إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 30 يوليو 2016

356 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر اختلاف الفرنج بالشام وإنحياز القمص صاحب طرابلس إلى صلاح



356


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر اختلاف الفرنج بالشام وإنحياز القمص صاحب طرابلس إلى صلاح

كان القمص صاحب طرابلس واسمه ريمند بن ريمند الصنجيلي قد تزوج بالقومصة صاحبة طبرية وانتقل إليها وأقام عندها بطبرية ومات ملك الفرنج بالشام وكان مجذومًا وأوصى بالملك إلى ابن أخت له وكان صغيرًا فكفه القمص وقام بسياسة الملك وتدبيره لأنه لم يكن للفرنج ذلك الوقت أكبر من شأنًا ولا أشجع ولا أجود رأيًا منه فطمع في الملك بسبب هذا الصغير فاتفق أن الصغير توفي فانتقل الملك إلى أمه فبطل ما كان القمص يحدث نفسه به‏.‏

ثم إن هذه الملكة هويت رجلًا من الفرنج الذين قدموا الشام من الغرب اسمه كي فتزوجته ونقلت الملك إليه وجعلت التاج على رأسه وأحضرت البطريك والقسوس والرهبان والإسبتارية والدواية والبارونية وأعلمتهم أنها قد ردت الملك إليه وأشهدتهم عليها بذلك فأطاعوه ودانوا له فعظم ذلك على القمص وسقط في يديه طولب بحساب ما جبى من الأموال مدة ولاية ذلك الصبي فأدعى أنه أنفقه عليه وزاده ذلك نفورًا وجاهر بالمشاقة والمباينة وراسل صلاح الدين وانتمى إليه واعتضد به وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك ووعده النصرة والسعي له في كل ما يريده وضمن له أنه يجعله ملكًا مستقلًا للفرنج قاطبة وكان عنده جماعة من فرسان القمص أسرى فأطلقهم فحل ذلك عنده أعظم محل وأظهر طاعة صلاح الدين ووافقه على ما فعل جماعة من الفرنج فاختلفت كلمتهم وتفرق شملهم وكان ذلك من أعظم الأسباب الموجبة لفتح بلادهم واستنفاذ البيت المقدس منهم على ما نذكره إن شاء الله‏.‏

وسير صلاح الدين السرايا من ناحية طبرية فشنت الغارات على بلاد الفرنج وخرجت سالمة غانمة فوهن الفرنج بذلك وضعفوا وتجرأ المسلمون عليهم وطمعوا فيهم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


355 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر نقل العادل من حلب والملك العزيز إلى مصر



355


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر نقل العادل من حلب والملك العزيز إلى مصر

وإخراج الأفضل من مصر إلى دمشق وإقطاعه إياها في هذه السنة أخرج صلاح الدين ولده الأفضل عليًا من مصر إلى دمشق وأقطعها له وأخذ حلب من أخيه العادل وسيره مع ولده العزيز عثمان إلى مصر وجعل نائبًا عنه واستدعي تقي الدين منها‏.‏

وسبب ذلك أنه كان قد استناب تقي الدين بمصر كما ذكرناه وجعل معه ولده الأكبر الأفضل عليًا فأرسل تقي الدين يشكو من الأفضل ويذكر أنه قد عجز عن جباية الخراج معه لأنه كان حليمًا كريمًا إذا أراد تقي الدين معاقبة أحد منعه فأحضر ولده الأفضل وقال لتقي الدين‏:‏ لا تحتج في الخراج وغيره بحجة وتغير عليه بذلك وظن أنه يريد إخراج ولده الأفضل لينفرد بمصر حتى يملكها إذا مات صلاح الدين فلما قوي هذا الخاطر عنده أحضر أخاه العادل من حلب وسيره إلى مصر ومعه ولده العزيز عثمان واستدعى تقي الدين إلى الشام فامتنع من الحضور وجمع الأجناد والعساكر ليسير إلى المغرب إلى مملوكه قراقوش وكان قد استولى على جبال نفوسة وبرقة وغيرها وقد كتب إليه يرغبه في تلك البلاد فتجهز للمسير إليه واستصحب معه فلم سمع ذلك صلاح الدين ساءه وعلم أنه إن أرسل إليه يمنعه لم يجبه فأرسل إليه يقول له‏:‏ أريد أن تحضر عندي لأودعك وأوصيك بما تفعله فلما حضر عنده منعه وزاد في إقطاعه فصار إقطاعه عندي لأودعك وأوصيك بما تفعله فلما حضر عنده منعه وزاد في إقطاعه فصار إقطاعه حماة ومنبج والمعزة وكفر طاب وميافارقين وجبل جور بجميع أعمالها وكان تقي الدين قد سير في مقدمته مملوكه بوزابة فاتصل بقراقوش وكان منهم ما ذكرناه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة‏.‏

وقد بلغني من خبير بأحوال صلاح الدين أنه إنما حمله على أخذ حلب من العادل وإعادة تقي الدين إلى الشام أن صلاح الدين لما مرض بحران على ما ذكرناه أرجف بمصر أنه قد مات فجرى من تقي الدين حركات من يريد أن يستبد بالملك فلما عوفي صلاح الدين بلغه ذلك فأرسل الفقيه عيس الهكاري وكان كبير القدر عنده مطاعًا في الجند إلى مصر وأمره بإخراج تقي الدين والمقام بمصر فسار مجدًا فلم يشعر تقي الدين إلا وقد دخل الفقيه عيس إلى داره بالقاهرة وأرسل إليه يأمره بالخروج منا فطلب أن يمهل إلى أن يتجهز فلم يفعلن وقال‏:‏ تقيم خارج المدينة وتتجهز‏.‏

فخرج وأظهر أنه يريد الدخول إلى الغرب فقال له‏:‏ اذهب حيث شئت فلما سمع صلاح الدين الخبر أرسل إليه يطلبه فسار إلى الشام فأحسن إليه ولم يظهر له وأما أخذ حلب من العادل فإن السبب فيه أنه كان من جملة جندها أمير كبير اسمه سليمان بن جندر بينه وبين صلاح الدين صحبة قدية قبل الملك وكان صلاح الدين يعتمد عليه وكان عاقلًا ذا مكر ودهاء فاتفق أن الملك العادل لما كان بحلب مل يفعل معه ما كان يظنه وقدم غيره عليه فتأثر بذلك‏.‏

فلما مرض صلاح الدين وعوفي سار إلى الشام فسايره يومًا سليمان ابن جندر فجرى حديث مرضه فقال له سليمان‏:‏ بأي رأي كنت تظن أنك تمضي إلى الصيد فلا يخالفونك بالله ما تستحي يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة قال‏:‏ وكيف ذلك وهو بضحك قال‏:‏ إذا أراد الطائر أن يعمل عشًا لفراخه قصد أعالي الشجر ليحمي فراخه وأنت سلمت الحصون إلى أهلك وجعلت أولادك على الأرض‏.‏

هذه حلب بيد أخيك وحماه بيد تقي الدين وحصن بيد ابن شيركوه وابنك العزيز مع تقي الدين بمصر يخرجه أي وقت أراد وهذا ابنك الآخر مع أخيك في خيمه يفعل به ما أراد‏.‏

فقال له‏:‏ صدقت واكتم هذا الأمر ثم أخذ حلب من أخيه وأخرج تقي الدين من مصر ثم أعطى أخاه العادل حران والرها وميافارقين ليخرجه من الشام ومصر لتبقى لأولاده فلم ينفعه ما فعل لما أراد الله تعالى نقل الملك عن أولاده على ما نذكر‏.‏

في هذه السنة في أولها توفي البهلوان محمد بن إيلدكز صاحب بلد الجبل والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد وكان عادلًا حسن السيرة عاقلًا حليمًا ذا سياسة حسنة للملك وكانت تلك البلاد في أيامه آمنة والرعايا مطمئنة فلما مات جرى بأصفهان بين الشافعية والحنفية من الحروب والقتل والإحراق والنهب ما يجل عن الوصف وكان قاضي البلد رأس الحنفية وابن الخجندي رأس الشافعية وكان بمدينة الري أيضًا فتنة عظيمة بني السنة والشيعة وتفرق أهلها وقتل منهم وخربت المدينة وغيرها من البلاد‏.‏

ولما مات البهلوان ملك أخوه قزل أرسلان واسمه عثمان وكان السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه مع البهلوان والخطبة له في البلاد بالسلطنة وليس له من الأمر شيء وإنما البلاد والأمراء والأموال بحكم البهلوان فلما مات البهلوان خرج طغرل عن حكم قزل ولحق به جماعة من الأمراء والجند فاستولى على بعض البلاد وجرت بينه وبين قزل حروب نذكرها إن شاء الله تعالى‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


354 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث



354


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة فارق الرضي أبو الخير إسماعيل القزويني الفقيه الشافعي بغداد وكان مدرس النظامية بها وعاد إلى قزوين ودرس فيها بعده الشيخ أبو طالب المبارك صاحب ابن الخل وكان من العلماء الصالحين‏.‏

وفيها كان بني أهل الكرخ ببغداد وبين أهل باب البصرة فتنة عظيمة جرح فيها كثير منهم وقتل ثم أصلح النقيب الظاهر بينهم‏.‏

وفيها توفي الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي وكان عالمًا بمذهب الشافعي وله نظم حسن ونثر أجاد فهي وكان من محاسن الدنيا وكانت وفاته بحمص‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

353 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك الملثمين والعرب إفريقية وعودها إلى الموحدين



353


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك الملثمين والعرب إفريقية وعودها إلى الموحدين

قد ذكرنا سنة ثمانين ملك علي بن إسحق الملثم بجاية وإرسال يعقوب ابن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب العساكر واستعادتها فسار علي إلى إفريقية فلما وصل إليها اجتمع سليم ورباح ومن هناك من العرب وانضاف إليهم الترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع قراقوش وقد تقدم ذكر وصوله إليها ودخل أيضًا من أتراك مصر مملوك لتقي الدين ابن أخي صلاح الدين اسمه بوزابة فكثر جمعهم وقويت شوكتهم فلما اجتمعوا بلغت عدتهم مبلغًا كثيرًا وكلهم كاره لدولة الموحدين واتبعوا جميعهم علي ابن إسحاق الملثم لأنه من بيت المملكة والرياسة القديمة وانقادوا إليه ولقبوه بأمير المسلمين وقصدوا بلاد إفريقية فملكوها جميعها شرقًا وغربًا إلا مدينتي تونس والمهدية فإن الموحدين أقاموا بهما وحفظوهما على خوف وضيق شدة وانضاف إلى المفسد الملثم كل مفسد في تلك الأرض ومن يريد الفتنة والنهب والفساد والشر فخربوا البلاد والحصون والقرى وهتكوا الحزم وقطعوا الأشجار‏.‏

وكان الوالي على إفريقية حينئذ عبد الواحد بن عبد الله الهنتاتي وهو بمدينة تونس فأرسل إلى ملك المغرب يعقوب وهو بمراكش يعلمه الحال وقصد اللثم جزيرة باشرا وهي بقرب تونس تشتمل على قرى كثيرة فنازلها وأحاط بها فطلب أهلا منه الأمان فأمنهم فلما دخلها العسكر نهبوا جميع ما فيها من الأموال والدواب والغلات وسلبوا الناس حتى أخذوا ثيابهم وامتدت الأيدي إلى النساء والصبيان وتركوهم هلكى فقصدوا مدينة تونس فأما الأقوياء فكانوا يخدمون ويعملون ما يقوم بقوتهم وأما الضعفاء فكانوا يستعطون ويسألون الناس ودخل عليهم فصل الشتاء فأهلكهم البرد ووقع فيهم الوباء فأحصي الموتى منهم فكانوا اثنتي عشر ألفًا هذا من موضع واحد فما الظن بالباقي‏.‏

ولما استولى الملثم على إفريقية قطع خطبة أولاد عبد المؤمن وخطب للإمام الناصر لدين الله الخليفة العباسي وأرسل إليه يطلب الخلع والأعلام السود‏.‏

وقصد في سنة اثنتين وثمانين مدينة قفصة فحصرها فأخرج أهلها الموحدين من عساكر ولد عبد المؤمن وسلموها إلى الملثم فرتب فيها جندًا من الملثمين والأتراك وحصنها بالرجال مع حصانتها في البناء‏.‏

وأما يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فإنه لما وصله الخبر اختار من عساكره عشرين ألف فارس من الموحدين وقصد قلة العسكر لقلة القوت في البلاد ولما جرى فيها من التخريب والأذى وسار في صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة فوصل إلى مدينة تونس وأرسل ستة آلاف فارس مع ابن أخيه فساروا إلى علي بن إسحق الملثم ليقاتلوه وكان بقفصة فوافوه وكان مع الموحدين جماعة من الترك فخامروا عليهم فانهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدميهم وكان ذلك في ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين‏.‏

فلما بلغ يعقوب الخبر أقام بمدينة تونس إلى نصف رجب من السنة ثم خرج فيمن معه من العساكر يطلب الملثم والأتراك فوصل إليهم فالتقوا بالقرب من مدينة قابس واقتتلوا فانهزم الملثم ومن معه فأكثر الموحدون القتل حتى كادوا يفنونهم فلم ينج منهم إلا القليل فقصدوا البر ورجع يعقوب من يومه إلى قابس ففتحها وأخذ منها أهل قراقوش وأولاده وحملهم إلى مراكش وتوجه إلى مدينة قفصة فحصرها ثلاثة أشهر وقطع أشجارها وخرب ما حولها فأرسل إليه الترك الذين فيها يطلبون الأمان لأنفسهم ولأهل البلد فأجابهم إلى ذلك وخرج الأتراك منها سالمين وسير الأتراك إلى الثغور لما رأى من شجاعتهم ونكايتهم في العدو وتسلم يعقوب البلد وقتل من فيه من الملثمين وهدم أسواره وترك المدينة مثل قرية وظهر ما أنذر به المهدي بن تومرت فإنه قال إنها تخرب أسوارها وتقطع أشجارها وقد تقدم ذلك ذلك فلما فرغ يعقوب من أمر قفصة واستقامت إفريقية عاد إلى مراكش وكان وصوله إليها سنة أربع وثمانين وخمسمائة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


352 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة والموصل




352


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة والموصل

في هذه السنة ابتدأت الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة والموصل وديار بكر وخلاط والشام وشهرزور وأذربيجان وقتل فيها من الخلق ما لا يحصى ودامت عدة سنين وتقطعت الطرق ونهبت الأموال وأريقت الدماء‏.‏

وكان سببها أن امرأة من التركمان تزوجت بإنسان تركماني واجتازوا في طريقهم بقلعة من الزوزان للأكراد فجاء أهلها وطلبوا من التركمان وليمة العرس فامتنعوا من ذلك وجرى بينهم كلام صاروا منه إلى القتال فنزل صاحب تلك القلعة فأخذ الزوج فقتله فهاجت الفتنة وقام التركمان على ساق وقتلوا جمعًا كثيرًا من الأكراد وثار الأكراد فقتلوا من التركمان أيضًا كذلك وتفاقم الشر ودام‏.‏

ثم إن مجاهد الدين قايماز رحمه الله جمع عنده جمعًا من رؤساء الأكراد والتركمان وأصلح بينهم وأعطاهم الخلع والثياب وغيرها وأخرج عليهم مالًا جمًا فانقطعت الفتنة وكفى الله شرها وعاد الناس إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة والأمان‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

351 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عود صلاح الدين إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين أتابك عز الدين



351


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عود صلاح الدين إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين أتابك عز الدين

لما فرغ صلاح الدين من أمر ميافارقين وأحكم قواعدها وقرر أقطاعها وولاياتها أجمع على العود إلى الموصل فسار نحوها وجعل طريقه على نصيبين فوصل إلى كفر زمار والزمان شتاء فنزلها في عسكره وعزم على المقام بها وإقطاع جميع بلاد الموصل وأخذ غلالها ودخلها وإضعاف الموصل بذلك إذ علم أنه لا يمكنه التغلب عليها وكان نزوله في شعبان وأقام بها شعبان ورمضان وتردد الرسل بينه وبين عز الدين صاحب الموصل وصار مجاهد الدين يراسل ويتقرب وكن قوله مقبولًا عند سائر الملوك لما علموا من صحته‏.‏

فبينما الرسل تتردد في الصلح إذ مرض صلاح الدين وسار من كفر زمار عائدًا إلى حران فلحقه الرسل بالإجابة إلى ما طلب فتقرر الصلح وحلف على ذلك وكاتب القاعدة أن يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي وجميع ما وراء الزاب من الأعمال وأن يخطب له على منابر بلاده ويضرب اسمه على السكة فلما حلف أرسل رسله فحلف عز الدين له وتسلموا البلاد التي استقرت القاعدة على تسليمها‏.‏

ووصل صلاح الدين إلى حران فأقام بها مريضًا وأمنت الدنيا وسكنت الدهماء وانحسمت مادة الفتن وكان ذلك بتوصل مجاهد الدين قايماز رحمه الله‏.‏

وأما صلاح الدين فإنه طال مرضه بحران وكان عنده من أهله أخوه الملك العادل وله حينئذ حلب وولده الملك العزيز عثمان واشتد مرضه حتى أيسوا من عافيته فحلف الناس لأولاده وجعل لكل منهم شيئًا من البلاد معلومًا وجعل أخاه العادل وصيًا على الجميع ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة‏.‏

ولما كان مريضًا بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه وله من الأقطاع حمص والرحبة فسار من عنده إلى حمص فاجتاز بحلب وأحضر جماعة من أحداثها وأعطاهم مالًا ولما وصل إلى حمص راسل جماعة من الدمشقيين وواعدهم على تسليمهم البلد إليه إذا مات صلاح الدين وأقام بحمص ينتظر موته ليسير إلى دمشق فيملكها فعوفي وبلغه الخبر على جهته فلم يمض غير قليل حتى مات ابن شيركوه ليلة عيد الأضحى فإنه شرب الخمر وأكثر منها فأصبح ميتًا فذكروا والعهدة عليهم أن صلاح الدين وضع عليه إنسانًا يقال له الناصح بن العميد وهو من دمشق فحضر عنده ونادمه وسقاه سمًا فلما أصبحوا من الغد لم يروا الناصح فسألوا عنه فقيل‏:‏ إنه سار من ليلته إلى صلاح الدين فكان هذا مما قوى الظن‏.‏

فلما توفي أعطى أقطاعه لولده شيركوه وعمره اثنتا عشرة سنة‏.‏

وخلف ناصر الدين من الأموال والخيل والآلات شيئًا كثيرًا فحضر صلاح الدين في حمص واستعرض تركته وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه‏.‏

وبلغني أن شيركوه بن ناصر الدين حضر عند صلاح الدين بعد موت أبيه بسنة فقال له‏:‏ إلى أين بلغت من القرآن فقال‏:‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏ «‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا‏» ‏ ‏ «‏النساء‏:‏ 10‏» ‏‏.‏ فعجب صلاح الدين والحاضرون من ذكائه‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الخميس، 28 يوليو 2016

350 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك صلاح الدين ميافارقين



350


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك صلاح الدين ميافارقين

لما سار صلاح الدين إلى خلاط جعل طريقه على ميافارقين مطمع ملكها حيث كان صاحبه قطب الدين صاحب ماردين قد توفي كما ذكرنا وملك بعد ابنه وهو طفل وكان حكمها إلى شاه أرمن وعسكره فيها فلما توفي طمع في أخذها فلما نازلها رآها مشحونة بالرجال وبها زوجة قطب الدين المتوفي ومعها بنات لها منه وهي أخت نور الدين محمد صاحب الحصن فأقام صلاح الدين عليها يحصرها من أول جمادى الأولى‏.‏

وكان المقدم على أجنادها أميرًا اسمه يرنقش ولقبه أسد الدين وكان شجاعًا شهمًا يحفظ البلد فأحسن إليه واشتد القتال عليه ونصبت المجانيق والعرادات فلم يصل صلاح الدين إلى ما يريد منها فلما رأى ذلك عدل عن القوة والحرب إلى أعمال الحيلة فراسل امرأة قطب الدين المقيمة بالبلد يقول لها‏:‏ إن أسد الدين يرنقش قد مال إلينا في تسليم البلد ونحن نرعى حق أخيك نور الدين فيك بعد وفاته ونريد أن يكون لك في هذا الأمر نصيب وأنا أزوج بناتك بأولادي وتكون ميافارقين وغيرها لك وبحكمك ووضع من أرسل إلى أسد يعرفه أن الخاتون قد مالت للمقاربة والانقياد إلى السلطان وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموا إليه فخذ لنفسك‏.‏

واتفق أن رسولًا وصله من خلاط يبذلون له الطاعة وقالوا له من الاستدعاء إليهم ما كانوا يقولونه فأمر صلاح الدين الرسول فدخل إلى ميافارقين وقال لأسد‏:‏ أنت عمن تقاتل وأنا قد جئت في تسليم خلاط إلى صلاح الدين‏!‏ فسقط في يده وضعفت نفسه وأرسل يقترح أقطاعًا ومالًا فأجيب إلى ذلك وسمل البلد سلخ جمادى الأولى وعقد النكاح لبعض أولاده على بعض



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


349 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وفاة نور الدين صاحب الحصن



349


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وفاة نور الدين صاحب الحصن

في هذه السنة توفي نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود صاحب الحصن وآمد لما كان صلاح الدين على الموصل وخلف ابنين فملك الأكبر منهما واسمه سقمان ولقبه قطب الدين وتولى تدبير الأمور وزيره القوام بن سماقا الأسعردي‏.‏

وكان عماد الدين بن قرا أرسلان قد سيره أخوه نور الدين في عساكره إلى صلاح الدين وهو يحاصر الموصل وهو معه فلما بلغه خبر وفاة أخيه سار ليملك البلاد بعد لصغر أولاده فتعذر عليه ذلك فسار إلى خرت برت فملكها وهي بيد أولاده إلى سنة عشرين وستمائة ولما حصر صلاح الدين ميافارقين حضر عنده ولد نور الدين فأقره على ملك أبيه ومن جملته آمد وكانوا خافوا أن يأخذها منهم فلم يفعل وردهم إلى بلادهم وشرط عليهم أن يراجعوه فيما يفعلونه ويصدروا عن أمره ونهيه ورتب معه أميرًا لقبه صلاح الدين من أصحابه أبيه‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


348 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر حصر صلاح الدين الموصل ورحيله عنها لوفاة شاه أرمن



348


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر حصر صلاح الدين الموصل ورحيله عنها لوفاة شاه أرمن

في هذه السنة حصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الموصل مرة ثانية وكان مسيره من دمشق في ذي القعدة من السنة الماضية فوصل إلى حلب وأقام بها إلى أن خرجت السنة وسار منها فعبر إلى أرض الجزيرة‏.‏

فلما وصل حران قبض على مظفر الدين كوكبري بن زين الدين الذي كان سبب ملكه الديار الجزرية‏.‏

وسبب قبضه عليه أن مظفر الدين كان يراسل صلاح الدين كل وقت ويشير عليه بقصد الموصل ويحسن له ذلك ويقوي طمعه حتى إنه بذل له إذا سار إليها خمسين ألف دينار فلما وصل صلاح الدين إلى حران لم يف له بما بذل من المال وأنكر ذلك فقبض عليه ووكل به ثم أطلقه وأعاد إليه مدينتي حران والرها وكان قد أخذهما منه وإنما أطلقه لأنه خاف انحراف الناس عنه بالبلاد الجزرية لأنهم كلهم علموا بما اعتمده مظفر الدين معه من تمليكه البلاد فأطلقه‏.‏

وسار صلاح الدين عن حران في ربيع الأول فحضر عنده عساكر الحصن ودارا ومعز الدين سنجر شاه صاحب الجزيرة وهو ابن عز الدين صاحب الموصل وكان قد فارق طاعة عمه بعد قبض مجاهد الدين وسار مع صلاح الدين إلى الموصل فلما وصلوا إلى مدينة بلد سير أتابك عز الدين والدته إلى صلاح الدين ومعها ابنة عمه نور الدين محمود بن زنكي وغيرهما من النساء وجماعة من أعيان الدولة يطلبون منه المصالحة وبذلوا الموافقة والإنجاد بالعساكر ليعود عنهم وإنما أرسلهن لأنه وكل من عنده ظنوا أنهن إذا طلبن منه الشام أجابهن إلى ذلك لا سيما ومعهن ابنة مخدومه وولي نعمته نور الدين فلما وصلن إليه أنزلهن وأحضر أصحابه واستشارهم فيما يفعله ويقوله فأشار أكثرهم بإجابتهن إلى ما طلبن منه وقال له الفقيه عيسى وعلي نب أحمد المشطوب وهما من بلد الهكارية من أعمال الموصل‏:‏ مثل الموصل لا يترك لامرأة فإن عز الدين ما أرسلهن إلا وقد عجز عن حفظ البلد‏.‏

ووافق ذلك هواه فأعادهن خائبات واعتذر بأعذار غير مقبولة ولم يكن إرسالهن عن ضعف ووهن إنما أرسلهن طلبًا لدفع الشر بالتي هي أحسن‏.‏

فلما عدن رحل صلاح الدين إلى الموصل وهو كالمتيقن أنه يملك البلد وكان الأمر بخلاف ذلك فلما قارب البلد نزل على فرسخ منه وامتد عسكره في تلك الصحراء بنواحي الحلة المراقية وكان يجري بين العسكرين مناوشات بظاهر الباب العمادي وكنت إذا ذاك بالموصل وبذل العامة نفوسهم غيظًا وحنقًا لرده النساء فرأى صلاح الدين ما لم يكن يحسبه فندم على رجه النساء ندامة الكسعي حيث فاته حسن الذكر وملك البلد وعاد على الذين أشاروا بردهن باللوم والتوبيخ‏.‏

وجاءته كتب القاضي الفاضل وغيره ممن ليس له هوى في الموصل يقبحون فعله وينكرونه وأتاه وهو على الموصل زين الدين يوسف بن زين الدين صاحب إربل فأنزله ومعه أخوه مظفر الدين كوكبري وغيرهما من الأمراء بالجانب الشرقي من الموصل وسير من المنزلة علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى قلعة الجديدة من بلد الهكارية فحصرها واجتمع عليه من الأكراد والهكارية كثير وبقي هناك إلى أن رحل صلاح الدين عن الموصل‏.‏

وكان عامة الموصل يعبرون دجلة فيقاتلون من الجانب الشرقي من العسكر ويعودون ولما كان صلاح الدين يحاصر الموصل بلغ أتابك عز الدين صاحبها أن نائبه بالقلعة زلفندار يكاتبه ويصدر عن رأيه وضبط الأمور وأصلح ما كان فسد من الأحوال حتى آل الأمر إلى الصلح على ما نذكره إن شاء الله‏.‏

وحضر عند صلاح الدين إنسان بغدادي أقام بالموصل ثم خرج إلى صلاح الدين فأشار عليه بقطع دجلة عن الموصل إلى ناحية نينوى وقال‏:‏ إن دجلة إذا نقلت عن الموصل عطش أهلها فملكناها بغير قتال‏.‏

فظن صلاح الدين أن قوله صدق فعزم على ذلك حتى علم أنه لا يمكن قطعه بالكلية فإن المدة تطول والتعب يكثر ولا فائدة وراءه وقبحه عنده أصحابه فأعرض عنه‏.‏

وأقام بمكانه من أول ربيع الآخر إلى أن قارب آخره ثم رحل عنها إلى ميافارقين‏.‏

وكان سبب ذلك أن شاه أرمن صاحب خلاط توفي بها تاسع ربيع الآخر فوصل الخبر بوفاته في العشرين منه فعزم على الرحيل إليها وتملكها حيث إن شاه أرمن لم يخلف ولدًا ولا أحدًا من أهل بيته يملك بلاده بعده وإنما قد استولى عليها مملوك له اسمه بكتمر ولقبه سيف الدين فاستشار صلاح الدين أمراءه ووزراءه فاختلفوا فأما من هواه بالموصل فيشير بالمقام وملازمة الحصار لها وأما من يكره أذى البيت الأتابكي فإنه أشار بالرحيل وقال‏:‏ إن ولاية خلاط أكبر وأعظم وهي سائبة لا حافظ لها و هذه لها سلطان يحفظها ويذب عنها وإذا ملكنا تلك سهل أمر هذه وغيرها فتردد في أمره فاتفق أنه جاءه كتب جماعة من أعيان خلاط من أهلها وأمرائها يستدعونه ليسلموا إليه البلد فسار عن الموصل وكانت مكاتبة من كاتبه خديعة ومكرًا فإن شمس الدين البهلوان بن إيلدكز صاحب أذربيجان وهمذان وتلك المملكة قد قصدهم ليأخذ البلاد منهم وكان قبل ذلك قد زوج شاه أرمن على كبر سنه بنتًا له ليجعل ذلك طريقًا إلى ملك خلاط وأعمالها فلما بلغهم مسيره إليهم كاتبوا صلاح الدين يستدعونه إليهم ليسلموا البلد إليه ليدفعوا به البهلوان يدفعوه بالبهلوان ويبقى البلد بأيديهم فسار صلاح الدين وسير في مقدمته ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه ومظفر الدين بن زين الدين وغيرهم فساروا إلى خلاط ونزلوا بطوانة بالقرب من خلاط وسار صلاح الدين إلى ميافارقين وأما البهلوان فإنه سار إلى خلاط ونزل قريبًا منها وترددت رسل أهل خلاط بينهم وبينه وبين صلاح الدين ثم


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



347 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير = ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة



347


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

= ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة

== ذكر حصر صلاح الدين الموصل ورحيله عنها لوفاة شاه أرمن
== ذكر وفاة نور الدين صاحب الحصن
== ذكر ملك صلاح الدين ميافارقين
== ذكر عود صلاح الدين إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين أتابك عز الدين
== ذكر الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة والموصل
== ذكر ملك الملثمين والعرب إفريقية وعودها إلى الموحدين
== ذكر عدة حوادث
== ذكر نقل العادل من حلب والملك العزيز إلى مصر
== ذكر اختلاف الفرنج بالشام وإنحياز القمص صاحب طرابلس إلى صلاح
== ذكر غدر البرنس أرناط
== ذكر عدة حوادث


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

346 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث



346


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة توفي صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ إسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعيد أحمد في شعبان وكان قد سار في ديوان الخلافة رسولًا إلى صلاح الدين ومعه شهاب الدين بشير الخادم في معنى الصلح بينه وبين عز الدين صاحب الموصل فوصلا إلى دمشق وصلاح الدين بحصر الكرك فأقاما إلى أن عاد فلم يستقر في الصلح أمر ومرضا وطلبا العودة إلى العراق فأشار عليهما صلاح الدين بالمقام إلى أن يصطلحا فلم يفعل وسارا في الحر فمات بشير بالحسنة‏.‏

ومات صدر الدين بالرحبة ودفن بمشهد البوق وكان واحد زمانه قد جمع بين رياسة الدين والدنيا وكان ملجأ لكل خائف صالحًا كريمًا حليمًا وله مناقب كثيرة ولم يستعمل في مرضه هذا دواء توكلًا على الله تعالى‏.‏

وفيها توفي عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي الفقيه الشافعي رئيس أصفهان وكان موته بباب همذان وقد عاد الحج وله شعر فمنه‏:‏ بالحمى دار سقاها مدمعي يا سقى الله الحمى من مربع ليت شعري والأماني ضلة هل إلى وادي الغض من مرجع أذنت علوة للواشي بنا ما على علوة لو لم تسمع أو تحرت رشدًا فيما وشى أو عفت عني فما قلبي معي رحمه الله ورضي عنه وأرضاه‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

345 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وفاة صاحب ماردين وملك ولده



345


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وفاة صاحب ماردين وملك ولده

في هذه السنة مات قطب الدين إيلغازي بن نجم الدين بن ألبي بن تمرتاش ابن إيلغازي بن أرتق صاحب ماردين وملك بعده ابنه حاسم الدين بولق أرسلان وهو طفل وقام بتربيه وتدبير مملكته نظام الدين البقش مملوك أبيه وكان شاه أرمن صاحب خلاط خال قطب الدين فحكم في دولته وهو رتب البقش مع ولده وكان البقش دينًا خيرًا عادلًا حسن السيرة حليمًا فأحسن تربيته وتزود أمه فلما كبر الولد لم يمكنه النظام من مملكته لخبط وهوج فيه وكان لنظام الدين هذا مملوك اسمه لؤلؤ قد تحكم في دولته وحكم فيها فكان يحمل النظام على ما يفعله مع الولد ولم يزل الأمر كذلك إلى أن مات الولد وله أخ أصغر منه لقبه قطب الدين فرتبه النظام في الملك وليس له منه إلا الاسم والحكم إلى النظام ولؤلؤ فبقي كذلك إلى سنة إحدى وستمائة فمرض

النظام البقش فأتاه قطب الدين يعوده فلما خرج من عنده معه لؤلؤ وضربه قطب الدين بسكين معه فقتله ثم دخل إلى النظام وبيده السكين فقتله أيضًا وخرج وحده ومعه غلام له وألقى الرأسين إلى الأجناد وكانوا كلهم قد أنشأهم النظام ولؤلؤ فأذعنوا له بالطاعة فلما تمكن أخرج من أراد وترك من أراد واستولى على قلعة ماردين وأعمالها وقلعة البارعية وصور وهو إلى الآن حاكم فقيهًا حازم في أفعاله‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

344 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك الملثمين بجاية وعودها إلى أولاد عبد المؤمن



344


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك الملثمين بجاية وعودها إلى أولاد عبد المؤمن

في هذه السنة في شعبان خرج علي بن إسحاق المعروف بابن غانية وهو من أعيان الملثمين الذين كانوا ملوك المغرب وهو حينئذ صاحب جزيرة ميورقة إلى بجاية فملكها وسبب ذلك أنه لما سمع بوفاة يوسف بن عبد المؤمن عمر أسطوله فكان عشرين قطعة وسار في جموعه فأرسى في ساحل بجاية وخرجت خيله ورجاله من الشواني فكانوا نحو مائتي فارس من الملثمين وأربعة آلاف راجل فدخل مدينة بجاية بغير قتال لأنه اتفق أن واليها سار عنها قبل ذلك بأيام إلى مراكش ولم يترك فيها جيشًا ولا ممانعًا لعدم عدو يحفظها منه فجاء الملثم ولم يكن في حسابهم أنه يحدث نفسه بذلك فأرسى بها ووافقه جماعة من بقايا الدولة بين حماد وصاروا معه فكثر جمعه بهم وقويت نفسه فسمع خبره والي بجاية فعاد من طريقه ومعه من الموحدين ثلثمائة فارس فجمع من العرب والقبائل الذين في تلك الجهات نحو ألف فارس فسمع بهم الملثم وبقربهم منه فخرج إليهم وقد صار معه قدر ألف فارس وتواقفوا ساعة فانضاف جميع الجموع التي كانت مع والي بجاية إلى الملثم فانهزم حينئذ والي بجاية ومن معه من الموحدين وساروا إلى مراكش وعاد الملثم إلى بجاية فجمع جيشه وخرج إلى أعمال بجاية فأطاعه جميعهم إلا قسنطينة الهوى فحصرها إلى أن جاء جيش من الموحدين من مراكش في صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة في البر والبحر وكان بها يحيى وعبد الله أخو علي بن إسحق الملثم فخرجا منها هاربين ولحقا بأخيهما فرحل عن قسنطينة وسار إلى إفريقية‏.‏

وكان سبب إرسال الجيش من مراكش أن والي بجاية وصل إلى يعقوب بن يوسف صاحب المغرب وعرفه ما جرى ببجاية واستيلاء الملثمين عليها وخوفه عاقبة التواني فجهز العساكر في البر عشرين ألف فارس وجهز الأسطول في البحر في خلق كثير واستعادوها‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

343 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر غزو صلاح الدين الكرك



343


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر غزو صلاح الدين الكرك

في هذه السنة في ربيع الآخر سار صلاح الدين من دمشق يريد الغزو وجمع عساكره فأتته من كل ناحية ومن أتاه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب الحصن‏.‏

وكتب إلى مصر ليحضر عسكرها عنده على الكرك فنازل الكرك وحصره وضيق على من به وأمر بنصب المجانيق على ربضه واشتد القتال فملك المسلمون الربض وبقي الحصن وهو الربض على سطح جبل واحد إلا أن بينهما خندقًا عظيمًا عمقه نحو ستين ذراعًا فأمر صلاح الدين بإلقاء الأحجار والتراب فيه ليطمه فلم يقدر أحد على الدنو منه لكثرة الرمي عليهم بالسهام من الجرخ والقوس والأحجار من المجانيق فأمر أن يبني بالأخشاب واللبن ما يمكن الرجال يمشون تحته إلى الخندق ولا يصل إليهم شيء من السهام والأحجار ففعل ذلك فصاروا يمشون تحت السقائف وأرسل من فيه من الفرنج إلى ملكهم وفرسانهم يستمدونهم ويعرفونهم عجزهم وضعفهم عن حفظ الحصن فاجتمعت الفرنج عن آخرها وساروا إلى نجدتهم عجلين فلما بلغ الخبر بمسيرهم إلى صلاح الدين رحل عن الكرك إلى طرقهم ليلقاهم ويصاففهم ويعود بعد أن يهزمهم إلى الكرك فقرب منهم وخيم ونزل ولم يمكنه الدنو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك إليهم وضيقه فأقام أيامًا ينتظر خروجهم من ذلك المكان ليتمكن منهم فلم يبرحوا منه خوفًا على نفوسهم فلما رأى ذلك رحل عنهم عدة فراسخ وجعل بإزائهم من يعلمه بمسيرهم فساروا ليلًا إلى الكرك فلما علم صلاح الدين ذلك علم أنه لا يتمكن حينئذ ولا يبلغ غرضه فسار إلى مدينة نابلس ونهب كل ما على طريقه من البلاد فلما وصل إلى نابلس أحرقها وخربها ونهبها وقتل فيها وأسر من المسلمين فاستنقذهم ورحل إلى جينين فنهبها وخربها وعاد إلى دمشق ونهب ما على طريه وخربه وبث السرايا في طريقه يمينًا وشمالًا يغنون ويخربون ووصل إلى دمشق‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


342 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وفاة يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه يعقوب



342


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وفاة يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه يعقوب

في هذه السنة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن إلى بلاد الأندلس وجاز البحر إليها في جمع عظيم من عساكر المغرب فإنه جمع وحشد الفارس والراجل فلما عبر الخليج قصد غربي البلاد فحصر مدينة شنترين وهي للفرنج شهرًا فأصابه بها مرض فمات منه في ربيع الأول وحمل في تابوت إلى مدينة إشبيلية من الأندلس‏.‏

وكانت مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة وشهرًا ومات عن غير وصية بالملك لأحد من أولاده فاتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تمليك ولده أبي يوسف يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن فملكوه من الوقت الذي مات فيه أبوه لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدو فقام في ذلك أحسن قيام وأقام راية الجهاد وأحسن السيرة في الناس‏.‏

وكان دينًا مقيمًا للحدود في الخاص والعام فاستقامت له الدولة وانقادت إليه بأسرها مع سعة أقطارها ورتب ثغور الأندلس وشحنها بالرجال ورتب المقاتلة في سائر بلادها وأصلح أحوالها وعاد إلى مراكش‏.‏

وكان أبوه يوسف حسن السيرة وكان طرقه ألين من طريق أبيه مع الناس يحب العلماء ويقربهم ويشاورهم وهم أهل خدمته وخاصته‏.‏

وأحبه الناس ومالوا إليه وأطاعه من البلاد ما امتنع على أبيه وسلك في جباية الأموال ما كان أبوه يأخذه ولم يتعده إلى غيره واستقامت له البلاد بحسن فعله مع أهلها ولم يزل كذلك إلى أن توفي رحمه الله تعالى‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


341 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر إطلاق مجاهد الدين من الحبس وانهزام العجم



341


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر إطلاق مجاهد الدين من الحبس وانهزام العجم

في هذه السنة في المحرم أطلق أتابك عز الدين صاحب الموصل مجاهد الدين قايماز من الحبس بشفاعة شمس الدين البهلوان صاحب همذان وبلاد الجبل وسيره إلى البهلوان وأخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين فسار إلى قزل أولًا وهو صاحب أذربيجان فلم يمكنه من المضي إلى البهلوان وقال‏:‏ ما تختاره أنا أفعله وجهز معه عسكرًا كثيرًا نحو ثلاثة آلاف فارس وساروا نحو إربل ليحصروها فلما قاربوها أفسدوا في البلاد وخربوها ونهبوا وسبوا وأخذوا النساء قهرًا ولم يقدر مجاهد الدين على منعهم فسار إليهم زين الدين يوسف صاحب إربل في عسكره فلقيهم وهم متفرقون في القرى ينهبون ويحرقون فانتهز الفرصة فيهم بتفرقهم وألقى بنفسه وعسكره على أول من لقيه منهم فهزمهم وتمت الهزيمة على الجميع وغنم الأربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم وعاد العجم إلى بلادهم منهزمين وعاد صاحب إربل إلى بلده مظفرًا غانمًا وعاد مجاهد الدين إلى الموصل فكان يحكي‏:‏ إنني ما زلت أنتظر العقوبة من الله تعالى على سوء أفعال العجم فإنني رأيت منهم ما لم أكن أظنه يفعله مسلم بمسلم وكنت أنهاهم



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


340 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث



340


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة فتح الرباط الذي بنته أم الخليفة بالمأمونية‏.‏

وفيها في ذي الحجة توفي مكرم بن بختيار أبو الخير الزاهد ببغداد‏.‏

روى الحديث وكان كثير البكاء‏.‏

وفي جمادى الآخرة توفي محمد بن بختيار بن عبد الله أبو عبد الله المولد الشاعر ويعرف بالأبله فمن جملة شعره‏:‏ أرق دمعي لا بل أراق دمي ظلمًا بظلم من ريقه الشبم ذو قامة كالقضيب ناضرة وناظر من سقامه سقمي حصلت من وعده على أصدق ال وعد ومن وصله على التهم


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



339 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر غزو الكرك وملك العادل حلب



339


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر غزو الكرك وملك العادل حلب

لما عاد صلاح الدين والمسلمون من غزوة بيسان تجهزوا غزو الكرك فسار إليه في العساكر وكتب إلى أخيه العادل أبي بكر بن أيوب وهو نائبه بمصر يأمره بالخروج بجميع العساكر إلى الكرك‏.‏

وكان العادل قد أرسل إلى صلاح الدين يطلب منه مدينة حلب وقلعتها فأجابه إلى ذلك وأمره أن يخرج معه بأهله وماله فوصل صلاح الدين إلى الكرك في رجب ووافاه أخوه العادل في العسكر المصري وكثر جمعه وتمكن من حصره وصعد المسلمون إلى ربضه وملكه وحصر الحصن من الربض وتحكم عليه في القتال ونصب عليه سبعة مجانيق لا تزال ترمي بالحجارة ليلًا ونهارًا‏.‏

وكان صلاح الدين يظن أن الفرنج لا يمكنونه من حصر الكرك وأنهم يبذلون جهدهم في رده عنهم فلم يستصحب معه من آلاف الحصار ما يكفي لمثل ذلك الحصن العظيم والمعقل المنيع فرحل عنه منتصف شعبان وسير تقي الدين ابن أخيه إلى مصر نائبًا عنه ليتولى ما كان أخوه العادل يتولاه واستصحب أخاه العادل معه إلى دمشق وأعطاه مدينة حلب وقلعتها وأعمالها ومدينة منبج وما يتعلق بها وسيره إليها في شهر رمضان من السنة وأحضر ولده الظاهر منها إلى دمشق‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

338 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر غزو بيسان



338


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر غزو بيسان

لما فرغ صلاح الدين من أمر حلب جعل فيها ولده الملك الظاهر غازي وهو صبي وجعل معه الأمير سيف الدين يازكج وكان أكبر الأمراء الأسدية وسار إلى دمشق وتجهز للغزو ومعه عساكر الشام والجزيرة وديار بكر وسار إلى بلد الفرنج فعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من السنة فرأى أهل تلك النواحي فقد فارقوها خوفًا فقصد بيسان فأحرقها وخربها وأغار على ما هناك فاجتمع الفرنج وجاءوا إلى قبالته فحين رأوا كثرة عساكره لم يقدموا عليه فأقام عليهم وقد استندوا إلى جبل هناك وخندقوا عليهم فأحاط بهم وعساكر الإسلام ترميهم بالسهام وتناوشهم القتال فلم يخرجوا وأقاموا كذلك خمسة أيام وعاد المسلمون عنهم سابع عشر الشهر لعل الفرنج يطمعون ويخرجون فيستدرجونهم ليبلغوا منهم غرضًا فلما وأغار المسلمون على تلك الأعمال يمينًا وشمالًا ووصلوا إلى ما لم يكونوا يطمعون في الوصول إليه والإقدام عليه فلما كثرت الغنائم معهم رأوا العود إلى بلادهم بما غنموا مع الظفر أولى فعادوا إلى بلادهم على عزم الغزو‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


337 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر القبض على مجاهد الدين وما حصل من الضرر بذلك



337


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر القبض على مجاهد الدين وما حصل من الضرر بذلك

في هذه السنة في جمادى الأولى قبض عز الدين مسعود صاحب الموصل على نائبه مجاهد الدين قايماز وكان إليه الحكم في جميع البلاد واتبع في ذلك هوى من أراد المصلحة لنفسه ولم ينظر في مضرة صاحبه‏.‏

وكان الذي أشار بذلك عز الدين محمود زلفندار وشرف الدين أحمد ابن أبي الخير الذي كان أبوه صاحب الغراف وهما من أكابر الأمراء فلما أراد القبض عليه لم يقدم على ذلك لقوة مجاهد الدين فأظهر أنه مريض وانقطع عن الركوب عدة أيام فدخل إليه مجاهد الدين وحده وكان خصيًا لا يمتنع من الخول على النساء فلما دخل عليه قبض عليه وركب لوقته إلى القلعة فاحتوى على الأموال التي لمجاهد الدين وخزائنه وولى زلفندار قلعة الموصل بعد مجاهد الدين وكان تحت حكم مجاهد الدين حينئذ إربل وأعمالها ومعه فيها زين الدين يوسف بن زين الدين علي وهو صبي صغير ليس له من الحكم شيء والحكم والعسكر إلى مجاهد الدين وتحت حكمه أيضًا جزيرة ابن عمر وهي لمعز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود وهو أيضًا صبي والحكم والنواب والعسكر لمجاهد الدين وبيده أيضًا شهرزور وأعمالها ونوابه فيها ودقوقا ونائبه فيها وقلعة عقر الحميدية ونائبه فيها ولم يبق لعز الدين مسعود بعد أن أخذ صلاح الدين البلاد الجزرية سوى الموصل وقلعتها بيد مجاهد الدين وهو على الحقيقة الملك واسمه لعز الدين فلما قبض عليه امتنع صاحب إربل من طاعة عز الدين واستبد وكذلك أيضًا صاحب جزيرة ابن عمر وأرسل الخليفة إلى دقوقا فحصرها وأخذها ولم يحصل لعز الدين مسعود غير شهر زور والعقر وصارت إربل والجزيرة أضر شيء على صاحب الموصل وأرسل صاحبها إلى صلاح الدين بالطاعة له والكون في خدمته‏.‏

وكان الخليفة الناصر لدين الله قد أرسل صدر الدين شيخ الشيوخ ومعه بشير الخادم الخاص إلى صلاح الدين في الصلح مع عز الدين صاحب الموصل وسير عز الدين معه القاضي محيي الدين أبا حامد بن الشهرزوري في المعنى فأجاب صلاح الدين إلى ذلك وقال‏:‏ ليس لكم مع الجزيرة وإربل حديث فامتنع محيي الدين عن ذلك وقال‏:‏ هما لنا فلم يجب صلاح الدين إلى

الصلح إلا بأن تكون إربل والجزيرة معه فلم يتم أمره وقوي طمع صلاح الدين في الموصل بقبض مجاهد الدين فلما رأى صاحب الموصل الضرر بقبض مجاهد الدين قبض على شرف الدين أحمد بن صاحب الغراف وزلفندار عقوبة لهما ثم أخرج مجاهد الدين على ما نذكره إن شاء الله‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


336 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر فتح صلاح الدين حارم



336


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر فتح صلاح الدين حارم

لما ملك صلاح الدين حلب كان بقلعة حارم وهي من أعمال حلب بعض المماليك النورية واسمه سرحك وولاه عليها الملك الصالح عماد الدين فامتنع من تسليمها إلى صلاح الدين فراسله صلاح الدين في التسليم وقال له‏:‏ اطلب من الإقطاع ما أردت ووعده الإحسان فاشتط في الطلب وترددت الرسل بينهما فراسل الفرنج ليحتمي بهم فسمع من معه من الأجناد أنه يراسل الفرنج فخافوا أن يسلمها إليهم فوثبوا عليه وقبضوه وحبسوه وراسلوا صلاح الدين يطلبون منه الأمان والإنعام فأجابهم إلى ما طلبوا وسلموا إليه الحصن فرتب به دزدارًا بعض خواصه‏.‏

وأما باقي قلاع حلب فإن صلاح الدين أقر عين تاب بيد صاحبها كما تقدم وأقطع تل خالد لأمير يقال له داروم الباروقي وهو صاحب تل باشر‏.‏

وأما قلعة إعزاز فإن عماد الدين إسماعيل كان قد خربها فأقطعها صلاح الدين لأمير يقال له دلدرم سلمان بن جندر فعمرها‏.‏

وأقام صلاح الدين بحلب إلى أن فرغ من تقرير قواعدها وأحوالها وديوانها وأقطع أعمالها وأرسل منها فجمع العساكر من جميع بلاده‏.‏




 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

335 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك صلاح الدين حلب



335


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك صلاح الدين حلب

و في هذه السنة سار صلاح الدين من عين تاب إلى حلب فنزل عليها في المحرم أيضًا في الميدان الأخضر وأقام به عدة أيام ثم انتقل إلى جبل جوشن فنزل بأعلاه وأظهر أنه يريد أن يبني وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ومعه العسكر النوري وهم مجدون في القتال فلما رأى كثرة الخرج كأنه شح بالمال فحضر يومًا عنده بعض أجناده وطلبوا منه شيئًا فاعتذر بقلة المال عنده فقال له بعضهم‏:‏ من يريد أن يحفظ مثل حلب يخرج الأموال ولو باع حلي نسائه فمال حينئذ إلى تسليم حلب وأخذ العوض منها وأرسل مع الأمير طمان الياروقي وكان يميل إلى صلاح الدين وهواه معه فلهذا أرسله فقرر قاعدة الصلح على أن يسلم عماد الدين حلب إلى صلاح الدين ويأخذ عوضها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج وجرت اليمن على ذلك وباعها بأوكس الأثمان أعطى حصنًا مثل حلب وأخذ عوضها قرى ومزارع فنزل عنها عشر صفر وتسلمها صلاح الدين فعجب الناس كلهم من ذلك وقبحوا ما أتى حتى إن بعض عامة حلب أحضر اجانة وماء وناداه‏:‏ أنت لا يصلح لك الملك وإنما يصلح لك أن تغسل الثياب وأسمعوه المكروه‏.‏

واستقر ملك صلاح الدين بملكها وكان مزلزلًا فثبت قدمه بتسليمها وكان على شفا جرف هار وإذا أراد الله أمرًا فلا مرد له‏.‏

وسار عماد الدين إلى البلاد التي أعطيها عوضًا عن حلب فتسلمها وأخذ صلاح الدين حلب واستقر الحال بينهما‏:‏ إن عماد الدين يحضر في خدمة صلاح الدين بنفسه وعسكره إذا

استدعاه لا يحتج بحجة ومن الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح صلاح الدين بقصيدة منها‏:‏ وفتحكم حلبًا بالسيف في صفر مبشر بفتوح القدس في رجب فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة على ما ذكرناه إن شاء الله تعالى‏.‏

ومما كتبه القاضي الفاضل في المعنى عن صلاح الدين‏:‏ فأعطيناه عن حلب كذا وكذا وهو صرف على الحقيقة أخذنا فيه الدنانير وأعطيناه الدراهم ونزلنا عن القرى وأحرزنا العواصم‏.‏

وكتب أيضًا‏:‏ أعطيناه ما لم يخرج عن اليد يعني أنه متى شاء أخذه لعدم حصانته‏.‏

وكان ي جملة من قتل على حلب تاج الملوك بوري أخو صلاح الدين الأصغر وكان فارسًا شجاعًا كريمًا حليمًا جامعًا لخصال الخير ومحاسن الأخلاق طعن في ركبته فانفكت فمات منعها بعد أن استقر الصلح بين عماد الدين وصلاح الدين على تسليم حلب قبل أن يدخلها صلاح الدين فلما استقر أمر الصلح حضر صلاح الدين عند أخيه يعوده وقال له‏:‏ هذه حلب قد أخذناها وهي لك فقال‏:‏ ذلك لو كان وأنا حي‏.‏

ووالله لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي‏.‏

فبكى صلاح الدين وأبكى‏.‏

ولما خرج عماد الدين إلى صلاح الدين وقد عمل له دعوة احتفل فيها فبينما هم في سرور إذ جاء إنسان فأسر إلى صلاح الدين بموت أخيه فلم يظهر هلعًا ولا جزعًا وأمر بتجهيزه سرًا ولم يعلم عماد الدين ومن معه في الدعوة واحتمل الحزن وحده لئلا يتنكر ما هم فيه وكان هذا من الصبر الجميل‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


334 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وقعتين مع الفرنج في البحر والشام



334


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وقعتين مع الفرنج في البحر والشام

في هذه السنة في العاشر من المحرم سار أسطول المسلمين من مصر في البحر فلقوا بُطسة فيها نحو ثلثمائة من الفرنج بالسلاح التام ومعهم الأموال والسلاح إلى فرنج الساحل فقاتلوهم وصبير الفريقان وكان الظفر للمسلمين وأخذوا الفرنج أسرى فقتلوا بعضهم وأبقوا بعضهم أسرى وغنموا ما معهم وعادوا إلى مصر سالمين‏.‏

وفيها أيضًا سارت عصابة كبيرة من الفرنج من نواحي الدارم إلى نواحي مصر ليغيروا وينهبوا فسمع بهم المسلمون فخرجوا إليهم على طريق صدر وأيلة فانتزح الفرنج من بين أيديهم فنزلوا بماء يقال له العسيلة وسبقوا المسلمين إليه فأتاهم المسلمون وهم عطاش قد أشرفوا على الهلاك فرأوا الفرنج قد ملكوا الماء فأنشأ الله سبحانه وتعالى بلطفه سحابة عظيمة فمرطوا منها حتى رووا وكان الزمان قيظًا والحر شديدًا في بر مهلك فلما رأوا ذلك قويت نفوسهم ووثقوا بنصر الله لهم وقاتلوا الفرنج فنصرهم الله عليهم فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد الفريد وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودواب وعادوا منصورين قاهرين بفضل الله‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


333 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك صلاح الدين تل خالد وعين تاب من أعمال الشام


333

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك صلاح الدين تل خالد وعين تاب من أعمال الشام

لما فرغ صلاح الدين من أمر آمد سار إلى الشام وقصد تل خالد وهي من أعمال حلب فحصرها ورماها بالمنجنيق فنزل أهلها وطلبوا الأمان فأمنهم وتسلمها في المحرم أيضًا‏.‏

ثم سار منها إلى عين تاب فحصرها وبها ناصر الدين محمد وهو أخو الشيخ إسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي وصاحبه وكان قد سلمها إليه نور الدين فبقيت معه إلى الآن‏.‏

فلما نازله صلاح الدين أرسل إليه يطلب أن يقر الحصن بيده وينزل إلى خدمته ويكون تحت حكمه وطاعته فأجابه صلاح الدين إلى ذلك وحلف له عليه فنزل إليه وسار في خدمته وكان أيضًا في المحرم من هذه السنة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

332 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك صلاح الدين آمد



332


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك صلاح الدين آمد

قد ذكرنا نزول صلاح الدين بحرزم تحت ماردين فلم ير لطمعه وجهًا وسار عنها إلى آمد على طريق البارعية وكان نور الدين محمد بن قرا أرسلان يطالبه في كل وقت بقصدها وأخذها وتسليمها إليه على ما استقرت القاعدة بينهما فوصل إلى آمد سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ونازلها و أقام يحاصرها‏.‏

وكان المتولي لأمرها والحاكم فيها بهاء الدين بن نيسان وكان صاحبها ليس له من الأمر شيء مع ابن نيسان فلما نازلها صلاح الدين أساء ابن نيسان التدبير ولم يعط الناس من الذخائر شيئًا ولا فرق فيهم دينارًا ولا قوتًا وقال لأهل البلد‏:‏ قاتلوا عن نفوسكم‏.‏

فقال له بعض أصحابه‏:‏ ليس العدو بكافر حتى يقاتلوا عن نفوسهم‏.‏ فلم يفعل شيئًا‏.‏

وقاتلهم صلاح الدين ونصب المجانيق وزحف إليها وهي الغاية في الحصانة والمنعة بها وبسورها يضرب المثل وابن نيسان على حاله من الشح بالمال وتصرفه تصرف من ولت سعادته وأدبرت دولته فلما رأى الناس ذلك منه تهاونوا بالقتال وجنحوا إلى السلامة‏.‏

وكانت أيام ابن نيسان قد طالت وثقلت على أهل البلد لسوء صنيعهم وملكتهم وتضييقهم عليهم في مكاسبهم فالناس كارهون لهان محبون لانقراضها‏.‏

وأمر صلاح الدين أن يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن أطاعوه ويتهددهم إن قاتلوه فزادهم ذلك تقاعدًا وتخاذلًا وأحبوا ملكه وتركوا القتال فوصل النقابون إلى السور فنقبوه وعلقوه فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك طمعوا في ابن نيسان واشتطوا في المطالب‏.‏

فحين صارت الحال كذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل وزير صلاح الدين يسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله وماله وأن يؤخره ثلاثة أيام حتى ينقل ما له بالبلد من الأموال والذخائر فسعى له الفاضل في ذلك فأجابه صلاح الدين إليه فسلم البلد في العشر الأول من المحرم هذه السنة وأخرج خيمه إلى ظاهر البلد ورام نقل ماله فتعذر ذلك عليه لزوال حكمه عن أصحابه واطراحهم أمره ونهيه فأرسل إلى صلاح الدين يعرفه الحال ويسأله مساعدته على ذلك فأمده بالدواب والرجال فنقل البعض وسرق البعض وانقضت الأيام الثلاثة قبل الفراغ فمنع من الباقي‏.‏

وكانت أبراج المدينة مملوءة من أنواع الذخائر فتركها بحالها ولو أخرج البعض منها لحفظ البلد وسائر نعمه وأمواله لكن إذا أراد الله أمرًا هيأ أسبابه فلما تسلمها صلاح الدين سلمها نور الدين إلى صاحب الحصن فقيل له قبل تسليمها‏:‏ إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف دينار فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وأصحابك وسلمت البلد إليه فارغًا لكان راضيًا فإنه لا يطمع في غيره‏.‏

فامتنع من ذلك وقال‏:‏ ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل بالفرع فلما تسلم نور الدين البلد اصطنع دعوة عظيمة ودعا إليها صلاح الدين وأمراءه ولم يكن دخل البلد وقدم له ولأصحابه من التحف والهدايا أشياء كثيرة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


331 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير = ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة


331

الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

= ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة

== ذكر ملك صلاح الدين آمد
== ذكر ملك صلاح الدين تل خالد وعين تاب من أعمال الشام
== ذكر وقعتين مع الفرنج في البحر والشام
== ذكر ملك صلاح الدين حلب
== ذكر فتح صلاح الدين حارم
== ذكر القبض على مجاهد الدين وما حصل من الضرر بذلك
== ذكر غزو بيسان
== ذكر غزو الكرك وملك العادل حلب
== ذكر عدة حوادث
== ذكر إطلاق مجاهد الدين من الحبس وانهزام العجم
== ذكر وفاة يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه يعقوب
== ذكر غزو صلاح الدين الكرك
== ذكر ملك الملثمين بجاية وعودها إلى أولاد عبد المؤمن
== ذكر وفاة صاحب ماردين وملك ولده
== ذكر عدة حوادث


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

330 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث



330


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

في هذه السنة في جمادى الأولى توفي عز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين وكان ينوب عنه بدمشق وهو ثقته من أهله وكان اعتماده عليه أكثر من جميع أهله وامرأته وكان شجاعًا كريمًا فاضلًا عالمًا بالأدب وغيره وله شعر جيد من بين أشعار الملوك‏.‏

وكان ابتداء مرضه أنه خرج من دمشق إلى غزو الفرنج فمرض وعاد مريضًا فمات ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وقد عبر الفرات إلى الديار الجزرية فأعاد شمس الدين محمد بن المقدم إلى دمشق ليكون مقدمًا على عسكرها‏.‏

وفيها مات فخر الدولة أبو المظفر بن الحسن بن هبة الله بن المطلب‏.‏

كان أبوه وزير الخليفة وأخوه أستاذ الدار فتصوف هو من زمن الصبا وبنى مدرسة ورباطًا ببغداد عند عقد المصطنع وبنى جامعًا بالجانب الغربي منها‏.‏

وفيها توفي الأمير أبو منصور هاشم ولد المستضيء بأمر الله ودفن عند أبيه‏.‏

وفيها توفي أبو العباس أحمد بن علي بن الرفيعي من سواد واسط وكان صالحًا ذا قبول عظيم عند الناس وله من التلامذة ما لا يحصى‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


329 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر الظفر بالفرنج في بحر عيذاب



329


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر الظفر بالفرنج في بحر عيذاب

في هذه السنة عمل البرنس صاحب الكرك أسطولًا وفرغ منه بالكرك ولم يبق إلا جمع قطعه بعضها إلى بعض وحملها إلى بحر أيله وجمعها في أسرع وقت‏.‏

وفرغ منها وشحنها بالمقاتلة وسيرها فساروا في البحر وافترقوا فرقتين‏:‏ فرقة أقامت على حصن أيلة وهو للمسلمين يحصرونه ويمنع أهله من ورود الماء فنال أهله شدة شديدة وضيق عظيم وأما الفرقة الثانية فإنهم ساروا نحو عيذاب وأفسدوا في السواحل ونهبوا وأخذوا ما وجدوا من المراكب الإسلامية ومن فيها من التجار وبتغوا الناس في بلادهم على حين غفلة منهم فإنهم لم يعهدوا بهذا البحر فرنجيًا قط لا تاجرًا ولا محاربًا‏.‏

وكان بمصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب ينوب عن أخيه صلاح الدين فعمر أسطولًا وسيره وفيه جمع كثير من المسلمين ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ وهو متولي الأسطول بديار مصر وكان مظفرًا فيه شجاعًا كريمًا فسار لؤلؤ مجدًا في طلبهم فأبتدأ بالذين على أيلة فانقض عليهم

انقضاض العقاب على صيدها فقاتلهم فقتل بعضهم وأسر الباقي وسار من وقته بعد الظفر يقص أثر الذين قصدوا عيذاب فلم يرهم وكانوا قد أغاروا على ما وجدوه بها وقتلوا من لقوه عندها وساروا إلى غير ذلك المرسى ليفعلوا كما فعلوا فيه وكانوا عازمين على الدخول إلى الحجاز مكة والمدينة حرسهما الله تعالى وأخذ الحاج ومنعهم عن البيت الحرام والدخول بعد ذلك إلى اليمن‏.‏

فلما وصل لؤلؤ إلى عيذاب ولم يرهم سار يقفو أثرهم فبلغ رابغ وساحل الجوزاء وغيرهما فأدركهم بساحل الجوزاء فأوقع بهم هناك فلما رأوا العطب وشاهدوا الهلاك خرجوا إلى البر واعتصموا ببعض تلك الشعاب فنزل لؤلؤ من مراكبه إليهم وقاتلهم أشد قتال وأخذ خيلًا من الأعراب الذين هناك فركبها وقاتلهم فسانًا ورجالة فظفر بهم وقتل أكثرهم وأخذ الباقين أسرى وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها عقوبة لمن رام إخافة حرم الله تعالى وحرم رسوله صلى الله عليه وسلم وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا جميعهم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



328 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر اجتماع عز الدين وشاه أرمن



328


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر اجتماع عز الدين وشاه أرمن

في هذه السنة في ذي الحجة اجتمع أتابك عز الدين صاحب الموصل وشاه أرمن صاحب خلاط على قتال صلاح الدين‏.‏

وسبب ذلك أن رسل عز الدين ترددت إلى شاه أرمن يستنجده ويستنصره على صلاح الدين فأرسل شاه أرمن إلى صلاح الدين عدة رسل في الشفاعة إليه بالكف عن الموصل وما يتعلق بعز الدين فلم يجبه إلى ذلك وغالطه فأرسل إليه أخيرًا مملوكه سيف الدين بكتمر الذي ملك خلاط بعد شاه أرمن فأتاه وهو يحاصر سنجار يطلب إليه أن يتركها ويرحل عنها وقال له‏:‏ إن رحل عنها وإلا فتهدده بقصده ومحاربته فأبلغه بكتمر الشفاعة فسوّفه في الجواب رجاء أن يفتحها فلما رأى بكتمر ذلك أبلغه الرسالة الثانية بالتهديد وفارقه غضبان ولم يقبل منه خلعة ولا صلة وأخبر صاحبه الخبر وخوفه عاقبة الإهمال والتواني عن صلاح الدين فسار شاه أرمن من خلاط وكان مخيمًا بظاهرها وسار إلى ماردين وصاحبها حينئذ قطب الدين بن نجم الدين ألبي وهو ابن أخت شاه أرمن وابن خال عز الدين وحموه لأن عز الدين كان قد زوج ابنته قطب الدين وحضر مع شاه أرمن دولة شاه صاحب بدليس وأرزن وسار أتابك عز الدين من الموصل في عسكره جريدة من الأثقال‏.‏

وكان صلاح الدين قد ملك سنجار وسار عنها إلى حران وفرق عساكره فلما سمع باجتماعهم سير إلى تقي الدين ابن أخيه وهو بحماة يستدعيه فوصل إليه مسرعًا وأشار عليه بالرحيل وحذره منه آخرون وكان هوى صلاح الدين في الرحيل فرحل إلى راس عين فلما سمعوا برحيله تفرقوا فعاد شاه أرمن إلا خلاط واعتذر بأنني أجمع العساكر وأعود ورجع عز

الدين إلى الموصل وأقام قطب الدين بماردين وسار صلاح الدين فنزل بحرزم تحت ماردين عدة أيام‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


327 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عود صلاح الدين إلى حران



327


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عود صلاح الدين إلى حران

لما ملك صلاح الدين سنجار وقرر قواعدها سار إلى الصين فلقيه أهلها شاكين من أبي الهيجاء السمين باكين من ظلمه متأسفين على دولة عز الدين وعدله فيهم فلما سمع ذلك أنكر على أبي الهيجاء ظلمه وعزله عنهم وأخذه معه وسار إلى حران وفرق عساكره ليستريحوا وبقي جريدة في خواصه وثقات أصحابه وكان وصوله إليها أوائل ذي القعدة من السنة‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


326 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملكه مدينة سنجار



326


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملكه مدينة سنجار

لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار سير مجاهد الدين إليها عسكرًا قوة لها ونجدة فسمع بهم صلاح الدين فمنعهم من الوصول إليها وأوقع بهم وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار إليها ونازلها وكان بها شرف الدين أمير أميران هندوا أخو عز الدين صاحب الموصل في عسكر معه فحصر البلد وضايقه وألح في قتاله فكاتبه بعض أمراء الأكراد الذين به من الزرزارية وخامر معه وأشار بقصده من الناحية التي هو بها ليسلم إليه البلد فطرقه صلاح الدين ليلًا فسلم إليه ناحيته فملك الباشورة لا غير‏.‏

فلما سمع شرف الدين الخبر استكان وخضع و طلب الأمان فأمن ولو قاتل على تلك الناحية لأخرج العسكر الصلاحي عنها ولو امتنع بالقلعة لحفظها ومنعها ولكنه عجز فلما طلب الأمان أجابه صلاح الدين إليه فأمنه وملك البلد‏.‏

وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل واستقر جميع ما ملكه صلاح الدين بملك سنجار فإنه كان قصد أن يسترده المواصلة إذا فارقه لأنه لم يكن فيه حصن غير الرُّها فلما ملك سنجار صارت على الجميع كالسور واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنز وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


325 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عود صلاح الدين إلى حران



325


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عود صلاح الدين إلى حران

لما ملك صلاح الدين سنجار وقرر قواعدها سار إلى الصين فلقيه أهلها شاكين من أبي الهيجاء السمين باكين من ظلمه متأسفين على دولة عز الدين وعدله فيهم فلما سمع ذلك أنكر على أبي الهيجاء ظلمه وعزله عنهم وأخذه معه وسار إلى حران وفرق عساكره ليستريحوا وبقي جريدة في خواصه وثقات أصحابه وكان وصوله إليها أوائل ذي القعدة من السنة‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



324 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملكه مدينة سنجار



324


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملكه مدينة سنجار

لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار سير مجاهد الدين إليها عسكرًا قوة لها ونجدة فسمع بهم صلاح الدين فمنعهم من الوصول إليها وأوقع بهم وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار إليها ونازلها وكان بها شرف الدين أمير أميران هندوا أخو عز الدين صاحب الموصل في عسكر معه فحصر البلد وضايقه وألح في قتاله فكاتبه بعض أمراء الأكراد الذين به من الزرزارية وخامر معه وأشار بقصده من الناحية التي هو بها ليسلم إليه البلد فطرقه صلاح الدين ليلًا فسلم إليه ناحيته فملك الباشورة لا غير‏.‏

فلما سمع شرف الدين الخبر استكان وخضع و طلب الأمان فأمن ولو قاتل على تلك الناحية لأخرج العسكر الصلاحي عنها ولو امتنع بالقلعة لحفظها ومنعها ولكنه عجز فلما طلب الأمان أجابه صلاح الدين إليه فأمنه وملك البلد‏.‏

وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل واستقر جميع ما ملكه صلاح الدين بملك سنجار فإنه كان قصد أن يسترده المواصلة إذا فارقه لأنه لم يكن فيه حصن غير الرُّها فلما ملك سنجار صارت على الجميع كالسور واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنز وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


323 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عبور صلاح الدين الفرات وملكه ديار الجزيرة



323


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عبور صلاح الدين الفرات وملكه ديار الجزيرة

في هذه السنة عبر صلاح الدين الفرات إلى الديار الجزرية وملكها‏.‏ وسبب ذلك أن مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وهو مقطع حران كان قد أقطعه إياها عز الدين أتابك المدينة والقلعة ثقة به واعتمادًا عليه أرسل إلى صلاح الدين هو يحاصر بيروت يعلمه بها أنه معه محب لدولته ووعده النصرة له إن عبر الفرات ويطمعه في البلاد ويحثه على الوصول إليها فسار صلاح الدين عن بيروت ورسل مظفر الدين تترى إليه يحثه على المجيء فجد صلاح الدين السير مظهرًا أنه يريد حصر حلب سترًا للحال‏.‏

فلما قارب الفرات سار إليه مظفر الدين فعبر الفرات واجمع به وعاد معه فقصد البيرة وهي قلعة منيعة على الفرات من الجانب الجزري وكان صاحبها قد سار مع صلاح الدين وفي طاعته وقد ذكرنا سبب ذلك قبل فعبر هو وعسكره الفرات على الجسر الذي عند البيرة‏.‏

وكان عز الدين صاحب الموصل ومجاهد الدين لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى الشام قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين ليكونا على أهبة واجتماع لئلا يتعرض صلاح الدين إلى حلب ثم تقدما إلى دارا فنزلا عندها فجاءهما أمر لم يكن في الحساب فلما بلغهما عبور صلاح الدين الفرات عادا إلى الموصل وأرسلا إلى الرها عسكرًا يحميها ويمنعها فلما سمع صلاح الدين ذلك قوي طمعه في البلاد ولما عبر صلاح الدين الفرات كاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم وبذل لهم البذول على نصرته فأجابه نور الدين محمد بن قراآرسلان صاحب الحصن إلى ما طلب منه لقاعدة كانت قد استقرت بينهما لما كان نور الدين عنده بالشام فإنه استقر الحال أن صلاح الدين يحصر آمد ويملكها ويسلمها إليه وسار صلاح الدين إلى مدينة الرها فحصرها في جمادى الأولى وقاتلها أشد قتال‏.‏

فحدثني بعض من كان بها من الجند انه عد في غلاف رمح أربعة عشر خرقًا وقد خرقته السهام‏.‏

ووالى الزحف عليها وكان بها حينئذ مقطعها وهو الأمير فخر الدين مسعود بن الزعفراني فحيث رأى شدة القتال أذعن إلى التسليم وطلب الأمان وسلم البلد وصار في خدمة صلاح الدين فلما ملك المدينة زحف إلى القلعة فسلمها إليه الدزدار الذي بها على مال أخذه فلما ملكها سلمها إلى مظفر الدين مع حران ثم سار عنها على حران إلى الرقة فلما وصل إليها كان بها مقطعها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي فسار عنها إلى عز الدين أتابك وملكها صلاح الدين وسار إلى الخابور قرقيسيا وماكسين وعابان فملك جميع ذلك‏.‏

فلما استولى على الخابور جميعه سار إلى نصيبين فملك المدينة لوقتها وبقيت القلعة فحصرها عدة أيام فملكها أيضًا وأقام بها ليصلح شانها ثم أقطعها أميرًا كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين وسار عنه ومعه نور الدين صاحب الحصن‏.‏

وأتاه الخبر أن الفرنج قصدوا دمشق ونهبوا القرى ووصلوا إلى داريا وأرادوا تخريب جامعها فأرسل النائب بدمشق إليهم جماعة من النصارى يقولون لهم‏:‏ إذا خربتم الجامع جددنا عمارته وخربنا كل بيعة لكم في بلادنا ولا نمكن أحدًا من عمارتها فتركوه ولما وصل الخبر إلى صلاح الدين بذلك أشار عليه من يتعصب لعز الدين بالعود فقال‏:‏ يخربون قرى ونملك عوضها بلادًا ونعود نعمرها ونقوى على قصد بلادهم ولم يرجع فكان كما قال‏.‏

لما ملك صلاح الدين نصيبين جمع أمراءه وأرباب المشورة عنده واستشارهم بأي البلاد يبدأ وأيها يقصد بالموصل أم بسنجار أم بجزيرة ابن عمر فاختلفت آراؤهم فقال له مظفر الدين كوكبري بن زين الدين‏:‏ لا ينبغي أن يبدأ بغير الموصل فإنها في أيدينا لا مانع لها فإن عز الدين ومجاهد الدين متى سمعا بمسيرنا إليها تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع الجبلية‏.‏

ووافقه ناصر الدين محمد ابن عمه شيركوه وكان قد بذل لصلاح الدين مالًا كثيرًا ليقطعه الموصل إذا ملكها وقد أجابه صلاح الدين إلى ذلك فأشار بهذا الرأي لهواه فسار صلاح الدين إلى الموصل وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين قد جمعا العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل وأظهرا من السلاح وآلات الحصار ما حارت له الأبصار وبذلا الأموال الكثيرة واخرج مجاهد الدين من ماله كثيرًا واصطلى الأمور بنفسه فأحسن تدبيرها وشحنوا ما بقي بأيديهم من البلاد كالجزيرة وسنجار وإربل وغيرها من البلاد بالرجال والسلاح والأموال‏.‏

وسار صلاح الدين حتى قارب الموصل وترك عسكره وانفرد هو ومظفر الدين وابن عمه ناصر الدين بن شيركوه ومعهما نفر من أعيان دولته وقربوا من البلد فلما قربه رآه وحققه فرأى ما هاله وملأ صدره وصدور أصحابه فإنه رأى بلدًا عظيمًا كبيرًا ورأى السور والفصيل ملئا من الرجال وليس فيه شرافة غلا وعليها رجل يقاتل سوى من عليه من عامة

البلد المتفرجين فلما رأى ذلك علم انه لا يقدر على أخذه وانه يعود خائبًا فقال لناصر الدين ابن عمه‏:‏ إذا رجعنا إلى المعسكر فاحمل ما بذلت من المال فنحن معك على القول‏.‏

فقال ناصر الدين‏:‏ قد رجعت عما بذلت من المال فإن هذا البلد لا يرام‏.‏

فقال له ولمظفر الدين‏:‏ غررتماني وأطمعتماني في غير مطمع ولو قصدت غيره قبله لكان أسهل أخذًا بالاسم والهيبة التي حصلت لنا ومتى نازلناه وعدنا منه ينكسر ناموسنا ويفل حدنا وشوكتنا‏.‏

ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد وكان نزوله عليه في رجب فنازله وضايقه ونزل محاذي باب كندة وانزل صاحب الحصن بباب الجسر وانزل أخاه تاج الملوك عند الباب العمادي وانشب القتال فلم يظفر وخرج غليه يومًا بعض العامة فنالوا منه ولم يمكن عز الدين ومجاهد الدين أحدًا من العسكر أن يخرجوا لقتال بل ألزموا الأسوار ثم عن تقي الدين أشار على عمه صلاح الدين بنصب منجنيق فقال‏:‏ مثل هذا البلد لا ينصب عليه منجنيق ومتى نصبناه أخذوه ولو خربنا برجًا وبدنة من يقدر على الدخول للبلد وفيه هذا الخلق الكثير فألح تقي الدين وقال‏:‏ نجربهم به فنصب منجنيقًا فنصب عليه من البلد تسعة مجانيق وخرج جماعة من العامة فأخذوه وجرى عنده قتال كثير فأخذ بعض العامة لألكة من رجليه فيها المسامير الكثيرة ورمى بها أميرًا يقال له جاولي الأسدي مقدم الأسدية وكبيرهم فأصاب صدره فوجد لذلك ألمًا شديدًا وأخذ اللاكة وعاد عن القتال إلى صلاح الدين وقال‏:‏ قد قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد مثلها وألقى اللاكة وحلف أنه لا يعود يقاتل عليها أنفة حيث ضرب بهذه‏.‏

ثم إن صلاح الدين رحل من قرب لبلد ونزل متأخرًا خوفًا من البيات فإنه لقربه كان لا يأمن ذلك وكان سببه أيضًا أن مجاهد الدين اخرج في بعض الليالي جماعة من باب السر الذي للقلعة ومعهم المشاعل فكان أحدهم يخرج من الباب وينزل إلى دجلة مما يلي عين الكبريت ويطفئ المشعل فرأى العسكر الناس يخرجون فلو يشكوا في الكبسة فحملهم ذلك على الرحيل والتأخر ليتعذر البيات على أهل الموصل‏.‏

وكان صدر الدين شيخ الشيوخ رحمه الله وقد وصل إليه قبل نزوله على الموصل ومعه بشير الخادم وهم من خواص الخليفة الناصر لدين الله في الصلح فأقاما معه على الموصل وترددت الرسل إلى عز الدين ومجاهد الدين في الصلح فطلب عز الدين إعادة البلاد التي أخذت منهم فأجاب صلاح الدين إلى ذلك بشرط أن تسلم إليه حلب فامتنع عز الدين ومجاهد الدين ثم نزل عن ذلك وأجاب إلى تسليم البلاد بشرط أن يتركوا إنجاد صاحب حلب عليه فلم يجيبوه إلى ذلك أيضًا وقال عز الدين‏:‏ هو أخي وله العهود والمواثيق ولا يسعني نكثها‏.‏

ووصلت أيضًا رسل قزل أرسلان صاحب أذربيجان ورسل شاه أرمن صاحب خلاط في المعنى فلم ينتظم أمر ولا تم صلح فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل غرضًا ولا يحصل على غير العناء والتعب وأن من بسنجار من العساكر الموصلية يقطعون طريق من يقصدونه من عساكره وأصحابه سار من الموصل إليها‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


322 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر حصر بيروت ثم إنه سار عن دمشق إلى بيروت



322


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر حصر بيروت ثم إنه سار عن دمشق إلى بيروت

فنهب بلدها وكان قد أمر الأسطول المصري بالمجيء في البحر إليها فساروا ونازلوها وأغاروا عليها وعلى بلدها وسار صلاح الدين فوافاهم ونهب ما لم يصل الأسطول إليه وحصرها عدة أيام‏.‏

وكان عازمًا على ملازمتها إلى أن يفتحها فأتاه الخبر وهو عليها أن البحر قد ألقى بطسة للفرنج فيها جمع عظيم منهم إلى دمياط وكانوا قد خرجوا لزيارة البيت المقدس فأسروا من بها إلى أن غرق منهم الكثير فكان عدة الأسرى ألفًا وستمائة وستة وسبعين أسيرًا فضربت بذلك البشائر‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


321 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن وتغلبه عليه



321


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن وتغلبه عليه

في هذه السنة سير صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغدكين إلى بلاد اليمن وأمره بتملكها وقطع الفتن بها وفوض إليه أمرها وكان بها حطان بن منقذ كما ذكرناه قبل وكتب عز الدين عثمان الزنجيلي متولي عدن إلى صلاح الدين يعرفه باختلال البلاد ويشير بإرسال بعض أهله إليها لأن حطان كان قوي عليه فخافه عثمان فجهز صلاح الدين أخاه سيف الإسلام وسيره إلى أهل اليمن فوصل إلى زبيد فخافه حطان ابن منقذ واستشعر منه وتحصن في بعض القلاع فلم يزل به سيف الإسلام يؤمنه ويهدي إليه ويتلطفه حتى نزل إليه فأحسن صحبته واعتمد معه ما لم يكن يتوقعه من الإحسان فلم يثق حطان به وطلب نه دستورًا ليقصد الشام فامتنع في إجابته إظهارًا للرغبة في كونه عنده فلم يزل حطان يراجعه حتى أذن له فأخرج أثقاله وأمواله وأهله وأصحابه وكل ما له وسير الجميع بين يديه‏.‏

فلما كان الغد دخل على سيف الإسلام ليودعه قبض عليه واسترجع جميع ماله فأخذه عن أخره لم يسلم منه قليل ولا كثير ثم سجنه في بعض القلاع وكان أخر العهد به فقيل أنه قتله وكان في جملة ما اخذ منه الأموال والذهب والعين في سبعين غلافًا زردية مملوءة عينًا‏.‏

وأما عز الدين عثمان الزنجيلي فإنه لما سمع ما جرى على حطان خاف فسار نحو الشام خائفًا يترقب وسير معظم أمواله في البحر فصادفهم مراكب فيها أصحاب سيف الإسلام فخذوا كل ما لعز الدين ولم يبق إلا ما صحبه في الطريق وصفت زبيد وعدن وما معهما من البلاد لسيف الإسلام‏.‏

وغيره من بلاد الفرنج لما وصل صلاح الدين إلى دمشق كما ذكرناه أقام أيامًا يريح ويستريح هو وجنده ثم سار إلى بلاد الفرنج في ربيع الأول فقصد طبرية فنزل بالقرب منها وخيم في الأقحوانة من الأردن وجاءت الفرنج بجموعها فنزلت في طبرية فسير صلاح الدين ابن أخيه فرخشاه إلى بيسان فدخلها قهرًا وغنم ما فيها وقتل وسبى وجحف الغور غارة شعواء فعم أهله قتلًا وأسرًا وجاءت العرب فأغارت على جنين واللجون وتلك الولاية حتى قاربوا مرج عكا‏.‏

وسار الفرنج من طبرية فنزلوا تحت جبل كوكب فتقدم صلاح الدين إليهم وأرسل العساكر عليهم يرمونهم بالنشاب فلم يبرحوا ولم يتحركوا للقتال فأمر أبني أخيه تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه فحملا على الفرنج فيمن معهما فقاتلوا قتالًا شديدًا ثم إن الفرنج انحازوا على حاميتهم فنزلوا غفربلا فلما رأى صلاح الدين ما قد أثخن فيهم وفي بلادهم عاد عنهم إلى دمشق‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



320 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر مسير صلاح الدين إلى الشام وإغارته على الفرنج



320


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر مسير صلاح الدين إلى الشام وإغارته على الفرنج

في هذه السنة خامس المحرم سار صلاح الدين عن مصر إلى الشام ومن عجيب ما يحكى من التطير أنه لما برز من القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر والناس عنده وأعيان دولته والعلماء وأرباب الآداب فمن بين مدع له وسائر معه وكل منهم يقول شيئًا في الوداع والفراق وما هم بصدده من السفر وفي الحاضرين معلم لبعض أولاده فاخرج رأسه من بين الحاضرين وانشد‏:‏ تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار فانقبض صلاح الدين من بعد انبساطه وتطير وتنكد المجلس على الحاضرين فلم يعد إليها إلى أن مات بعد طول المدة‏.‏

ثم سار عن مصر وتبعه من التجار وأهل البلاد ومن كان قصد مصر من الشام بسبب الغلاء بالشام وغيره عالم كثير فلما سار جعل طريقه على أيلة فسمع أن الفرنج قد جمعوا له ليحاربوه ويصدوه عن المسير فلما قارب بلادهم سير الضعفاء والأثقال مع أخيه تاج الملوك بوري إلى دمشق وبقي هو في العساكر المقاتلة لا غير فشن الغارات بأطراف بلادهم وأكثر ذلك ببلد الكرك والشوبك فلم يخرج إليه منهم أحد ولا أقدم على الدنو منه ثم سار فأتى دمشق فوصلها حادي عشر صفر من السنة‏.‏

في هذه السنة أيضًا في صفر فتح المسلمون بالشام شقيفًا من الفرنج يعرف بحبس جلدك وهو من أعمال طبرية مطل على السواد‏.‏

وسبب فتحه أن الفرنج لما سمعوا بمسير صلاح الدين من مصر إلى الشام جمعوا له وحشدوا الفارس والراجل واجتمعوا بالكرك بالقرب من الطريق لعلهم ينتهزون فرصة أو يظفرون بنصرة وربما عاقوا المسلمين عن المسير بأن يقفوا على بعض المضايق فلما فعلوا ذلك خلت بلادهم من ناحية الشام فسمع فرخشاه الخبر فجمع من عنده من عساكر الشام ثم قصد بلاد الفرنج وأغار عليها ونهب دبورية وما يجاورها من القرى واسر الرجال وقتل فيهم واكثر وسبى النساء وغنم الأموال وفتح منهم الشقيف وكان على المسلمين منه أذى شديد ففرح المسلمون بفتحه فرحًا عظيمًا وأرسل إلى صلاح الدين بالبشارة فلقيه في الطريق ففت ذلك في عضد الفرنج وانكسرت شوكتهم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


319 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير = ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة



319


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

= ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة

== ذكر مسير صلاح الدين إلى الشام وإغارته على الفرنج
== ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن وتغلبه عليه
== ذكر حصر بيروت ثم إنه سار عن دمشق إلى بيروت
== ذكر عبور صلاح الدين الفرات وملكه ديار الجزيرة
== ذكر ملكه مدينة سنجار
== ذكر عود صلاح الدين إلى حران
== ذكر اجتماع عز الدين وشاه أرمن
== ذكر الظفر بالفرنج في بحر عيذاب
== ذكر عدة حوادث


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

318 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر وفاة الملك الصالح وملك ابن عمه عز الدين مسعود مدينة حلب



318


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر وفاة الملك الصالح وملك ابن عمه عز الدين مسعود مدينة حلب

في هذه السنة في رجب توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب بها وعمره نحو تسع عشرة سنة ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي فقال‏:‏ لا أفعل حتى أستفتي الفقهاء فاستفتى فأفتاه فقيه من مدرسي الحنفية بجواز ذلك فقال له‏:‏ أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل أيؤخره شرب الخمر فقال له الفقيه‏:‏ لا فقال‏:‏ والله لا لقيت الله سبحانه وقد استعملت ما حرمه علي ولم يشربها‏.‏

فلما أيس من نفسه أحضر الأمراء وسائر الأجناد ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي واستحلفهم على ذلك فقال له بعضهم‏:‏ إن عماد الدين ابن عمك أيضًا وهو زوج أختك وكان والدك يحبه ويؤثره وهو تولى تربيته وليس له غير سنجار فلو أعطيته البلد لكان أصلحن وعز الدين له من البلاد من نهر الفرات إلى همذان ولا حاجة به إلى بلدك فقال له‏:‏ إن هذا لم يغب عني ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تغلب على عامة بلاد الشام سوى ما بيدي ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهانا معه مقام وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده‏.‏

فاستحسنوا قوله وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه‏.‏

ثم مات وكان حليمًا كريمًا عفيف اليد والفرج واللسان ملازمًا للدين لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الملوك والشباب من شرب خمر أو غيره حسن السيرة في رعيته عادلًا فيهم‏.‏

ولما قضى نحبه أرسل الأمراء إلى أتابك عز الدين يستدعونه إلى حلب فسار هو ومجاهد الدين قايماز إلى الفرات وأرسل فأحضر الأمراء عنده من حلب فحضروا وساروا جميعًا إلى حلب ودخلها في العشرين من شعبان وكان صلاح الدين حينئذ بمصر ولولا ذلك لزاحمهم عليها وقاتلهم فلما اجتاز طريقه إلى الفرات كان تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين بمدينة منبج فسار عنها هاربًا إلى حماة وثار أهل حماة ونادوا بشعار عز الدين فأشار عسكر حلب على عز الدين بقصد دمشق وأطمعوه فيها وفي غيرها من بلاد الشام وأعلموه محبة أهلها له ولأهل بيته فلم يفعل وقال‏:‏ بيننا يمين فلا نغدر به وأقام بحلب عدة شهور ثم سار عنها إلى الرقة‏.‏

وأخذ سنجار عوضًا عنها لما وصل عز الدين إلى الرقة جاءته رسل أخيه عماد الدين صاحب سنجار يطلب أن يسلم إليه حلب ويأخذ عنها مدينة سنجار فلم يجبه إلى ذلك ولج عماد الدين وقال‏:‏ إن سلمتم إلي حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين فأشار حينئذ جماعة من الأمراء بتسليمها إليه وكان أشدهم في ذلك مجاهد الدين قايماز فلم يمكن عز الدين مخالفته لتمكنه في الدولة وكثرة عساكره وبلاده وإنما حمل مجاهد الدين على ذلك خوفه من عز الدين لأنه عظم في نفسه وكثر معه العسكر‏.‏

وكان الأمراء الحلبيون لا يلتفتون إلى مجاهد الدين ولا يسلكون معه من الأدب ما يفعله عساكر الموصل فاستقر الأمر على تسليم حلب إلى عماد الدين واخذ سنجار بدلًا عنها فسار عماد الدين فتسلمها وسلم سنجار إلى أخيه وعاد إلى الموصل‏.‏

وكان صلاح الدين بحلب قد وصله خبر ملك عز الدين حلب فعظم عليه الأمر وخاف أن يسير منها إلى دمشق وغيرها ويملك الجميع وأيس من حلب فلما بلغه خبر ملك عماد الدين لها برز من يومه وسار إلى الشام وكان من الوهن على دولة عز الدين ما نذكره إن شاء الله‏.‏

كانت قلعة البيرة وهي مطلة على الفرات من أرض الجزيرة لشهاب الدين الآرتقي وهو أبن عم قطب الدين إيلغازي بن ألبي بن تورتاش بن إيلغازي بن ارتق صاحب ماردين وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام فمات شهاب الدين وملك القلعة بعده ولده وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل‏.‏

فلما كان هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين يطلب منه أن يأذن له في حصر البيرة وأخذها فأذن له في ذلك فسار في عسكره إلى قلعة سميساط وهي له ونزل بها وسير العسكر إلى البيرة فحصرها فلم يظفر منها بطائل إلا أنهم لازموا الحصار فأرسل صاحبها إلى صلاح الدين وقد خرج من ديار مصر على ما نذكره يطلب منه أن ينجده ويرحل العسكر المارديني عنه ويكون هو في خدمته كما كان أبوه في خدمة نور الدين فأجابه إلى ذلك وأرسل رسولًا إلى صاحب ماردين يشفع فيه ويطلب أن يرحل عسكره عنه فلم يقبل شفاعته‏.‏

واشتغل صلاح الدين بما نذكره من الفرنج فلما رأى صاحب ماردين طول مقام عسكره على البيرة ولم يبلغوا منها غرضًا أمرهم بالرحيل عنها وعاد إلى ماردين فسار صاحبها إلى صلاح الدين وكان معه حتى عبر معه الفرات على ما نذكره إن شاء الله تعالى‏.‏

في هذه السنة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة لإراقة الخمور وأخذ المفسدات فبينما امرأة منهم في موضع علمت بمجيء أصحاب حاجب الباب فاضطجعت وأظهرت أنها مريضة وارتفع أنينها فرأوها على تلك الحال فتركوها وانصرفوا فاجتهدت بعدهم أن تقوم فلم تقدر وجعلت تصيح‏:‏ الكرب الكرب إلى أن ماتت‏.‏

وهذا من أعجب ما يحكى‏.‏

وفيها عاشر ذي الحجة توفي الأمير همام الدين تتر صاحب قلعة تكريت بالمزدلفة كان قد استخلف الأمير عيسى ابن أخي مودود وحج فتوفي ودفن بالمعلى مقبرة مكة‏.‏

وفيها في شعبان توفي عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد أبو البركات النحوي المعروف بابن الأنباري ببغداد وله تصانيف حسنة في النحو وكان فقيهًا صالحًا‏.‏

وفيها توفي إبراهيم بن مهران الفقيه الشافعي بجزيرة ابن عمر وكان فاضلًا كثير الورع‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


317 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر إرسال صلاح الدين العساكر إلى اليمن



317


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر إرسال صلاح الدين العساكر إلى اليمن

في هذه السنة سير صلاح الدين جماعة من أمرائه منهم صارم الدين قتلغ أبه والي مصر إلى اليمن للاختلاف الواقع بها بين نواب أخيه شمس الدولة وهم عز الدين عثمان بن الزنجيلي والي عدن وحطان بن منقذ والي زبيد وغيرهما فإنهم لما بلغهم وفاة صاحبهم اختلفوا وجرت بين عز الدين عثمان وبين حطان حرب وكل واحد منهما يروم أن يغلب الآخر على ما بيده واشتد الأمر فخاف صلاح الدين أن يطمع أهل البلاد فيها بسبب الاختلاف بين أصحابه وأن يخرجوهم ثم مات قتلغ أبه فعاد حطان إلى إمارة زبيد وأطاعه الناس لجوده وشجاعته‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


316 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر تلبيس ينبغي أن يحتاط من مثله



316


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر تلبيس ينبغي أن يحتاط من مثله

كان سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ الكناني ينوب عن شمس الدولة أخي صلاح الدين باليمن وتحكم في الأموال والبلاد بعد أن فارقها شمس الدولة كما ذكرنا وكان هواه بالشام لأنه وطنه فأرسل إلى شمس الدولة يطلب الإذن له المجيء إليه فأذن له في المجيء فاستناب بزبيد أخاه حطان ابن كامل بن منقذ الكناني وعاد إلى شمس الدولة وكان معه بمصر‏.‏

فمات شمس الدولة وبقي مع صلاح الدين فقيل عنه‏:‏ إنه أخذ أموال اليمن وادخرها وسعى به أعداؤه فلم فلما كان هذه السنة وصلاح الدين بمصر اصطنع سيف الدولة طعامًا وعمل دعوة كبيرة ودعا إليها أعيان الدولة الصلاحية بقرية تسمى العدوية‏.‏

وأرسل أصحابه يتجهزون من البلد ويشترون ما يحتاجون إليه من الأطعمة وغيرها فقيل لصلاح الدين أن ابن منقذ يريد الهرب وأصحابه يتزودون له ومتى دخل اليمن أخرجه عن طاعتك فأرسل صلاح الدين فأخذه والناس عنده وحبسه فلما سمع صلاح الدين جلية الحال علم أن الحيلة تمت لأعدائه في قبضه فخفف ما كان عنده عليه وسهل أمره وصانعه على ثمانين ألف دينار مصرية سوى ما لحقها من الحمل لأخوة صلاح الدين وأصحابه وأطلقه وأعاده إلى منزلته وكان أديبًا شاعرًا‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


315 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر غزاة إلى بلد الكرك من الشام



315


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر غزاة إلى بلد الكرك من الشام

في هذه السنة سار فرخشاه نائب صلاح الدين بدمشق إلى أعمال الكرك ونهبها‏.‏ وسبب ذلك أن البرنسن صاحب الكر كان من شياطين الفرنج ومردتهم وأشدهم عداوة للمسلمين فتجهز وجمع عسكره ومن أمكنه الجمع وعزم على المسير في البر إلى تيماء ومنها إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم للاستيلاء على تلك النواحي الشريفة فسمع عز الدين فرخشاه ذلك فجمع العساكر الدمشقية وسار إلى بلده ونهبه وخربه وعاد إلى طرف بلادهم وأقام ليمنع البرنس من بلاد الإسلام فامتنع بسببه عن مقصده فلما طال مقام كل واحد منهم في مقابلة الآخر علم البرنس أن المسلمين لا يعودون حتى يفرق جمعه ففرقهم وانقطع طمعه من الحركة فعاد فرخشاه إلى دمشق وكفى الله المؤمنين شر الكفار‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

314 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير = ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة



314


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

= ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة

== ذكر غزاة إلى بلد الكرك من الشام
== ذكر تلبيس ينبغي أن يحتاط من مثله
== ذكر إرسال صلاح الدين العساكر إلى اليمن
== ذكر وفاة الملك الصالح وملك ابن عمه عز الدين مسعود مدينة حلب


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

313 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر عدة حوادث ذكر ذلك وما جرى في قفصة من قتل الموحدين



313


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر عدة حوادث

ذكر ذلك وما جرى في قفصة من قتل الموحدين

ومساعدة أهل قفصة صاحبهم على ذلك فشرع في سد الثغور التي يخافها بعد مسيره فلما فرغ من جميع ذلك جهز العسكر وسار نحو إفريقية سنة خمس وسبعين ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهرن وهي بلدة حصينة وأهلها أنجاد وقطع شجرها‏.‏

فلما اشتد الأمر على صاحبها وأهلهان خرج منها مستخفيًا لم يعرف به أحد من أهل قفصة ولا من عسكره وسار إلى خيمة يوسف وعرف حاجبه انه قد حضر إلى أمير المؤمنين يوسف فدخل الحاجب واعلم يوسف بوصول صاحب قفصة إلى باب خيمته فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد وأمر بإدخاله عليه فدخل وقبل يده وقال‏:‏ قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عني وعن أهل بلدي وان يفعل ما هو أهله واعتذر فرق له يوسف فعفا عنه وعن أهل البلد وتسلم المدينة أول سنة ست وسبعين وسير على بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب فكان فيه مكرمًا عزيزًا وأقطعه ولاية كبيرة ورتب يوسف لقفصة طائفة من أصحابه الموحدين وحضر مسعود بن زمام أمير العرب عند يوسف أيضًا فعفا عنه وسيره إلى مراكش وسار يوسف إلى المهدية فاتاه بها رسول ملك الفرنج صاحب صقلية يلتمس الصلح منه فهادنه عشر سنين وكانت بلاد إفريقية مجدبة فتعذر على العسكر القوت وعلف الدواب فسار إلى المغرب مسرعًا والله أعلم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




312 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ذلك وما جرى في قفصة من قتل الموحدين



312


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ذلك وما جرى في قفصة من قتل الموحدين

ومساعدة أهل قفصة صاحبهم على ذلك فشرع في سد الثغور التي يخافها بعد مسيره فلما فرغ من جميع ذلك جهز العسكر وسار نحو إفريقية سنة خمس وسبعين ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهرن وهي بلدة حصينة وأهلها أنجاد وقطع شجرها‏.‏

فلما اشتد الأمر على صاحبها وأهلهان خرج منها مستخفيًا لم يعرف به أحد من أهل قفصة ولا من عسكره وسار إلى خيمة يوسف وعرف حاجبه انه قد حضر إلى أمير المؤمنين يوسف فدخل الحاجب واعلم يوسف بوصول صاحب قفصة إلى باب خيمته فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد وأمر بإدخاله عليه فدخل وقبل يده وقال‏:‏ قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عني وعن أهل بلدي وان يفعل ما هو أهله واعتذر فرق له يوسف فعفا عنه وعن أهل البلد وتسلم المدينة أول سنة ست وسبعين وسير على بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب فكان فيه مكرمًا عزيزًا وأقطعه ولاية كبيرة ورتب يوسف لقفصة طائفة من أصحابه الموحدين وحضر مسعود بن زمام أمير العرب عند يوسف أيضًا فعفا عنه وسيره إلى مراكش وسار يوسف إلى المهدية فاتاه بها رسول ملك الفرنج صاحب صقلية يلتمس الصلح منه فهادنه عشر سنين وكانت بلاد إفريقية مجدبة فتعذر على العسكر القوت وعلف الدواب فسار إلى المغرب مسرعًا والله أعلم‏.‏



 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


311 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة بعد خلاف صاحبها عليه



311


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة بعد خلاف صاحبها عليه

في هذه السن ة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن إلى إفريقية وملك قفصة‏.‏وكان سبب ذلك أن صاحبها ابن عبد المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى إفريقية واستيلائهم على بعضها وانقياد العرب إليهم طمع أيضًا في الاستبداد والانفراد عن يوسف وكان في طاعته فأظهر ما في نفسه وخالفه وأظهر العصيان ووافقه أهل قفصة فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب وكان ذلك في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة فأرسل والي بجاية إلى يوسف بن عبد المؤمن يخبره باضطراب أمور البلاد واجتماع كثير من العرب إلى قراقوش التركي الذي دخل إلى إفريقية وقد تقدم




 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

310 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر قصد صلاح الدين بلد ابن ليون



310


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر قصد صلاح الدين بلد ابن ليون

وفيها قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني بعد فراغه من أمر قلج أرسلان وسبب ذلك أن أبن ليون الأرمني قد استمال قومًا من التركمان وبذل لهم الأمان فأمرهم أن يرعوا مواشيهم في بلاده وهي بلاد حصينة كلها حصون منيعة والدخول إليها صعب لأنها مضائق وجبال وعرة ثم غدر بهم وسبى حريمهم واخذ أموالهم وأسر رجالهم بعد أن قتل منهم من حان أجله‏.‏

ونزل صلاح الدين على النهر الأسود وبث الغارات على بلاده فخاف ابن ليون على حصن له على رأس جبلن أن يؤخذ فخربه وأحرقه فسمع صلاح الدين بذلك فأسرع السير إليه فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات فغنمها وانتفع المسلمون بما غنموه فأرسل ابن ليون يبذل إطلاق ما عنده من الأسرى والسبي وإعادة أموالهم على أن يعودوا عن بلاده فأجابه صلاح الدين إلى ذلك واستقر الحال وأطلق الأسرى وأعيدت أموالهم وعاد صلاح الدين عنه في ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



309 الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير ذكر مسير صلاح الدين لحرب قلج أرسلان



309


الكامل في التاريخ ( ابن الاثير ) الجزء السابع والاخير

ذكر مسير صلاح الدين لحرب قلج أرسلان

في هذه السنة سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من الشام إلى بلاد قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان وهي ملطية وسيواس وما بينهما وقونية ليحاربه‏.‏

وسبب ذلك أن نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود صاحب حصن كيفا وغيره من ديار بكر كان قد تزوج ابنة قلج أرسلان المذكور وبقيت عنده مدة ثم إنه أحب مغنية فتزوجها ومال إليها وحكمت في بلاده وخزائنه واعرض عن ابنة قلج أرسلان وتركها نسيًا منسيًا فبلغ أباها الخبر فعزم على قصد نور الدين واخذ بلاده فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يستجير به ويسأله كف يد قلج ارسلان عنه فأرسل صلاح الدين إلى قلج أرسلان في المعنى فأعاد الجواب‏:‏ إنني كنت قد سلمت إلى نور الدين عدة حصون مجاورة بلاده لما تزوج ابنتي فحيث آل الأمر معه إلى ما تعلمهن فأنا أريد أن يعيد إلي ما أخذه مني‏.‏

وترددت الرسل بينهما فلم يستقر حال فيها فهادن صلاح الدين الفرنج وسار في عساكره وكان الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب فيها فتركها ذات اليسار وسار على تل باشر إلى رعبان فأتاه بها نور الدين محمد وأقام عنده فلما سمع قلج أرسلان بقربه منه أرسل إليه أكبر أمير عنده ويقول له‏:‏ إن هذا الرجل فعل مع ابنتي كذا ولا بد من قصد بلاده وتعريفه محل نفسه فلما وصل الرسول واجتمع بصلاح الدين وأدى الرسالة امتعض صلاح الدين لذلك واغتاظ وقال للرسول‏:‏ قل لصاحبك والله الذي لا غله إلا هو لئن لم يرجع لأسيرن إلى ملطية وبيني وبينها يومان ولا أنزل عن فرسي إلا في البلد ثم أقصد جميع بلاده وآخذها منه‏.‏

فرأى الرسول أمرًا شديدًا فقام من عنده وكان قد رأى العسكر وما هو عليه من القوة والتجمل وكثرة السلاح والدواب وغير ذلك وليس عنده ما يقاربه فعلم أنه إن قصدهم أخذ بلادهم فأرسل إليه من الغد يطلب أن يجتمع به فأحضره فقال له‏:‏ أريد أن أقول شيئًا من عندي ليس رسالة من عند صاحبي واحب ان تنصفني‏.‏

فقال له‏:‏ قل‏!‏‏!‏ قال‏:‏ يا مولانا ما هو قبيح بمثلك وأنت من اعظم السلاطين وأكبرهم شأنًا أن تسمع الناس عنك انك صالحت الفرنج وتركت الغزو ومصالح المملكة وأعرضت عن كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة وجمعت العساكر من أطراف البلاد البعيدة والقريبة وسرت وخسرت أنت وعساكرك الأموال الكثيرة من أجل قحبة مغنية ما يكون عذرك عند الله تعالى ثم عند الخليفة وملوك الإسلام والعالم كافة واحسب ان أحدًا ما يواجهك بهذا أما يعلمون أن الأمر هكذا ثم احسب أن قلج ارسلان مات وهذه ابنته أرسلتني إليك تستجير بك وتسألك أن تنصفها من زوجها فإن فعلت فهو الظن بك أن لا تردها‏.‏

فقال‏:‏ والله الحق بيدك وإن الأمر لكما تقولن ولكن هذا الرجل دخل علي وتمسك بي ويقبح بي تركه لكنك أنت اجتمع به واصلح الحال بينكم على ما تحبون وأنا أعينكم عليه وأقبح فعله عنده ووعد من نفسه بكل جميل فاجتمع الرسول بصاحب الحصن وتردد القول بينهم فاستقر أن صاحب الحصن يخرج المغنية من عنده بعد سنة وإن كان لا يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته ويكون هو وقلج أرسلان عليه واصطلحوا على ذلك وعاد صلاح الدين عنه إلى الشام وعاد نور الدين إلى بلاده فلما انقضت المدة أخرج نور الدين المغنية عنه فتوجهت إلى بغداد وأقامت بها إلى أن ماتت‏.‏


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ