة آباء، أو سبعة أو عشرة أو عشرون، لأن المدَّة أطولُ من هذا كله كما نذكره في نَسَبِ عدنان فلم يبق في الحديث مُتَمَسَّكٌ لأحدٍ من الفريقين. وأما ما رووه من أنّ النَسب عِلْمٌ لا ينفع، وجَهالة لا تَضُرُّ فقد ضَعَّفَ الأئمةُ رَفعَهُ إلى النبِيّ - صلى الله عليه وسلم- مثل الجِرجاني وأبي محمد بن حَزْم وأبي عُمَرَ بنِ عَبْدِ البر.

وأَلحقَ في الباب أنّ كل واحد من المذهبين ليس على اطلاقه، فإنّ الأنسابَ القَريبةَ التي يمكن التوصُّلُ إلى معرفتها لا يَضُرُّ الاشتغال بها لدعوى الحاجة إليها في الأُمور الشرعية من التعصيب والولاية والعاقلة وفرض الإيمان بمعرفة النبي صلى الله عليه وسلم-، ونسب الخلافة والتفرقة بين العرب والعجم في الحرية والاسترقاق، عند من يشترط ذلك كما مرَّ كله، وفي الأمور العادية أيضاً تثبت به اللُّحْمة الطبيعية التي تكون بها المدافعة والمطالبة. ومنفعةُ ذلك في إقامة المُلْكِ والدين ظاهرةً. وقد كان –صلى



 الله عليه وسلم- وأصحابه ينسبون إلى مضر ويتساءلون عن ذلك. وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم. وهذا كله ظاهر في النسب القريب، وأمَّا الأنساب البعيدة العَسَرةُ المَدْرِكِ التي لا يوقف عليها إلا بالشواهد والمقارنات، لبعد الزمان وطول الأحقاب، أو لا يوقف عليها رأسا لدروس الأجيال، فهذا قد ينبغي أنّ يكون له وجه في الكراهة، كما ذهب إليه من ذهب من أهل العلم، مثل مالك وغيره، لأنه شغل الإنسان بما لا يعنيه. وهذا وجهٌ قوله-صلى الله عليه وسلم-فيما بعد عدنان من ههنا كذَبَ النسابون. لأنها أحْقاب متطاولة ومَعالم دارِسَة لا تُثْلِجُ الصُدُورَ باليقين في شيء منها، مع أنّ علمها لا ينفع وجهلها لا يضركما نقل والله  الهادي إلى الصواب.

ولنأخذ الآن في الكلام في أنساب العالم على الجملة، ونترك تفصيل كل واحد منها إلى مكانه فنقول: أنّ النسابين كلَّهم اتفقوا على أنّ الأب الأوَّل للخليقة هو آدم عليه السلام، كما وقع في التنزيل إلا ما يذكره ضُعفاء الإِخْبَاريين من أنّ الجِنَّ والطَمَّ أُمَّتان كانتا فيما زعموا من قبل آدم، وهو ضعيف متروك وليس لدينا من أخبار آدم وذريته إلاَّ ما وقع في المصحف الكريم، وهو معروفٌ بين الأئمَّة. واتفقوا على أنّ الأرض عَمُرَتْ بنسله أحقاباً وأجيالاً بعد أجيالٍ إلى عصر نوح عليه السلام، وأنه كان فيهم أنبياءٌ مثل شيثَ وإدريَس، وملوك في تلك الأجيال معدودون، وطوائف مشهورون بالنِحَلِ مثل الكلدانيين، ومعناه الموحَدون، ومِثْلُ السريانيين وهم المشركون. وزعموا أنّ أُمَمَ الصابئِة منهم، وأنهم من وُلْدِ صابئ بن لَمك بن أَخْنُوخ. وكان نِحْلَتُهُم في الكواكب والقيام لها كلها، واستنزال روحانيتّها، وأَنَّ من حزبهم الكلدانيين أي المُوَحَدِينَ. وقد ألف أبو إسحق الصابي الكاتب مقالة في أنسابهم ونحلتهم. وذكر أخبارَهم أيضاً دَاهِرُ مؤرَّخُ السريانيين، والبابا الصابي الحرَّاني، وذكروا استيلاءَهم على العالم، وجُمَلاً من نواميسهم. وقد اندرسوا وانقطع أثرهم. وقد يقال أنّ السريانيين من أهل تلك الأجيال، وكذلك النُمْروُذُ والازدِهاق وهو المسمى بالضَحَّاك من ملوك الفُرس، وليس ذلك بصحيح عند المحقَقين.

واتفقوا على أنّ الطَوَفَاَنَ الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعُمْرَانِ الأرض أجمع، بما كان من خراب المعمور ومَهْلَكِ الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبو افصار



 أهل الأرض كلُّهم من نسله، وعاد أَباً ثانياً للخليقة وهو نوحُ بْنِ لامِكْ، ويُقَالُ لَمَكَ بن مَتوشَلَخ بفتح اللام وسكونها ابن خنوخ، ويقال أخنوخ ويقال أَشْنَخ ويقال أَخْنَخ، وهو إدريس النبيُّ فيما قاله ابن إسحق بن بيرد، ويقال بيرد بن مَهْلائيل، ويقال ماهلايلَ بن قاين، ويقال قينن بن أنوش، ويقال يا نش بن شيث بن آدم، ومعنى شيث عطَّية الله هكذا نَسَبَهُ ابنُ إسحق وغيُرُه من الأئمة، وكذا وقع في التوارة نسبه، وليس فيه اختلاف بين الأئمة. ونقل ابن إسحق أنّ خنوخ الواقعُ إسمَهُ في هذا النسب هو إدريس النبيُّ صلوات الله عليه، وهو خلاف ما عليه الأكثر من النسَّابين، فإن إدريس عندهم ليس بجدًّ لنوح، ولا في عمود نسبه وقد زعم الحكماء الأقدمون أيضاً أنّ إدريس هو هرمس المشهور بالإمامة في الحكمة عندهم. وكذلك يقال: أنّ الصابئة من ولد صابىء بن لامك وهو أخو نوح عليه السلام. وقيل أنّ صابىء متوشلخ جدّه.

واعلم أنّ الخلاف الذي في ضبط هذه الأسماء إِنَّما عرض في مخارج الحروف، فإن هذه الأسماء إنما أخذها العرب من أهل التوراة ومخارج الحروف في لغتهم غير مخارجها في لغة العرب، فإذا وقع الحرف متواسطاً بين حرفين من لغة العرب، فتردّه العرب تارة إلى هذا وتارة إلى هذا. وكذلك إشباع الحركات قد تحذفه العرب إذا نقلت كلامَ العجم، فمن ههنا اختلف الضبط في هذه الأسماء.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق