إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 29 يونيو 2014

18 فتوح الشام ( للواقدي ) معارك الشام


18

فتوح الشام ( للواقدي )

  معارك الشام

قال الواقدي رحمه الله تعالى‏:‏ فلما سمع جرجيس كلام خالد تأخر إلى ورائه وقد تغير لونه فقال له كلوس‏:‏ يا ويلك رأيتك في بدايتك تهيم كالسبع فما لك قد تأخرت فقال‏:‏ وحق المسيح ما أعلم أنه الفارس الجحجاح وبطلهم الفصاح هذا صاحب القوم الذي ملأ الشام شرًا‏.‏

فقال كلوس‏:‏ يا جرجيس اسأله أن يؤخر الحرب بيننا إلى غد فالتفت إلى خالد وقال له‏:‏ يا سيد قومك هذا صاحبي يريد أن يرجع إلى قومه ليشاورهم‏.‏

فقال خالد‏:‏ ويحك أتريد أن تخدعني بالكلام وأقبل برمحه في وجه جرجيس‏.‏

فلما نظر جرجيس ذلك انعقد لسانه وولى هاربًا‏.‏

فلما رأى خالد ذلك طلب كلوس وحمل عليه وتطاعنا واحترز البطريق من طعنات خالد فلما نظر خالد احتراز البطريق حط يده في أطواقه وجذبه فقلعه من سرجه‏.‏

فلما نظر المسلمون فعل خالد كبروا بأجمعهم وتسابق الفرسان إلى خالد فلما قربوا منه رمى لهم البطريق وقال أوثقوه كتافًا فصار يبربر بلسانه فأتى المسلمون بروماس صاحب بصرى وقالوا له‏:‏ اسمع ماذا يقول فقال لهم‏:‏ يقول لكم لا تقتلوني فأني أجبت صاحبكم في المال والجزية‏.‏

فقال خالد‏:‏ استوثقوا منه ثم نزل عن جواده وركب جوادًا أهداه له صاحب تدمر وعزم أن يهجم على الروم‏.‏

فقال ضرار بن الأزور‏:‏ أيها الأمير دعني أنا أحمل على القوم حتى تستريح أنت‏.‏

فقال‏:‏ يا ضرار‏:‏ الراحة في الجنة غدًا ثم عول خالد على الحملة فصاح به البطريق كلوس وقال‏:‏ وحق دينك ونبيك إلا ما رجعت إلي حتى أخاطبك فرجع خالد إليه وقال لروماس‏:‏ اسأله ما يريد‏.‏

فقال‏:‏ أعلمه أني صاحب الملك وقد بعثني إليكم في خمسة آلاف فارس لأردكم عن بلده وأهله ورعيته وقد تحاججت أنا وعزازير متولي دمشق وقدم إلي معه كذا وكذا وأنا أسألك بحق دينك إذا خرج إليك فاقتله وإن لم يخرج إليك فاستدعه واقتله فإنه رأس القوم‏.‏

فإن قتلته فقد ملكت دمشق‏.‏

فقال خالد لروماس‏:‏ قل له إنا لا نبقي عليك ولا عليه ولا على من أشرك بالله تعالى‏.‏

ثم إنه بعد ذلك الكلام حمل وهو ينشد ويقول‏:‏ لك الحمد مولانا على كل نعمة وشكرًا لما أوليت من سابغ النعم مننت علينا بعد كفر وظلمة وأنقذتنا من حندس الظلم والظلم وأكرمتنا بالهاشمي محمد وكشفت عنا ما نلاقي من الغمم فتمم إله العرش ما قد ترومه وعجل لأهل الشرك بالبؤس والنقم وألقهم ربي سريعًا ببغيهم بحق نبي سيد العرب والعجم قال الواقدي‏:‏ نقد بلغني ممن أثق به أنه لما ولى جرجيس هاربًا من بين يدي خالد إلى أصحابه رأوه يرتعد من الفزع‏.‏

فقالوا له‏:‏ ما وراءك‏.‏

فقال‏:‏ يا قوم ورائي الموت الذي لا يقاتل والليث الذي لا ينازل وهو أمير القوم وقد آلى على نفسه أن يطلبنا أينما كنا وما خلصت روحي إلا بالجهد فصالحوا الرجل قبل أن يحمل عليكم بأصحابه فلا يبقي منكم أحدًا فقالوا له‏:‏ ما يكفيك أنك انهزمت وقد هموا بقتله فبينما هم كذلك إذ أقبل أصحاب كلوس على عزازير وهم خمسة آلاف وصاحوا به وقالوا له‏:‏ ما أنت عند الملك أعز من صاحبنا وقد كان بيننا وبينك شرك فاخرج أنت إلى خالد واقتله أو أسره وخلص لنا صاحبنا وإلا وحق المسيح والمذبح والذبيح شننا عليك الحرب فقال عزازير وقد رجع به مكره ودهاؤه‏:‏ يا ويلكم أتظنون أني جزعت من الخروج إلى هذا البدوي من أول مرة ولكني ما تأخرت عن الخروج إليه وتقاعدت عن قتاله حتى يتبين عجز صاحبكم وسوف ينظر الفريقان أينا أفرس وأشجع وأثبت في مقام القتال إذا نحن تشابكنا بالنصال‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

17 فتوح الشام ( للواقدي )


17

فتوح الشام ( للواقدي )


ثم حمل من بعده خالد بن الوليد ورفع رمحه ورأى العسكر من أمور الحرب حتى جزع الروم من شجاعته‏.‏

فلما نظر إليه البطريق كلوس علم أنه أمير الجيش وعلم أنه يقصده فتأخر كلوس إلى ورائه من مخافته‏.‏

فلما نظر خالد إلى قهقرة كلوس إلى ورائه حمل عليه ليرده فوقعت عليه البطارقة ورموه بالسهام فلم يلتفت إليهم خالد ولم يعبأ بهم ولم يرجع حتى قتل عشرين‏.‏

ثم انثنى بجواده بين الصفين وجال بجواده بين الفريقين وطلب البراز فلم يجبه أحد وقالوا‏:‏ أخرجوا غيره منكم‏.‏

فقال‏:‏ ويلكم ها أنا رجل واحد من العرب وكلنا في الحرب سواء فما منهم من فهم كلامه فأقبل عزازير على كلوس وقال‏:‏ أليس الملك قد قدمك على جيشه وبعثك إلى قتال العرب فدونك حام عن بلدك ورعيتك‏.‏

فقال كلوس‏:‏ أنت أحق مني بذلك لأنك أقدم مني وقد عزمت أنك لا تخرج إلا بإذن الملك هرقل فما بالك لا تخرج إلى قتال أمير العرب‏.‏

فقال لهما العساكر‏:‏ تقارعا فمن وقعت عليه القرعة فلينزل إلى قتال أمير العرب‏.‏

فقال كلوس‏:‏ لا بل نحمل جميعًا فهو أهيب لنا قال‏:‏ وخاف كلوس أن يبلغ الملك ذلك فيطرده من عنده أو يقتله‏.‏

قال‏:‏ فتقارعا فوقعت القرعة على كلوس‏.‏

فقال عزازير‏:‏ اخرج وبين شجاعتك فقال كلوس لأصحابه‏:‏ أريد أن تكون همتكم عندي فإن رأيتم مني تقصيرًا فاحملوا وخلصوني‏.‏

فقال أصحابه‏:‏ هذا كلام عاجز لا يفلح أبدًا فقال‏:‏ يا قوم إن الرجل بدوي ولغته غير لغتي فخرج معه رجل اسمه جرجيس وقال له‏:‏ أنا أترجم لك فسار معه‏.‏

فقال كلوس‏:‏ اعلم يا جرجيس أن هذا رجل ذو شجاعة فإن رأيته غلبني فاحمل أنت عليه حتى نقضي يومنا معه ويخرج له غدا عزازير فيقتله ونستريح منه وأتخذك أنا صديقي‏.‏

فقال له‏:‏ ما أنا أهل حرب وإنما أخوفه بالكلام‏.‏

قال‏:‏ فسكت وسارا حتى قربا من خالد فنظر إليهما‏.‏

قال‏:‏ فهم أن يخرج إليهما رافع بن عميرة فصاح فيه خالد وقال‏:‏ مكانك لا تبرح فإني كفء لهما فلما دنوا من خالد‏.‏

قال كلوس لصاحبه‏:‏ قل له من أنت وما تريد وخوفه من سطواتنا فقرب جرجيس من خالد وقال له‏:‏ يا أخا العرب أنا أضرب لك مثلًا إن مثلكم ومثلنا كمثل رجل له غنم فسلمها إلى راع وكان الراعي قليل الجرأة على الوحوش فأقبل عليه سبع عظيم فجعل يلتقط منه كل ليلة رأسًا إلى أن انقضت الأغنام والسبع ضار عليها ولم يجد له مانعًا عنها‏.‏

فلما نظر صاحب الغنم ما حل بغنمه علم أنه لم يؤت إلا من الراعي فانتدب لغنمه غلامًا نجيبًا فسقمه الغنم فكان كل ليلة يكثر الطوفان حول الغنم‏.‏

فبينما الغلام كذلك إذ أقبل عليه السبع على عادته الأصلية واخترق الغنم فهجم الغلام على السبع وبيده منجل فضربه فقتله ولم يقرب الغنم وحش بعدها وكذلك أنتم نتهاون بأمركم لأنه ما كان أضعف منكم لأنكم جياع مساكين ضعفاء وتعودتم أكل الذرة والشعير ومص النوى‏.‏

فلما خرجتم إلى بلادنا وأكلتم طعامنا وفعلتم ما فعلتم وقد بعث لكم الملك رجالًا لا تقاس بالرجال ولا تكترث بالأبطال ولا سيما هذا الرجل الذي بجانبي فاحذر منه أن ينزل بك ما أنزل الغلام بالأسد وقد سألني أن أخرج إليك وأتلطف بك في الكلام فأخبرني ما الذي تريد قبل أن يهجم عليك هذا الفارس‏.‏

فلما سمع خالد منه ذلك قال‏:‏ يا عدو الله والله لا نحسبكم عندنا في الحرب إلا كقابض الطير بشبكة وقد قبضها يمينًا وشمالًا فلم يخرج إلا ما انفلت منه‏.‏

وأما ما ذكرت من بلادنا وأنها بلاد قحط وجوع فالأمر كذلك إلا أن الله تعالى أبدلنا ما هو خير منه فأبدلنا بدل الذرة الحنطة والفواكه والسمن والعسل‏.‏

وهنا كله قد رضيه لنا ربنا ووعدنا به على لسان نبيه وأما قولك‏:‏ ما الذي تريدونه منا‏.‏

فنريد منكم إحدى ثلاث خصال إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية أو القتال‏.‏

وأما قولك‏:‏ إن هذا الرجل الذليل الذي هو عندكم مسكين فهو عندنا أقل القليل وإن يكن هو ركن الملك فأنا ركن الإسلام‏.‏

أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد‏.‏

أنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

16 فتوح الشام ( للواقدي )


16

فتوح الشام ( للواقدي )


ثم رحل فلم ينزل إلا بدمشق وكان واليها بطريقًا من قبل الملك هرقل اسمه عزازير فلما قدم كلوس اجتمع عليه عزازير وأصحابه وقرأوا عليهم منشور الملك ثم قال لهم‏:‏ أتريدون أن أقاتل عدوكم وأصده عن بلادكم‏.‏

قالوا‏:‏ نعم فقال‏:‏ أخرجوا عزازير عنكم حتى أكون وحدي في هذا الأمر‏.‏

فقالوا‏:‏ أيها السيد وكيف ينبغي أن يخرج صاحبنا من بلدنا وهذا العدو قاصد إلينا‏.‏

قال‏:‏ فغضب عزازير في وجه كلوس من كلامه وقد اتفق رأيهم على أن كل واحد يقاتل العرب يومًا فثبتت عداوة عزازير في قلب كلوس‏.‏

قال الواقدي‏:‏ ولقد بلغني أنهم كانوا يخرجون كل يوم من باب الجابية مقدار فرسخ ينظرون قدوم أبي عبيدة بن الجراح فلم يشعروا حتى قدم إليهم خالد بن الوليد من نحو الثنية قال‏:‏ حدثنا يسار بن محمد‏.‏

قال‏:‏ أخبرنا رفاعة بن مسلم‏.‏

قال‏:‏ كنت في جيش خالد بن الوليد لما نزل على الدير المعروف به وإذا بجيش الروم قد زحف علينا وهو كالجراد المنتشر فلما نظر خالد ذلك تدرع بدرع مسلمة ثم صرخ في وجه المسلمين‏.‏

وقال‏:‏ هذا يوم ما بعده يوم وهذا العدو قد زحف بخيله فدونكم والجهاد فانصروا الله ينصركم وكونوا ممن باع نفسه لله عز وجل وكأنكم بإخوانكم المسلمين قدموا عليكم مع أبي عبيدة بن الجراح ثم بعد ذلك استقبل الجيش وصرخ بملء رأسه فأرعب المشركين من صرخته وحمل شرحبيل بن حسنة وعبد الرحمن بن أبي بكر وضرار بن الأزور ومذ حمل ضرار لم يول عنهم بل قتل من الميمنة خمسة فرسان ومن الميسرة كذلك‏.‏

ثم حمل ثاني مرة فقتل منهم ستة فرسان ولولا سهام القوم لما رد عن قتالهم فشكره خالد بن الوليد وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه‏:‏ احمل بارك الله فيك‏.‏

قال‏:‏ فحمل عبد الرحمن وفعل كما فعل ضرار بن الأزور وقاتل قتالًا شديدًا‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

15 فتوح الشام ( للواقدي )


15

فتوح الشام ( للواقدي )


فإذا فتح الله على يديك قال الواقدي‏:‏ حدثني معمر بن سالم عن جده قال‏:‏ كان روماس يجاهد معنا جهادًا حسنًا حتى فتح الله على أيدينا الشام فكان أبو عبيدة يكاتب به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيامه فولاه على بصرى فلم يلبث إلا يسيرًا حتى توفي رحمه الله وخلف عقبًا يذكر به قال‏:‏ وأمر خالد رجالًا يعينونه على إخراج رحله وماله من المدينة ففعلوا ذلك وإذا بزوجته تخاصمه وتطلب فراقه‏.‏

فقال لها المسلمون‏:‏ ما الذي تريدين قالت‏:‏ أريد أمير جيشكم يحكم بيننا فجاءوا بها إلى خالد فقالت له‏:‏ أنا أستغيث بك من روماس‏.‏

فقال لها خالد‏:‏ وكيف ذلك فقالت‏:‏ إني كنت البارحة نائمة إذ رأيت شخصًا ما رأيت منه أحسن منه وجهًا كأن البدر يطلع من بين عينيه وكأنه يقول‏:‏ إن المدينة فتحت على يد هؤلاء القوم والشام والعراق‏.‏

فقلت له‏:‏ ومن أنت يا سيدي‏.‏

قال‏:‏ محمد رسول الله ثم دعاني إلى الإسلام فأسلمت ثم علمني سورتين من القرآن‏.‏

قال‏:‏ فحدث الترجمان خالد بما كان منها‏.‏

فقال‏:‏ إن هذا لعجيب ثم قال خالد للترجمان‏:‏ قل لها أن تقرأ السورتين فقرأت الفاتحة وقل هو الله أحد ثم جددت إسلامها على يد خالد بن الوليد وقالت‏:‏ يا أيها الأمير إما أن يسلم روماس وإلا يتركني أعيش بين المسلمين‏.‏

قال‏:‏ فضحك خالد من قولها وقال‏:‏ سبحان الله الذي وفقهما جميعًا‏.‏

ثم قال للترجمان‏:‏ قل لها إن روماس أسلم قبلها ففرحت بذلك‏.‏

ثم إن خالدًا أحضر أهل بصرى وقررهم على أداء الجزية وولى عليهم من اتفق رأيه عليه‏.‏

ثم كتب إلى أبي عبيدة كتابًا يبشره بالفتح ويقول له‏:‏ يا صاحب رسول الله قد ارتحلنا إلى دمشق فألحقنا إليها‏.‏

ثم كتب كتابًا آخر إلى أبي بكر الصديق يخبره برحيله ويقول له‏:‏ يوم كتبت إليك هذا الكتاب ارتحلت إلى دمشق فادع لنا بالنصر والسلام عليك ومن معك ورحمة الله وبركاته‏.‏

ثم بعث الكتابين كلاهما ثم ارتحل خالد إلى نحو دمشق حتى أشرف على موضع يقال له الثنية فوقف هناك وركز راية العقاب فسميت بذلك ثنية العقاب‏.‏

ثم ارتحل منها إلى الدير المعروف الآن بدير خالد وكان أهل السواد قد التجئوا إلى دمشق وقد اجتمعت خلائق وأمم لا تحصى من الرجال‏.‏

وأما أصحاب الخيل فكانوا اثني عشر ألفًا وقد زينوا أسوارهم بالطوارق والبيارق والصلبان وأقام خالد على الدير ينتظر قدوم المسلمين‏.‏

قال الواقدي‏:‏ ووصلت الأخبار إلى الملك هرقل وما فتح خالد من الشام وكيف قدم على دمشق فغضب وجمع البطارقة وقال‏:‏ يا بني الأصفر لقد قلت لكم وحذرتكم فأبيتم وهؤلاء العرب قد فتحوا أركة وتدمر والسخنة وبصرى وقد توجهوا إلى الربوة ففتحوها فواكرباه لأن دمشق جنة الشام وقد سارت إليها الجيوش وهم أضعاف العرب ثم قال‏:‏ أيكم يتوجه إلى قتال العرب ويكفيني أمرهم فإن هزمهم أعطيته ما فتحوه ملكًا‏.‏

فقال بطريق من البطارقة اسمه كلوس بن حنا وكان من فرسانهم وقد عرفت شجاعته في عساكر الروم والفرس‏:‏ أيها الملك أنا أكفيك وأردهم على أعقابهم منهزمين‏.‏

قال‏:‏ فلما سمع الملك قوله سلم إليه صليبا من الذهب وقدمه على خمسة آلاف فارس وقال له‏:‏ قدم صليبك أمامك فإنه ينصرك‏.‏

قال‏:‏ فأخذه كلوس وسار من يومه من أنطاكية إلى أن وصل حمص فوجدها مزينة بالسلاح فلما بلغ أهلها قدومه خرجوا إلى لقائه وقد خرجت القسس والرهبان واستقبلوه ودعوا له بالنصر وأقام بحمص يومًا وليلة ثم أرتحل إلى مدينة بعلبك فخرج إليه النساء لاطمات الخدود وقلن‏:‏ أيها السيد إن العرب فتحوا أركة وحوران وبصرى فقال لهن‏:‏ كيف قدرت العرب على حوران وبصرى‏.‏

فقلن‏:‏ أيها السيد إن الذين ذكرتهم لم يبرحوا من أماكنهم وإن هذا الرجل قد أقبل من العراق وهو الذي فتح أركة‏.‏

فقال‏:‏ وما اسمه‏.‏

قلن‏:‏ خالد بن الوليد‏.‏

قال‏:‏ في كم يكون من العساكر‏.‏

قلن‏:‏ في ألف وخمسمائة فارس‏.‏

فقال‏:‏ وحق المسيح لأجعلن رأسه على رأس سناني‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

14 فتوح الشام ( للواقدي )


14

فتوح الشام ( للواقدي )


فقال شرحبيل بن حسنة‏:‏ اللهم إن هؤلاء الأنجاس يبتهلون بكلمة كفرهم ويدعون معك إلها آخر لا إله إلا أنت ونحن نبتهل إليك بلا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك إلا ما نصرت هذا الدين على أعدائك المشركين ثم حملوا حملة واحدة فلم يكن للروم ثبات مع العرب فولى المشركون الأدبار وركنوا إلى الفرار‏.‏

فلما حطوا داخل المدينة أغلقوا الأبواب وتحصنوا بالأسوار ورفعوا الصلبان وعولوا أن يكتبوا للملك ليمدهم بالخيل والرجال‏.‏

قال عبد الله بن رافع‏:‏ فلما تحصنوا رجعنا عنهم وافتقدنا أصحابنا فوجدنا قد قتل منا مائة وثلاثون فارسًا وقتل من الأعيان بدريان‏.‏

قال‏:‏ وغنم المسلمون الأموال وصلى خالد على الشهداء وأمر بدفنهم‏.‏

فلما كان الليل تولى الحرس عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ومعمر بن راشد ومائة من جيش الزحف‏.‏

فبينما هم يدورون حول العسكر وإذا بروماس صاحب بصرى قد أقبل عليهم‏.‏

وقال لهم‏:‏ أين خالد بن الوليد فأخذوه وأتوا به إلى خالد‏.‏

فلما رآه رحب به‏.‏

فقال‏:‏ أيها الأمير بعد أن فارقتك طردني قومي وقالوا‏:‏ الزم قصرك وإلا قتلناك فلزمت قصري وهو ملاصق للسور ولما وقع لهم ما وقع وانهزموا تحصنوا‏.‏

فلما جن الليل أمرت غلماني بحفر السور وفتحوا فيه بابًا فأتيتك فأرسل معي من تعتمد عليه من أصحابك تستلمون المدينة‏.‏
فلما سمع خالد هذا الكلام أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يأخذ مائة من المسلمين ويسيروا مع روماس‏.‏

قال ضرار بن الأزور‏:‏ وكنت ممن دخل المدينة‏.‏

فلما صرنا في قصر روماس فتح لنا خزانة السلاح فلبسنا من سلاحهم وقسمنا أربعة أقسام كل جانب خمسة وعشرون رجلًا‏.‏
وقال لنا عبد الرحمن‏:‏ إذا سمعتم التكبير فكبروا‏.‏

فلما سرنا حيث أمرنا أخذنا أنفسنا بالحملة على القوم‏.‏

قال الواقدي‏:‏ بلغني ممن أثق به من الرواة أن عبد الرحمن لما فارق أصحابه لبس سلاحه وسار هو وروماس يطلبون الدرج الذي عليه الديرجان وسار معهم ضرار ورافع وشرحبيل بن حسنة‏.‏

فلما قرب عبد الرحمن من الدرج الذي فيه الديرجان قال الديرجان‏:‏ من أنتم فقال‏:‏ أنا روماس‏.‏

فقال‏:‏ لا أهلًا ولا مرحبًا بك ومن الذي معك قال‏:‏ معي صديق لك ومشتاق إلى رؤياك قال‏:‏ ويحك ومن هو يا روماس‏.‏

قال‏:‏ هذا ابن أبي بكر الصديق‏.‏

فلما سمع الديرجان ذلك هم أن يقتله فلم تطاوعه نفسه فحمل عليه عبد الرحمن وهز سيفه في وجهه وضربه على عاتقه فتجندل صريعًا يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار‏.‏

قال‏:‏ وكثر عبد الرحمن فأجابه روماس وسمع أصحابه التكبير فكبروا من جوانب بصرى‏.‏

قال‏:‏ وأجابتهم الأحجار والأشجار‏.‏

قال‏:‏ وكبر المسلمون من جوانب بصرى ووضعوا السيف في الروم وسمع خالد التكبير فصرخوا وإذا بغلمان روماس وأولاده قد فتحوا لهم الأبواب فعبر خالد ومن معه من المسلمين‏.‏

فلما نظر أهل بصرى إلى الأبواب وقد فتحت بالسيف قهرًا ضجوا بأجمعهم يقولون‏:‏ الأمان الأمان‏.‏

فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ ارفعوا السيف عنهم وأقام خالد إلى الصباح واجتمع إليه أهلها‏.‏

وقالوا‏:‏ يا أيها الأمير لو صالحناك ما جرى شيء من ذلك ولكن نسألك بالذي أيدك ونصرك ما الذي فتح لك أبواب مدينتنا‏.‏

فاستحى خالد رضي الله عنه أن يقول فوثب روماس وقال‏:‏ أنا فعلت ذلك يا أعداء الله وأعداء رسوله وما فعلته إلا ابتغاء مرضاة الله وجهادًا فيكم‏.‏

فقالوا‏:‏ أولست منا فقال‏:‏ اللهم لا تجعلني منهم رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالكعبة قبلة وبالقرآن إمامًا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ ففرح خالد بذلك‏.‏

وأما أهل بصرى فغضبوا وأضمروا له شرًا وعلم بذلك روماس‏.‏

فقال لخالد‏:‏ أنا لا أريد المقام عندهم وإني أسير معك حيث سرت‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

13 فتوح الشام ( للواقدي )


13

فتوح الشام ( للواقدي )


قال‏:‏ وبقي خالد في الوسط وهو يعظ الناس ويوصيهم وقد عزموا على الحملة وإذا بصفوف الروم قد انشقت وخرج من وسطها فارس عظيم الخلقة كثير الزينة يلمع ما عليه من الذهب الأحمر والياقوت‏.‏

فلما توسط الجمعين نادى بلسان عربي كأنه بدوي‏:‏ يا معشر العرب لا يبرز لي إلا أميركم فأنا صاحب بصرى‏.‏

قال‏:‏ فخرج إليه خالد رضي الله عنه كالأسد الضرغام وقرب منه‏.‏

فقال له البطريق‏:‏ أنت أمير القوم‏.‏

قال‏:‏ كذلك يزعمون أني أميرهم ما دمت على طاعة الله ورسوله فإن عصيته فلا إمارة لي عليهم‏.‏

قال البطريق‏:‏ إني رجل عاقل من عقلاء الروم وملوكهم وإن الحق لا يخفى عن ذي بصيرة واعلم أني قرأت الكتب السابقة والأخبار الماضية فوجدت أن الله تعالى يبعث قرشيًا واسمه محمد بن عبد الله‏.‏

قال خالد‏:‏ والله نبينا‏.‏

قال‏:‏ أنزل عليه الكتاب قال‏:‏ نعم القرآن‏.‏

قال روماس البطريق‏:‏ أحرم عليكم فيه الخمر‏.‏

قال خالد‏:‏ نعم من شربها حددناه ومن زنى جلدناه وإن كان محصنًا رجمناه‏.‏

قال‏:‏ أفرضت عليكم الصلوات‏.‏

قال‏:‏ نعم خمس صلوات في اليوم والليلة‏.‏

قال‏:‏ أفرض عليكم الجهاد قال خالد‏:‏ ولولا ذلك ما جئناكم نبغي قتالكم‏.‏

قال روماس‏:‏ والله إني لأعلم أنكم على الحق وإني أحبكم وحذرت قومي منكم وإني خائف منكم فأبوا‏.‏

فقال خالد‏:‏ فقل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يكون لك ما لنا وعليك ما علينا‏.‏

فقال‏:‏ إني أسلمت وأخاف أن يعجل هؤلاء بقتلي‏:‏ وسبي حريمي ولكن أنا أسير إلى قومي وأرغبهم فلعل الله أن يهديهم‏.‏

فقال خالد‏:‏ وإن رجعت إلى قومك بغير قتال يكون بيني وبينك خفت عليك ولكن احمل علي حتى لا يتهموك وبعد ذلك أطلب قومك‏.‏

فحمل بعضهم على بعض وأرى خالد الفريقين أبوابًا من الحرب حتى أبهر روماس‏.‏

فقال لخالد‏:‏ شدد علي الحملة حتى يرى الديرجان فإني خائف عليك من بطريق بعث به الملك يقال له الديرجان‏.‏

فقال خالد‏:‏ ينصرنا الله عليه ثم شدد على روماس الحملة حتى إنه انهزم من بين يديه إلى قومه‏.‏

فلما وصل إلى قومه قال‏:‏ ما الذي رأيت من العرب قال‏:‏ إن العرب أجلاد ما لكم بقتالهم طاقة ولا بد لهم أن يملكوا الشام وما تحت سريري هذا فادخلوا تحت طاعتهم وكونوا مثل أركة والسخنة قال‏:‏ فلما سمعوا كلامه زجروه وأرادوا قتله وقالوا له‏:‏ ادخل المدينة والزم قصرك ودعنا لقتال العرب فانصرف روماس وقال‏:‏ لعل الله ينصر خالدًا‏.‏

ثم إن أهل بصرى ولوا عليهم الديرجان وقالوا‏:‏ إذا فرغنا من المسلمين سرنا معك إلى الملك ونسأله أن ينزع روماس ويوليك علينا‏.‏

قال الديرجان‏:‏ وما الذي تريدون‏.‏

فقال عبد الرحمن لخالد‏:‏ يا أمير أنا أخرج إليه‏.‏

فقال‏:‏ دونك يا ابن الصديق فخرج عبد الرحمن وحمل على الديرجان فما لبثوا غير ساعة وقد أحس الديرجان من نفسه بالتقصير فولى منهزمًا وراح إلى قومه‏.‏

فلما رأوا ذلك منه نزل الرعب في قلوبهم وعلم خالد ما عند القوم من الفزع فحمل وحمل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وحمل المسلمون‏.‏

فلما نظر أهل بصرى إلى حملة المسلمين حملوا وتلاقى الفريقيان وضجت الرهبان بكلمة كفرهم‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

12 فتوح الشام ( للواقدي )


12

فتوح الشام ( للواقدي )


واعلم يا أخا العرب أن بكر هو صاحبي ورفيقي ولو كان حاضرًا ما قاتلني‏.‏

فقال شرحبيل‏:‏ لو كنت ولده أو ابن عمه لما عفا عنه إلا أن يكون من أهل ملته وليس له من الأمر شيء لأنه مكلف وقد أمره الله أن يجاهدكم ولسنا نبرح عنكم إلا بإحدى ثلاث‏:‏ إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية أو السيف‏.‏

فقال روماس‏:‏ وحق ما أعتقده من ديني‏:‏ لو كان الأمر إلي أقاتلكم لأني أعلم أنكم على حق وهؤلاء طواغية الروم وقوم مجتمعون وإني أريد أن أرجع إليهم وأنظر ما عندهم‏.‏

فقال شرحبيل‏:‏ ارجع إليهم فلا بد لكم بما ذكرت‏.‏

قال‏:‏ فعاد روماس إلى قومه وجمعهم وقال‏:‏ يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية الذي كنتم تعتقدونه في كتبكم من الخروج من بلادكم ودياركم ونهب أموالكم قد قرب وهذا وقته وزمانه ولستم بأعظم جيشًا من روبيس سار إلى شرذمة من العرب بأرض فلسطين‏.‏

فقتل وقتل من معه وانهزم الباقون ولقد بلغني أن رجلًا منهم قد خرج أرض السماوة صوب العراق اسمه خالد بن الوليد وقد فتح أركة والسخنة وتدمر وحوران وهو عن قريب يحضر إليكم والصواب أن تؤدوا الجزية عن يد إلى هؤلاء العرب وينصرفون عنكم‏.‏

قال‏:‏ فلما سمع قومه ذلك غضبوا وشوشوا وهموا بقتله‏.‏

فقال روماس‏:‏ يا قوم إنما أردت أن أختبركم وأرى حمية دينكم والآن دونكم والقوم وأنا أولكم‏.‏

قال‏:‏ فرجعت الروم إلى عددها وعديدها وتظاهروا بالدروع البيض وقادوا الجنائب وتهيئوا للحملة‏.‏

فلما رأى شرحبيل بن حسنة ذلك وعظ أصحابه‏.‏

وقال‏:‏ اعلموا رحمكم الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الجنة تحت ظلال السيوف‏)‏‏.‏ وأحب ما قرب إلى الله قطرة دم في سبيل الله أو دمعة جرت في جوف الليل من خشية الله‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 102‏]‏‏.‏ ثم حمل وحمل المسلمون على جيش بصرى‏.‏

قال عبد الله بن عدي‏:‏ واجتمع علينا العدو وطمعوا فينا وحملوا علينا في اثني عشر ألف فارس من الروم ونحن فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وصبرنا لهم صبر الكرام ولم يزل القتال بيننا وبينهم إلى أن توسطت الشمس في قبة الفلك وقد طمع العدو فينا فرأيت شرحبيل بن حسنة قد رفع يده إلى السماء وهو يقول‏:‏ يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام اللهم انصرنا على القوم الكافرين‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما استتم شرحبيل كلامه ودعاءه حتى جاء النصر من عند الله العزيز الحكيم وذلك أن القوم داروا بنا فرأينا غبرة قد أشرفت علينا من صوب حوران‏.‏

فلما قربت لنا رأينا تحتها سوابق الخيل فلاحت لنا الأعلام الإسلامية والرايات المحمدية وقد سبق إلينا فارسان‏:‏ أحدهما ينادي ويزعق‏:‏ يا شرحبيل يا ابن حسنة أبشر بالنصر لدين الله أنا الفارس الصنديد والبطل المجيد أنا خالد بن الوليد والآخر يزعق ويقول‏:‏ أنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وأشرفت العساكر من كل جانب‏.‏

قال‏:‏ وأشرفت راية العقاب يحملها رافع بن عميرة الطائي‏.‏

قال‏:‏ حدثنا سالم بن عدي عن ورقاء بن حسان العامري عن مسيرة بن مسروق العبسي‏.‏

قال‏:‏ والله لقد خمدت أصوات الروم عند زعقة خالد رضي الله عنه وأقبل المسلمون يسلم بعضهم على بعض وأقبل شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن الوليد وسلم عليه‏.‏

فقال خالد‏:‏ يا شرحبيل أما علمت أن هذه مينا الشام والعراق وفيها عساكر الروم وبطارقتهم‏.‏

فكيف غررت بنفسك وبمن معك من المسلمين‏.‏

قال‏:‏ كله بأمر أبي عبيدة‏.‏

فقال خالد‏:‏ أما أبو عبيدة فإنه رجل خالص النية وليس عنده غائلة الحرب ولا يعلم بمواقعها ثم أمر الناس بالراحة فنزلوا وارتاحوا من أوزارهم‏.‏

فلما كان في اليوم الثاني زحفت جيوش بصرى على المسلمين فقال خالد‏:‏ إن الروم زحفوا لعلمهم بتعبنا وتعب خيولنا فاركبوا بارك الله فيكم واحملوا على بركة الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ فركب المسلمون وأخذوا أهبتهم للحرب فجعل في الميمنة رافع بن عمير الطائي وجعل في الميسرة ضرار بن الأزور وكان غلافًا فاتكًا في الحرب وجعل على الدرك عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم قسم جيش الزحف فجعل على شطره المسيب بن نجيبة الفزاري وعلى الشطر الآخر مذعور بن غانم الأشعري وأمرهم أن يزفوا الخيل إذا حملت‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

11 فتوح الشام ( للواقدي )


11

فتوح الشام ( للواقدي )

فقال أهل أركة‏:‏ وكيف ذلك‏.‏

قال‏:‏ إن عندي ملحمة فيها ذكر هؤلاء القوم وإن أول راية تشرف من خيلهم هي الراية المنصورة وقد دنا هلاك الروم فانظروا إن كانت رايتهم سوداء وأميرهم عريض اللحية طويل ضخم بعيد ما بين المنكبين واسع الهيكل في وجهه أثر جدري لهو صاحب جيشهم في الشام وعلى يديه يكون الفتح‏.‏

قال‏:‏ فنظر القوم وإذا الراية على رأس خالد وهي كما قال حكيمهم‏.‏

قال‏:‏ واجتمعوا على بطريقهم وقالوا له‏:‏ أنت تعلم أن الحكيم سمعان لا ينطق إلا بالحق والحكمة وقد قال كذا وكذا‏.‏

والذي وصفه لنا رأيناه عيانًا ونرى من الرأي أن نعقد بيننا وبين العرب صلحًا ونأمن على حريمنا وأنفسنا‏.‏

فلما سمع ذلك بطريقهم قال‏:‏ أخروني إلى غد لأرى من الرأي‏.‏

قال‏:‏ فانصرفوا من عنده وبات البطريق يحدث نفسه ويدبر أمره وكان عارفًا عاقلًا خبيرًا بالأمور وقال‏:‏ إن أنا خالفتهم خفت أن يسلموني للعرب وقد تحقق أن روبيس سار بجيش عظيم فهزمهم العرب ولم يزل يراود نفسه إلى أن أصبح الصباح فدعا قومه‏.‏

وقال‏:‏ على ماذا عولتم قالوا‏:‏ عولنا على أننا نقيم الصلح بيننا وبين العرب‏.‏

فقال البطريق‏:‏ أنا واحد منكم مهما فعلتم لا أخالفكم‏.‏

قال‏:‏ فخرج مشايخ أركة إلى خالد وكلموه في الصلح فأجابهم إلى الصلح وألان الكلام لهم وتلقاهم بالرحب والسعة ليسمع بذلك أهل السخنة ويبلغ الخبر لأهل قدمة وكان الوالي عليهم بطريق اسمه كوكب فجمع رعيته وقال لهم‏:‏ بلغني عن هؤلاء العرب أنهم فتحوا أركة والسخنة وأن قومنا يتحدثون بعدلهم وحسن سيرتهم وأنهم لا يطلبون الفساد وهذا حصن مانع لا سبيل لأحد علينا ولكن نخاف على نخلنا وزرعنا وما يضرنا أن نصالح العرب فإن كان قومنا هم الغالبين فسخنا صلحهم وإن كان العرب ظافرين كنا آمنين‏.‏

قال‏:‏ ففرح قومه بذلك وهيئوا العلوفة والضيافة حتى خرج خالد‏.‏

رضي الله عنه من أركة ونزل عليهم فخرجوا إليه بالخدمة وصالحهم على ثلثمائة أوقية من الذهب وكتب لهم كتابًا بالصلح ثم ارتحل عنها إلى حوران وبلغ عامر بن الطفيل كتاب خالد إلى أبي عبيدة فلما قرأه تبسم وقال‏:‏ السمع والطاعة لله تعالى ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعلم المسلمين بعزله وولاية خالد بن الوليد وكان أبو عبيدة وجه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بصرى في أربعة آلاف فارس‏.‏

قال‏:‏ فسار على فنائها وكان على بصرى بطريق عظيم الشأن والقدر عند الملك وعند الروم اسمه روماس وكان قرأ الكتب السالفة والأخبار الماضية وكان يجتمع إليه الروم من أقصى بلادها ينظرون إلى عظيم خلقته ويسمعون ألفاظ حكمته وكانت آهلة بالخلق عامرة بالناس وكان فيها ألف فارس وكان العرب يقصدونها ببضائعهم وتجارتهم من أقصى اليمين وبلاد الحجاز فإذا كان في أيام الموسم ينصب لبطريقهم كرسي ليجلس عليه ويجتمع الناس إليه ويستفيدون من علمه وحكمته فبينما هم قد اجتمعوا إليه وقعت الضجة بقدوم شرحبيل بن حسنة وعسكره فبادر إلى جواده فركبه وصاح في قومه فأجابوه وقال‏:‏ لا تتحدثوا حتى نسمع كلام القوم وما عندهم ثم سار حتى قرب من شرحبيل بن حسنة وجيشه ونادى‏:‏ معشر المسلمين أنا روماس وإني أريد صاحبكم‏.‏

قال‏:‏ فخرج إليه شرحبيل فلما قرب منه قال البطريق‏:‏ من أنتم‏.‏

قال شرحبيل‏:‏ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي فقال شرحبيل‏:‏ قبضه الله إليه‏.‏

فقال البطريق‏:‏ فمن ولي الأمر بعده‏.‏

قال‏:‏ عتيق بن أبي قحافة بن بكر بن تيم بن مرة‏.‏

فقال روماس‏:‏ وحق ديني لقد أعلم بأنكم على الحق ولا بد لكم أن تملكوا الشام والعراق وأنا أشفق عليكم إذ أنتم في جمع يسير ونحن في جمع كثير ولكن ارجعوا إلى بلادكم فإنا لا نتعرض لكم‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

10 فتوح الشام ( للواقدي ) خالد بن الوليد في الشام


10

فتوح الشام ( للواقدي )

خالد بن الوليد في الشام

فلما سمع أبو بكر ذلك علم أن أبا عبيدة لين العريكة لا يصلح لقتال الروم وعول أن يكتب إلى خالد بن الوليد ليوليه على جيوش المسلمين وقتال الروم قال‏:‏ واستشار المسلمين في ذلك فقالوا‏:‏ الرأي ما تراه وكتب كتابًا يقول فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عتيق بن أبي قحافة إلى خالد بن الوليد سلام عليك‏:‏ أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإني قد وليتك على جيوش المسلمين وأمرتك بقتال الروم وأن تسارع إلى مرضاة الله عز وجل وقتال أعداء الله وكن ممن يجاهد في الله حق جهاده ثم كتب ‏{‏يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم‏}‏‏.‏ ‏[‏الصف‏:‏ 10‏]‏ الآية‏.‏ وقد جعلتك الأمير على أبي عبيدة ومن معه‏.‏

وبعث الكتاب مع نجم بن مقدم الكناني فركب على مطيته وتوجه إلى العراق فرأى خالدًا رضي الله عنه قد أشرف على فتح القادسية فدفع إليه الكتاب فلما قرأه قال‏:‏ السمع والطاعة لله ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتحل ليلًا وأخذ طريقة عن اليمين وكتب كتابًا إلى أبي عبيدة يخبره بعزله وبسيره إلى الشام وقد ولاني أبو بكر على جيوش المسلمين فلا تبرح من مكانك حتى أقدم عليك والسلام‏.‏

وبعث الكتاب مع وأما خالد فلما وصل إلى أرض السماوة قال‏:‏ أيها الناس إن هذه الأرض لا تدخلونها إلا بالماء الكثير لأنها قليلة الماء ونحن في جيش عظيم والماء معكم قليل فكيف يكون الأمر فقال له رافع بن عميرة الطائي رضي الله عنه‏:‏ أيها الأمير إني أشير عليك بما تصنع فقال‏:‏ يا رافع أرشدك الله بما نصنع ووفقك الله مولانا جل وعلا للخير قال‏:‏ فأخذ رافع ثلاثين جملًا وعطشها سبعة أيام ثم أوردها الماء فلما رويت حزم أفواهها ثم ركبوا المطايا وجنبوا الخيول وساروا فكانوا كلما نزلوا منزلًا اخذوا عشرة من الإبل يشقون بطونها ويأخذون ما يجدون من الماء في بطونها فيجعلونه في حياض الادم فإذا برد سقوه للخيل وأكلوا اللحم ولم يزالوا كذلك حتى تمت الإبل وفرغ الماء وقطعوا مرحلتين بلا ماء وأشرف خالد ومن معه على الهلاك‏.‏

فقال خالد لرافع بن عميرة‏:‏ يا رافع قد أشرفنا على الهلاك والتلف أتعرف لنا ماء ننزل فيه‏.‏

قال الواقدي‏:‏ وكان رافع رمدت عيناه‏.‏

فقال‏:‏ أيها الأمير أتاني رمد كما ترى ولكن إذا أشرفتم على أرض سهلة فأعلموني‏.‏

قال‏:‏ فلما أشرفوا عليها أعلموا رافعًا بذلك‏.‏

قال‏:‏ فرفع طرف عمامته عن عينيه وسار على راحلته يضرب يمينًا وشمالًا والناس من ورائه إلى أن أقبل على شجرة من الأراك فكبر وكبر المسلمون ثم قال‏:‏ احفروا هنا‏.‏

قال‏:‏ فحفرت العرب وإذ الماء قد طلع كالبحر فنزل الناس عليه وشكروا الله تعالى وأثنوا عليه وعلى رافع خيرًا ثم وردوا الماء وسقوا خيلهم وإبلهم ثم جذوا في طلب من انقطع من المسلمين ومعهم القرب بالماء‏.‏

قال‏:‏ فسقوهم فارتجعت قوتهم‏.‏

ثم لحقوا بالجيش وأراحوا أنفسهم ثم في ثاني يوم جدوا في المسير إلى أن بقي بينهم وبين أركة مرحلة واحدة فبينما هم كذلك إذ أشرفوا على حلة عامرة وأغنام وإبل قد سدت الفضاء والمستوي فأسرع المسلمون إلى الحلة وإذا براع يشرب الخمر وإلى جانبه رجل من العرب مشدود‏.‏

قال‏:‏ فتبينه المسلمون وإذا هو عامر بن الطفيل الذي أرسله خالد‏.‏

قال‏:‏ فأقبل خالد بن الوليد مسرعًا حتى وقف عليه فلما رآه تبسم وقال‏:‏ يا ابن الطفيل كيف كان سبب أسرك‏.‏

قال عامر‏:‏ أيها الأمير إني أشرفت على هؤلاء القوم في هذه الحلة وقد أصابني الحر والعطش فملت إلى هذا الوادي ليسقيني من اللبن فوجدته يشرب خمرًا‏.‏

فقلت له‏:‏ يا عدو الله أتشرب الخمر وهي محرمة‏.‏

فقال لي‏:‏ يا مولاي إنها ليست بخمر وإنما هي ماء زلال فأنزل كي تراه واستنشق ما في الجفنة فإن كان خمرًا فافعل ما بدا لك فلما سمعت كلامه أنخت المطية ونزلت عن كورها وجلست على ركبتي في الجفنة وإذا أنا بالعبد قد طلبني بعصا كانت إلى جانبه وضربني على رأسي فشجني شجة موضحة فانقلبت على جانبي فأسرع العبد إلي وشدني كتافًا وأوثقني رباط وقال لي‏:‏ أظنك من أصحاب محمد بن عبد الله ولست أدعك من بين يدي أو يقدم سيدي من عند الملك‏.‏

فقلت له‏:‏ ومن سيدك من العرب فقال‏:‏ القداح بن وائلة وإني عند هذا العبد كلما شرب الخمر أحضرني كما ترى وألقى علي فضلة من كأسه‏.‏

قال‏:‏ فلما سمع خالد بن الوليد كلام عامر بن الطفيل اشتد به الغضب ومال على العبد وضرب ضربة هائلة فجندله صريعًا ونهب المسلمون المال والأغنام والإبل وقلعوا الحلة بما فيها وأطلق عامرًا وقال له‏:‏ أين رسالتي يا عامر فقال‏:‏ يا مولاي هي في طرف عمامتي لم يعلم بها العبد‏.‏

فقال خالد‏:‏ انطلق بها يا عامر على بركة الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ فركب عامر وسار يطلب الشام وارتحل خالد من موضعه ذلك فنزل بأركة وهي رأس الأمانة لمن يخرج من العراق وكانت الروم تمسك بها القوافل وكان عليها بطريق من قبل الملك فأغار خالد عليها وأخذ ما كان فيها وتحصن أهلها بحصنها وكان يسكن فيها حكيم من حكماء الروم وقد طالع الكتب القديمة والملاحم فلما رأى المسلمين وجيشهم انتقع لونه وقال‏:‏ اقترب الوقت وحق ديني‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

9 فتوح الشام ( للواقدي )


9

فتوح الشام ( للواقدي )


فقال لأصحابه‏:‏ إني أرى أشباحًا على ذروة هذا الجبل ونحن في هذا الوادي ثم قال‏:‏ كونوا في أماكنكم ثم نزل عن فرسه وتقلد سيفه والتحف بإزاره وقال‏:‏ اعلموا أن القوم ما علموا بنا ولو نظروا إلينا ما ثبتوا في أماكنهم فمن منكم يبذل نفسه ويصنع كما أصنع قالوا‏:‏ كلنا لك قال‏:‏ فطافوا في الجبل حتى أشرفوا على القوم وهم في أماكنهم فعند ذلك قال‏:‏ خذوهم بارك الله فيكم فأسرع إليهم المسلمون فقتلوا منهم ثلاثين وأسروا أربعة فسألهم خالد بن سعيد عن حالهم فإذا هم من أنباط الشام فقالوا‏:‏ نحن من أهل هذا البقيع والجامعة وكفار القرية وقد عظم علينا دخول العرب إلى بلادنا وقد فزعنا منهم فزعًا عظيمًا وقد هرب أكثرنا إلى الحصون والقلاع وقد اعتصمنا نحن بهذا الجبل لأنه ليس في الرستاق أحصن منه فعلونا عليه وأنتم كبستمونا‏.‏

قال خالد‏:‏ فما بلغكم عن جيش الروم‏.‏

قالوا‏:‏ بأجنادين وهذا البطريق أقبل إلينا ليأخذ الميرة والعلوفة وقد جمعوا له الدواب والبغال والحمير تحمل الميرة وهم مع ذلك خائفون أن تلحقهم خيل العرب وهذا خبر قومنا ولا شك أنهم رحلوا من يومهم قال‏:‏ فلما سمع خالد بن سعيد مقالتهم قال‏:‏ غنيمة للمسلمين ورب الكعبة ثم قال‏:‏ اللهم انصرنا عليهم‏.‏

ثم سأل على أي طريق سار القوم قالوا‏:‏ على هذه الطريق التي أنتم عليها لأنها أوسع الطرق كلها وأما الميرة فإنها مجموعة من حول البلاد فلما سمع خالد كلامهم قال لهم‏:‏ أسلموا فقالوا له‏:‏ ما نعرف إلا دين الصليب ونحن فلاحون قال‏:‏ فهم خالد بقتلهم‏.‏

فقال رجل من أصحابه‏:‏ دعهم يدلونا على الطريق إلى ميرة القوم فأجابوهم إلى ذلك وساروا وهم يدلونهم إلى تل عظيم‏.‏

قال‏:‏ فتوافق القوم وهم يحملون دوابهم حول التل ومعهم ستمائة لابس من القوم فلما نظر خالد إلى ذلك قال لأصحابه‏:‏ أعلموا أن الله تعالى قد وعدكم بالنصر على عدوكم وفرض عليكم الجهاد وهذا جيش العدو أمامكم فارغبوا في ثواب الله تعالى واسمعوا ما قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وها أنا أحمل فاحملوا ولا يخرج أحد عن صاحبه‏.‏

ثم إن خالدًا حمل وحمل أصحابه قال‏:‏ فلما رأونا استقبلونا وانهزم من كان مع الدواب من الفلاحين وصبرت الخيل لقتالنا ساعة من النهار قال‏:‏ فبينما ذو الكلاع الحميري يشجع أصحابه ويقول‏:‏ يا أهل حمير أبواب الجنة فتحت والحور العين قد تزخرفت وإذا بصاحب القوم قد لقيه خاد فعرفه بلامته وحسن زيه‏.‏

قال‏:‏ فاستقبله وصرخ فيه فأرعبه ثم قال‏:‏ يا لثأر ولدي سعيد وطعنه طعنة صادقة فجندله صريعًا كأنه برج من حديد وما بقي أحد إلا قتل من الروم‏.‏

قال‏:‏ فلما رأى الروم ذلك ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وقتل منهم ثلاثمائة وعشرون فارسًا وولى الباقون منهزمين وتركوا الأثقال والبغال والميرة وأخذ المسلمون الجميع بعون الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ وأطلق سراح الفلاحين وعاد خالد ومن معه بالغنائم والميرة إلى عمرو بن العاص ففرح بسلامتهم وشكر فعلهم وكتب كتابًا إلى أبي بكر الصديق وذكر له ما جرى مع الروم وبعث الكتاب مع أبي عامر الدوسي رضي الله عنه وأخذه وقدم به المدينة وأعطاه أبا بكر الصديق رضي الله عنه‏.‏

فلما قرأه على المسلين فرحوا وضجوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير ثم إن أبا بكر استخبر عن أبي عبيدة‏.‏
فقال له عامر‏:‏ إنه قد أشرف على أوائل الشام ولم يجسر على الدخول إليها وإنه سمع أن جيوش الملك قد اجتمعت من حول أجنادين وهم أمم لا تحصى وقد خاف على المسلمين أن يتوسط بهم عدوهم‏.


يتبع

 http://img137.imageshack.us/img137/913/w6w20060221105143ce8876fe3aa9j.gif

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8 فتوح الشام ( للواقدي )


8

فتوح الشام ( للواقدي )


فبعجنا دوابهم بالأسنة فتنكسوا فبعد انتكاسهم تفرق بعضهم عن بعض وحملوا علينا وحملنا عليهم وكنا فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وكان شعارنا يوم فلسطين‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله يا رب انصر أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو الدرداء‏:‏ فلقد شغلني الحرب عن مناشدة الأشعار ولقد كان أحدنا لا يدري أهو يضرب أخاه أو عدوه من كثرة القتام قال‏:‏ فثبت المسلمون مع قلتهم وفوضوا أمرهم إلى الله عز وجل وما كان أحد من المسلمين يضرب إلا وظهره ناطق بالدعاء يقول‏:‏ اللهم انصرنا على من يتخذ معك شريكًا‏.‏

قال عبد الله بن عمر بن الخطاب‏:‏ فلم يزل الحرب بيننا إلى وقت الزوال وهبت الرياح والناس في القتام إذ نظرت إلى السماء وقد انفرج فيها فرج وخرجت عنها خيول شهب تحمل رايات خضرًا أسنتها تلمع وعناد ينادي بالنصر ابشروا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أتاكم الله بالنصر‏.‏

قال‏:‏ فما كان غير قليل إذ نظرت إلى الروم منهزمين والمسلمون في أعقابهم لأن خيل العرب أسبق من خيل الروم‏.‏

قال ابن عمر‏:‏ فقتلنا في هذه الواقعة قريبًا من خمسة عشر ألف فارس وأكثر ولم نزل في آثارهم إلى الليل وعمرو بن العاص قد فرح بالنصر وقلبه متعلق بالمسلمين لإسراعهم وراء العدو وقال عمرو بن غياث‏:‏ فنظرت إلى عمرو بن العاص والراية في يده وقد أوفى القناة على عاتقه وهو يعركها بيده ويقول‏:‏ من يرد الناس علي رد الله عليه ضالته إذ نظرت العرب قد عطفت راجعة كعطفة الأم على ولدها فاستقبلهم عمرو وهو يقول‏:‏ هنيئًا لهذه الوجوه التي تعبت في رضا الله تعالى أما كان لكم كفاية في أن خولكم الله حتى اتبعتم العدو فقالوا‏:‏ ما أردنا الغنيمة بل القتال والجهاد قال‏:‏ ولما رجع المسلمون لم يكن لهم همة إلا افتقاد بعضهم بعضًا ففقد من المسلمون مائة وثلاثون رجلًا ختم الله لهم بالسعادة منهم سيف بن عبادة ونوفل بن دارم والأهب بن شداد والباقي من اليمن ووادي المدينة‏.‏

قال‏:‏ فاغتم عمرو لفقدهم ثم راجع نفسه وقال‏:‏ قد نزل بهم خير وأنت يا عمرو تأبى ذلك‏.‏

ثم ندب الناس إلى الصلاة كما أمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه فصلى ما فاته كل صلاة بأذان وإقامة قال ابن عمر‏:‏ ما صلى خلفه إلا قليل بل صلى الناس في رحالهم من تعبهم ولم يجمعوا من الغنائم إلا القليل وبات الناس فلما أصبح عمرو أذن وصلى بهم وأمر الناس بجمع الغنائم وأن يخرجوا إخوانهم المؤمنين من الروم فجعلوا يلتقطونهم‏.‏

قال‏:‏ فأخرجوا مائة وثلاثين رجلًا ووجدوا سعيد بن خالد فلما نظر عمرو إلى ما نزل به بكى وقال‏:‏ رحمك الله فقد نصحت لدين الله وأديت النصيحة ثم جعله في جملة المسلمين وصلى عليهم وأمر بدفنهم وذلك قبل أن يخمس شيئًا من الغنائم ثم بعد ذلك جمعها إليه وكتب إلى أبي عبيدة كتابًا يقول فيه‏:‏ كتاب عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن العاص إلى أمين الأمة أما بعد‏:‏ فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإني قد وصلت إلى أرض فلسطين ولقينا عساكر الروم مع بطريق يقال له روبيس في مائة ألف فارس فمن الله بالنصر وقتل من الروم خمسة عشر ألف فارس وفتح الله على يدي فلسطين بعد أن قتل من المسلمين مائة وثلاثون رجلًا فإن احتجت إلي سرت إليك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏

ودفع الكتاب إلى أبي عامر الدوسي وأمره أن يسير إلى أبي عبيدة‏.‏

قال‏:‏ فأسرع أبو عامر بالكتاب فوجد أبا عبيدة وهو نازل بأرض الشام وجاهر بالدخول إليها غير أنه أمره كما أمره أبو بكر‏.‏
قال‏:‏ فلما وصل أبو عامر قال له أبو عبيدة‏:‏ ما وراءك‏.‏

قال‏:‏ خير هذا كتاب من عمرو بن العاص يخبرك بما فتح الله على يديه ثم سلم إليه الكتاب فلما قرأه خر ساجدًا فرحًا بنصر الله ثم قال‏:‏ والله قتل من المسلمين رجال أخيار منهم سعيد بن خالد‏.‏

قال أبو عامر‏:‏ فكان خالد والده جالسًا فلما سمع بأن ولده قد قتل قال‏:‏ وا ابناه وجعل يبكيه حتى بكى المسلمون لبكائه ثم إن خالدا أسرع إلى فرسه فركبها وعزم إلى أرض فلسطين لينظر إلى قبر ولده‏.‏

فقال أبو عبيدة‏:‏ كيف تسير وتدعنا‏.‏

فقال‏:‏ إنما أنظر قبر ولدي وأرجو الله أن يلحقني به قال‏:‏ وكتب أبو عبيدة كتابًا لعمرو بن العاص يقول فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم إنما أنت مأمور فإن كان أبو بكر أمرك أن تكون معنا فسر إلينا وإن كان أمرك بالثبات في موضعك فاثبت والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏

وطوى الكتاب وسلمه إلى خالد بن سعيد وسار مع أبي عامر إلى أن أتيا إلى جيش عمرو بن العاص فدفع له الكتاب وهو يبكي فوثب عمرو وصافح خالدًا ورفع منزلته وعزاه في ولده سعيد وعزاه المسلمون‏.‏

فقال خالد‏:‏ يا أيها الناس هل أروى سعيد رمحه وسيفه في الكفار قالوا‏:‏ نعم‏.‏

فلقد قاتل وما قصر ولقد جاهد في الدين ونصر‏.‏

فقال‏:‏ أروني قبره قال‏:‏ فأروه إياه فأقام على القبر وقال‏:‏ يا ولدي رزقني الله الصبر عليك وألحقني بك وإنا لله وإنا إليه راجعون والله إن مكنني الله لآخذن بثأرك يا ولدي عند الله احتسبتك ثم قال لعمرو بن العاص‏:‏ إني أريد أن أسري بسرية في طلب القوم فلعل أن أجد فيهم فرصة أو غنيمة وأكون قد أخذت بثأر ولدي فقال عمرو‏:‏ إن الحرب أمامك يا ابن الأم‏.‏

فإذا رأيت الروم فلا تبق عليهم‏.‏

فقال خالد‏:‏ والله لأسيرن إليهم ثم أخذ خالد أهبته للمسير وعزم أن يسير وحده فركب معه ثلاثمائة فارس من فتيان حمير فساروا يومهم ذلك أجمع وأرادوا النزول في الأودية ليعلفوا دوابهم ويسيروا ليلتهم إذ نظر خالد بن سعيد إلى أشباح على ذروة جبل هناك عال منيع‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7 فتوح الشام ( للواقدي )


7

فتوح الشام ( للواقدي )


قال عبد الله بن عمر‏:‏ وبينما أنا في الوقعة إذ نظرت من القوم بطريقًا عظيم الخلقة وهو كالحائر البليد وهو يركض يمينًا وشمالًا فقلت‏:‏ إن يكن لهذا الجيش عين فهذا عين الجيش وصاحب الطلائع وهو مرعوب من الحرب‏.‏

فلما حملت عليه ومددت قناتي إليه نفر فرسه من الرمح فقربت منه وأوهمته أني أريد الانهزام ثم عطفت عليه وطعنته فوالله لقد خيل لي أني ضربت بسيفي حجرًا وسمعت طنين السيف حتى حسبت أن سيفي انفصل وإذا هو صريع ثم عطفت عليه وأخذت لامته‏.‏

فلما رأى المشركون صاحبهم مجندلًا داخلهم الفزع والهلع وصدمهم المسلمون في الضرب والقتال فلله در الضحاك والحارث بن هشام لقد قاتلًا قتالًا شديدًا ما عليه من مزيد فما كان غير قليل حتى انهزم الكفار من بين أيديهم هاربين‏.‏

قال‏:‏ فرجع المسلمون واجتمع بعضهم على بعض وجمعوا الغنائم والأموال‏.‏

وقال بعضهم لبعض‏:‏ ما فعل الله بعبد الله بن عمر قال قائل منهم‏:‏ الله خبير بحسن زهده وعبادته‏.‏

وقال آخرون‏:‏ لقد أصبنا بابن عمر فما كان يساوي هذا الفتح شعرة من رأسه‏.‏

قال عبد الله بن عمر‏:‏ وأنا مع ذلك أسمع كلامهم خلف الراية‏.‏

فأعلنت بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وهززت الراية‏.‏

فلما نظر المسلمون الراية سارعوا إلي وقالوا‏:‏ أين كنت‏.‏

فقلت‏:‏ اشتغلت بقتال صاحبهم فقالوا‏:‏ أفلح والله وجهك فهذا والله فتح قد رزقنا الله إياه ببركتك‏.‏

قال عبد الله‏:‏ وبوجوهكم ثم حازوا الأموال والغنائم والخيل وستمائة أسير وقتل من المسلمين سبعة نفر فواروهم وصلى عليهم ابن عمر وانعطف الجيش إلى عمرو بن العاص وحدثوه بما جرى ففرح وحمد الله تعالى ثم دعا بالأسرى واستنطق منهم بالعربية فما كان فيهم غير ثلاثة نفر من أنباط الشام فسألهم عن خبرهم وخبر أصحابهم فقالوا‏:‏ يا معشر العرب إن هذا روبيس قد أقبل في مائة ألف فارس وقد أمره الملك أن لا يدع أحدًا من العرب يصل إيليا‏.‏
‏.‏
وإنه بعث بهذا البطريق طليعة وقد قتل وكأنكم به‏.‏

فقال عمرو‏:‏ إن الله يقتله كما قتل صاحبكم ثم عرض عليهم الإسلام فما أحد منهم أسلم‏.‏

فقال عمرو للمسلمين‏:‏ كأنكم بصاحبهم وقد أتى يأخذ ثأرهم وهؤلاء تركهم علينا بلاء ثم أمر بضرب أعناقهم وصاح بالمسلمين استعدوا فإني أظن أن القوم سائرون فإن أتوا إلينا فهم في شدة وقوة وسنلقي منهم تعبًا في القتال وإن سرنا إليهم نرجو من الله النصر والظفر بهم كما ظفرنا بغيرهم وما عودنا الله إلا خيرًا‏.‏

قال أبو الدرداء‏:‏ وبتنا مكاننا‏.‏

فلما جاء الله بالصباح رحلنا فما بعدنا غير قليل حتى أشرقت علينا عشرة صلبان تحت كل صليب عشرة آلاف فارس‏.‏

فلما أشرف الجيش على الجيش أقبل عمرو ورتب أصحابه وجعل في الميمنة الضحاك وفي الميسرة سعيدًا وأقام على الساقة أبا الدرداء وثبت عمرو في القلب ومعه أهل مكة وأمر الناس يقرأون القرآن‏.‏

وقال لهم‏:‏ اصبروا على قضاء الله وارغبوا في ثواب الله وجنته ثم إنه جعل يصفهم ويعبيهم تعبية الحرب ونظر روبيس بطريق الروم إلى عسكر المسلمين وقد صفهم عمرو بن العاص لا يخرج سنان عن سنان ولا عنان عن عنان ولا ركاب عن ركاب وهم كأنهم بنيان مرصوص وهم يقرأون القرآن‏.‏

والنور يلمع من نواصي خيولهم فشم منهم رائحة النصر وتبين عن نفسه الجزع وعلم أن كل من معه كذلك فوقف ينظر ما يكون من المسلمين وانكسرت حميته‏.‏

قال‏:‏ وكان أول من برز من جيش المسلمين سعيد بن خالد رضي الله عنه وهو أخو عمرو بن العاص من أمه‏.‏

فلما برز نادى برفيع صوته‏:‏ ابرزوا يا أهل الشرك ثم حمل على الميمنة فألجأها إلى الميسرة وحمل على الميسرة فألجأها إلى الميمنة وقتل رجالًا وجندل أبطالًا ثم اقتحم فيهم فشوشهم وزعزع جيشهم‏.‏

قال‏:‏ فاجتمعوا عليه فقتلوه رحمة الله عليه‏.‏

قال‏:‏ فحزن المسلمون على قتله حزنًا عظيمًا وأكثرهم عمرو بن العاص‏.‏

وقال‏:‏ واسعيداه لقد اشترى نفسه من الله عز وجل‏.‏

ثم قال‏:‏ يا فتيان من يحمل معي هذه الحملة حتى ننظر ما يكون من أمرها وأنظر حال سعيد‏.‏

قال‏:‏ فأسرع بالإجابة ذو الكلاع الحميري وعكرمة بن أبي جهل والضحاك والحارث بن هشام ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

قال عبد الله‏:‏ وكنا سبعين رجلًا وحملنا حتى دنونا من القوم وهم لا يفكرون من حملتنا لأنهم جبال من حديد‏.‏

قال الواقدي رحمه الله عليه‏:‏ فلما رأى المسلمون ثبات الروم صاح بعضنا لبعض‏:‏ ابعجوا دوابهم فما هلاكهم غير ذلك قال‏:‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

6 فتوح الشام ( للواقدي )


6

فتوح الشام ( للواقدي )

فلما سمع ذلك جمع أرباب دولته وبطارقته وأعلمهم بالحديث الذي جرى وقال‏:‏ يا بني الأصفر هذا الذي كنت حذرتكم منه قديمًا وإن أصحاب هذا النبي لا بد أن تملك ما تحت سريري هذا وقد قرب الوعد وإن خليفة محمد قد أنفذ لكم الجيوش وكأنكم بهم وقد أتوكم وقصدوا نحوكم فحذروا أنفسكم وقاتلوا عن دينكم وعن حريمكم فإن تهاونتهم ملكت العرب بلادكم وأموالكم‏.‏

قال‏:‏ فبكى القوم فقال لهم‏:‏ دعوا عنكم البكاء ثم قال له وزيره‏:‏ أيها الملك قد اشتهينا أن تدعو بعض من قدم بهذا الخبر عليك فأمر هرقل بعض حجابه أن يأتي برجل من المتنصرة ممن قدم عليه بالأخبار فأتى برجل منهم فقال له الملك‏:‏ كم عهدك قال‏:‏ منذ خمسة وعشرين يومًا‏.‏

قال‏:‏ فمن المتولي عليهم قال له‏:‏ رجل يقال له أبو بكر الصديق وجه جيوشه إلى بلدك قال‏:‏ هل رأيت أبا بكر قال‏:‏ نعم وإنه أخذ مني شملة بأربعة دراهم وجعلها على كتفه وهو كواحد منهم وهو يمشي في ثوبين ويطوف بالأسواق ويدور على الناس يأخذ الحق من القوي للضعيف‏.‏

قال هرقل‏:‏ صفه لي‏.‏

قال‏:‏ هو رجل آدم اللون خفيف العارضين‏.‏

فقال هرقل‏:‏ وحق ديني هو صاحب أحمد الذي كنا نجد في كتبنا أنه يقوم بالأمر من بعده ونجد في كتبنا أيضًا أن بعد هذا الرجل رجلًا آخر طويلًا كالأسد الوثاب يكون على يديه الدمدمة والجلاء‏.‏

قال‏:‏ فشهق المتنصر من قول هرقل‏.‏

وقال‏:‏ إن هذا الذي وصفته لي رأيته معه لا يفارقه‏.‏

قال هرقل‏:‏ هذا الأمر والله قد صح وقد دعوت الروم إلى الرشد والصلاح فأبوا أن يطيعوني وأن ملكي سوف ينهدم ثم عقد صليبًا من الجوهر وأعطاه قائد جيوشه روبيس‏.‏

وقال له‏:‏ قد وليتك على الجيوش فسيروا لمنع العرب من فلسطين فإنها بلد خصب كثيرة الخير وهي عزنا وجاهنا وتاجنا فتسلم روبيس الصليب وسار من يومه إلى عمرو بن العاص في فلسطين قال الواقدي‏:‏ لقد بلغني أن عمرو بن العاص توجه إلى إيليا حتى وصل إلى أرض فلسطين هو ومن معه قال‏:‏ فلما نزل المسلمون بفلسطين جمع عمرو المسلمين المهاجرين والأنصار وشاورهم في أمرهم فبينما هم في المشورة إذ أقبل عليهم عدي بن عامر وكان من خيار المسلمين وكان كثيرًا ما يتوجه إلى بلاد الشام وداس أرضهم وعرف مساكنها ومسالكها‏.‏

فلما أشرف على المؤمنين داروا به وأوقفوه بين يدي عمرو بن العاص‏.‏

فقال عمرو بن العاص‏:‏ ما الذي وراءك يا ابن عامر‏.‏

قال‏:‏ ورائي المتنصرة وجنودهم مثل النمل‏.‏

فقال له عمرو‏:‏ يا هذا لقد ملأت قلوب المسلمين رعبًا وإنا نستعين بالله عليهم‏.‏

فقال له‏:‏ فكم جزرت القوم فقال‏:‏ أيها الأمير إني قد علوت على شرف من الجبال عال فرأيت من الصلبان والرماح والأعلام ما قد ملأ الأجم وهو أعظم جبل بأرض فلسطين وهم زيادة عن مائة ألف فارس وهذا ما عندي من الخبر قال‏:‏ فلما سمع عمرو ذلك قال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أقبل على من حضر من كبار المسلمين‏.‏

وقال‏:‏ أيها الناس أنا وإياكم في هذا الأمر بالسواء فاستعينوا بالله على الأعداء وقاتلوا عن دينكم وشرعكم فمن قتل كان شهيدًا ومن عاش كان سعيدًا فماذا أنتم قائلون‏.‏

قال‏:‏ فتكلم كل رجل بما حضر عنده من الرأي‏.‏

فقالت طائفة منهم‏:‏ أيها الأمير ارجع بنا إلى البرية حتى نكون في بطن البيداء فإنهم لا يقدرون على فراق القرى والحصون‏.‏

فإذا جاءهم الخبر إننا توسطنا البرية يتفرق جمعهم وبعد ذلك نعطف عليهم وهم على غفلة فنهزمهم إن شاء الله تعالى‏.‏

فقال سهل بن عمرو‏:‏ إن هذه مشورة رجل عاجز‏.‏

فقال رجل من المهاجرين‏:‏ لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهزم الجمع الكثير بالجمع القليل وقد وعدكم الله النصر وما وعد الصابرين إلا خيرًا وقد قال الله تعالى‏:‏‏{‏يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏‏.‏ قال سهل بن عمرو‏:‏ أما أنا فلا رجعت عن قتال الكفرة ولا رعدت سيفي عنهم فمن شاء فلينهض ومن شاء فليرجع ومن نكص على عقبيه فأنا وراءه بالمرصاد قال‏:‏ فلما سمع المسلمون أن وافقه على ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ قالوا أحسنت يا أبا الفاروق قال‏:‏ ثم إن عمرو بن العاص عقد راية وأعطاها عبد الله بن عمر بن الخطاب وضم إليه ألف فارس فيهم رجال من الطائف ومن ثقيف وأمرهم بالمسير فسار عبد الله وجعل يجد السير بقية يومه إلى الصباح وإذا بغبرة القوم قد لاحت‏.‏

فقال عبد الله بن عمر‏:‏ هذه غبرة عسكر وأظنها طليعة القوم ثم وقف ووقف أمامه أصحابه‏.‏

فقال قوم من البادية‏:‏ اتركنا نرى ما هذه الغبرة‏.‏

فقال‏:‏ لا تتفرقوا من بعضكم حتى نرى ما هي‏.‏

فوقف الناس وإذا بالغبرة قد قربت وانكشفت عن عشرة آلاف من الروم وقد بعث معهم روييس بطريقًا من أصحابه وكانوا قد ساروا يكشفون خبر المسلمين‏.‏

فلما نظرهم عبد الله بن عمر قال لأصحابه‏:‏ لا تمهلوهم لأنهم لا بد لها منكم والله ينصركم عليهم‏.‏

واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف قال‏:‏ فأعلن القوم بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله‏.‏

فلما جهروا بها أجابهم الشجر والمدر والدواب والحجر وكان أول من حمل عكرمة بن أبي جهل وتبعه سهل بن عمرو والضحاك أيضًا بالجملة وصاح في رجاله وحمل المهاجرون والأنصار معهم والتقى الجمعان وعمل السيف في الفريقين‏.‏

يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 فتوح الشام ( للواقدي ) وصية الصديق لعمرو بن العاص


5

فتوح الشام ( للواقدي )

  وصية الصديق لعمرو بن العاص

وتقدم عمرو بن العاص وسار‏.‏

قال أبو الدرداء‏:‏ كنت مع عمرو بن العاص في جيشه فسمعت أبا بكر يقول وهو يوصيه‏:‏ اتق الله في سرك وعلانيتك واستحيه في صلواتك فإنه يراك في عملك وقد رأيت تقدمتي لك على من هو أقدم منك سابقة وأقدم حرمة فكن من عمال الآخرة وأرد بعملك وجه الله وكن والدًا لمن معك وارفق بهم في السير فإن فيهم أهل ضعف والله ناصر دينه ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وإذا سرت بجيشك فلا تسر في الطريق التي سار فيها يزيد وربيعة وشرحبيل بل اسلك طريق إيليا حتى تنتهي إلى أرض فلسطين وابعث عيونك يأتونك بأخبار أبي عبيدة فإن كان ظافرًا بعدوه فكن أنت لقتال من في فلسطين وإن كان يريد عسكرًا فأنفذ إليه جيشًا في أثر جيش وقدم سهل بن وعمرو وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وسعيد بن خالد وإياك أن تكون وانيًا عما ندبتك إليه وإياك والوهن أن تقول‏:‏ جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به وقد رأيت يا عمرو ونحن في مواطن كثيرة ونحن نلاقي ما نلاقي من جموع المشركين ونحن في قلة من عدونا ثم رأيت يوم حنين ما نصر الله عليهم‏.‏

واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بحر فأكرمهم واعرف حقهم ولا تتطاول عليهم بسلطانك ولا تداخلك نجدة الشيطان فتقول‏:‏ إنما ولأني أبو بكر لأني خيرهم وإياك وخداع النفس وكن كأحدهم وشاورهم فيما تريد من أمرك والصلاة ثم الصلاة أذن بها إذا دخل وقتها ولا تصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر ثم ابرز وصل بمن رغب في الصلاة معك فذلك أفضل له ومن صلاها وحده أجزأته صلاته واحذر من عدوك وأمر أصحابك بالحرس ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم وأطل الجلوس بالليل على أصحابك وأقم بينهم واجلس معهم ولا تكشف أستار الناس واتق الله إذا لاقيت العدو وإذا وعظت أصحابك فأوجز وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك فالإمام ينفرد إلى الله تعالى فيما يعلمه وما يفعله في رعيته وإني قد وليتك على من قد مررت من العرب فاجعل كل قبيلة على حميتها وكن عليهم كالوالد الشفيق الرفيق وتعاهد عسكرك في سيرك وقدم قبلك طلائعك فيكونوا أمامك وخلف على الناس من ترضاه وإذا رأيت عدوك فاصبر ولا تتأخر فيكون ذلك منك فخرًا والزم أصحابك قراءة القرآن وانههم عن ذكر الجاهلية وما كان منها فإن ذلك يورث العداوة بينهم وأعرض عن زهرة المني حتى تلتقي بمن مضى من سلفك وكن من الأئمة الممدوحين في القرآن إذ يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 73‏]‏‏.‏ قال‏:‏ فكان أبو بكر رضي الله عنه يوصي عمرو بن العاص وأبو عبيدة حاضر ثم قال‏:‏ سيروا على بركة الله تعالى وقاتلوا أعداء الله وأوصيكم بتقوى الله فإن الله ناصر من ينصره‏.‏

قال‏:‏ فسلم المسلمون عليه وودعوا وساروا في تسعة آلاف مع من ذكرنا يريدون أخذ فلسطين فلما كان بعدهم بيوم واحد عقد العقود والرايات إلى أبي عبيدة بن الجراح وأمره بأن يقصد بمن معه أرض الجابية وقال‏:‏ يا أمين الأمة قد سمعت ما وصيت به عمرو بن العاص وودعه المسلمون فلما عاد أبو بكر والمسلمون دعا بخالد بن الوليد وعقد له راية وكانت له راية النبي صلى الله عليه وسلم وأمره على لخم وجذام وضم له جيش الزحف وكانوا شجعانًا ما منهم إلا من شهد الوقائع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له‏:‏ يا أبا سليمان قد وليتك على هذا الجيش فاقصد به أرض العراق وفارس وأرجو الله أن ينصركم‏.‏
ثم إنه ودعه وسار خالد بمن معه يطلب العراق‏.‏

قال‏:‏ حدثني ربيعة بن قيس‏.‏

قال‏:‏ كنت في الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العاص إلى فلسطين وإيليا‏.‏

وكان صاحب رايته سعيد بن خالد‏.‏

قال‏:‏ وبعث أبو بكر مع كل جيش أميرًا وهو يدعو لهم بالنصر وأخذه القلق على المسلمين حتى عرف ذلك في وجهه‏.‏

فقال له عثمان بن عفان رضي الله عنه‏:‏ ما هذا الغم الذي نزل بك‏.‏

فقال‏:‏ اغتممت على جيوش المسلمين وأرجو الله أن ينصرهم على عدوهم‏.‏

فقال عثمان‏:‏ والله ما خرج جيش سررت به إلا هذا الجيش الذي سار إلى الشام وهذا الذي أوصى الله نبيه به وليس في قوله خلف‏.‏

وإنا سنظهر على الروم وفارس ولكن ما ندري متى يكون أفي هذا البعث أو غيره ولكن أحسن الظن بالله‏.‏

قال‏:‏ وبات الصديق فرأى في منامه كأن عمرو بن العاص في وجهه طرمة هو وأصحابه ثم قصد عمرو أرضًا خضرة سهلة وفرجة فحمل على فرسه ثم أتبعه أصحابه فإذا هم في أرض واسعة فنزلوا واستراحوا قال‏:‏ وانتبه أبو بكر من منامه فرحًا بما رأى‏.‏

فقال عثمان‏:‏ يدل على فتح إلا أنه يوشك أن يلقى عمرو في قتال المشركين مشقة عظيمة ثم يخلص منها‏.‏

قال الواقدي‏:‏ كانت الساقطة تنزل المدينة في الجاهلية والإسلام يقدمون بالبر والشعير والزيت والتين والقماش وما يكون في الشام فقدم بعض الساقطة إلى المدينة وأبو بكر ينفذ الجيوش وسمعوا كلام أبي بكر لعمرو بن العاص وهو يقول‏:‏ عليك بفلسطين وإيليا‏.‏

قال‏:‏ فساروا بالخبر إلى الملك هرقل‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4 فتوح الشام ( للواقدي )


4

فتوح الشام ( للواقدي )


قال الواقدي‏:‏ لقد بلغني أن الثمانية آلاف المذكورة من الروم لم ينج منهم أحد لأن العرب التقطوهم بسبق الخيل وبعد الشام من تبوك ثم إن المسلمين أخذوا أموال وخيامهم ثم سلموا على شرحبيل ومن معه وجمعوا المال والغنائم‏.‏

فقالوا‏:‏ نبعث الجميع إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فرضوا بذلك وبعثوا الجميع إلا العدة والسلاح وبعثوا مع الغنائم والأموال شداد بن أوس رضي الله عنه في خمسمائة فارس ولما وصل بالمال إلى المدينة المنورة وعاين المسلمون أموال المشركين رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير محمد صلى الله عليه وسلم وسمع الصديق بقدوم شداد بن أوس رضي الله عنه ومن معه من المسلمين ففرح بذلك فرحًا شديدًا ثم أقبلوا إلى الصديق وأعلموه بالفتح بعد أن سلموا عليه فسجد لله عز وجل ثم كتب كتابًا إلى أهل مكة يستدعيهم إلى الجهاد مضمونه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر إلى أهل مكة وسائر المؤمنين فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

أما بعد‏:‏ فإني قد استنفرت المسلمين إلى الجهاد وفتح بلاد الشام وقد كتبت إليكم وإلى المسلمين أن تسرعوا إلى ما أمركم به ربكم تبارك الله وتعالى‏:‏ إذ يقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون‏}‏‏.‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وهذه الآية فيكم وأنتم أحق بها وأهلها وأول من صدق وقام بحكمها من ينصر دين الله فالله ناصره ومن بخل استغنى الله عنه والله غني حميد فسارعوا إلى جنة عالية قطوفها دانية أعدها الله للمهاجرين والأنصار فمن اتبع سبيلهم كتب من الأولياء الأخيار وحسبنا الله ونعم الوكيل‏.‏

قال‏:‏ وختم الكتاب ودفعه إلى عبد الله بن حذافة فأخذه وسار حتى وصل مكة وصرخ في أهلها فاجتمعوا إليه فدفع إليهم الكتاب فقرأوه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعوه قال سهل بن عمرو والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل

وقالوا‏:‏ أجبنا داعي الله وصدقنا قول نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فأما عكرمة فإنه قال‏:‏ إلى متى نبسط لأنفسنا وقد سبقنا القوم إلى المواطن وقد فاز من فاز بالصدق وإن كنا تأخرنا عن السبق فاللحاق السباق فلعلنا نكتب في الحال‏.‏

‏.‏
ثم خرج عكرمة بن أبي جهل في بني مخزوم وخرج الحارث بن هشام معهم وتلاحق أهل مكة خمسمائة رجل وكتب أبو بكر للطائف فخرجوا في أربعمائة رجل‏.‏

قال الواقدي‏:‏ خرج بهم سعيد بن خالد بن سعيد بن العاص وكان غلامًا نجيبًا وذلك أن سعيد بن خالد أتى إلى الصديق رضي الله عنه‏.‏

فقال‏:‏ يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك أردت أن تعقد لأبي خالد راية ويكون قائدًا من قواد جيشك فتكلم فيه المتكلمون فعزلته حين رجع من بعثتك وقد حبس نفسه في سبيل الله عز وجل ولم أزل مجيبًا دعوتك في بعثتك فهل لك أن تقدمني على هذا الجيش فوالله لا يراني الله وانيا أبدًا ولا عاجزًا عن الحرب قال‏:‏ وكان سعيد بن خالد غلامًا نجيبًا أنجب من أبيه وأفرس فعقد له أبو بكر راية ودفعها إليه وأمره على ألفين من العرب‏.‏

قال‏:‏ فلما سمع عمر بن الخطاب كلام سعيد بن خالد وأنه خير من أن يكون أميرًا كره له ذلك وأقبل على الصديق رضي الله عنه‏.‏

وقال‏:‏ يا خليفة رسول الله عقدت هذه الراية لسعيد بن خالد على من هو خير منه ولقد سمعته يقول عندما عقدتها على رغم الأعادي والله لتعلم أنه ما يريد بالقول غيري والله ما تكلمت في أبيه‏.‏

قال الواقدي‏:‏ فثقل ذلك على أبي بكر وكره أن لا يعقد له وكره أيضًا أن يخالف عمر لمحبته له ونصحه ومنزلته عند النبي صلى الله عليه وسلم ووثب قائمًا ودخل على عائشة رضي الله عنها وأخبرها بخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما كان من كلامه‏.‏

فقالت عائشة‏:‏ قد علمت أن عمر ينصر الدين ويريد النصر لرب العالمين وما في قلب عمر بغض للمسلمين‏.‏

قال‏:‏ فقبل قول عائشة رضي الله عنها ثم دعا بأزد الدوسي وقال له‏:‏ امض إلى سعيد بن خالد وقل له‏:‏ رد علينا رايتك‏.‏

قال‏:‏ فردها وقال‏:‏ والله لأقتلن تحت راية أبي بكر حيث كان فإني قد حبست نفسي في سبيل الله‏.‏

قال الواقدي‏:‏ ولقد بلغني أن الصديق حال تفكره فيمن يقدم طليعة الجيش‏.‏

قال‏:‏ فتقدم إليه سهل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وهشام بن الحارث وقالوا‏:‏ اشهدوا أننا قد حبسنا أنفسنا في سبيل الله فلا نرجع عن القتال أبدًا‏.‏

فقال أبو بكر‏:‏ اللهم بلغهم أفضل ما يؤملون‏.‏

ثم إن أبا بكر دعا عمرو بن العاص‏.‏

فسلم إليه الراية وقال‏:‏ قد وليتك على هذا الجيش يعني أهل مكة والطائف وهوازن وبني كلاب فانصرف إلى أرض فلسطين وكاتب أبا عبيدة وأنجده إذا أرادك ولا تقطع أمرًا إلا بمشورته‏:‏ امض بارك الله فيك وفيهم‏.‏

قال‏:‏ فأقبل عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

وقال له‏:‏ يا أبا حفص أنت تعلم شدتي على العدو وصبري على الحرب فلو كلمت الخليفة أن يجعلني أميرًا على أبي عبيدة وقد رأيت منزلتي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أرجو أن يفتح الله على يدي البلاد ويهلك الأعداء‏.‏

قال عمر رضي الله عنه‏:‏ ما كنت بالذي أكذبك وما كنت بالذي أكلمه في ذلك فإنه ليس على أبي عبيدة أمير ولأبي عبيدة عندنا أفضل منزلة منك وأقدم سابقة منك والنبي صلى الله عليه وسلم قال فيه‏:‏ ‏(‏أبو عبيدة أمين الأمة‏)‏‏.‏ قال عمرو‏:‏ ما ينقص من منزلته إذا كنت واليًا عليه‏.‏

قال عمر بن الخطاب‏:‏ ويلك يا عمرو إنك ما تطلب بقولك هذا إلا الرياسة والشرف فاتق الله ولا تطلب إلا شرف الآخرة ووجه الله تعالى فقال عمرو بن العاص‏:‏ إن الأمر كما ذكرت‏.‏

ثم أمر الناس بالمسير تحت رايته فساروا وتقدم أهل مكة وتبعهم بنو كلاب وطيئ وهوازن وثقيف وتخلف المهاجرون والأنصار ليسيروا مع أبي عبيدة بن الجراح‏.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3 فتوح الشام ( للواقدي )


3

فتوح الشام ( للواقدي )

حدثنا سعد بن أوس عن السرية التي أنفذها أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع يزيد بن أبي سفيان وربيعة بن عامر قال‏:‏ قد اجتمعا بعساكر الروم في أرض تبوك مع البطاليق وهزمهم الله تعالى على أيدينا وكان جملة من قتل منهم ألفًا ومائتين ومن قتل من المسلمين مائة وعشرين رجلًا‏.‏

قال‏:‏ وإن القوم لما انهزموا قال لهم جرجيس وهو أخو المقتول‏:‏ يا ويلكم بأي وجه ترجعون إلى الملك وقد عملوا فينا عملًا ذريعًا وملئوا الأرض من قتلانا ولا أرجع حتى أخذ بثأر أخي أو ألحق به‏.‏

قال‏:‏ واجتمع القوم وسمعوا منه ذلك ورجع بعضهم إلى بعض وعادوا إلى القتال فلما استقروا في خيامهم بعثوا رجلًا من العرب المتنصرة اسمه القداح وقالوا له‏:‏ امض إلى بني عمك وقل لهم يبعثوا إلينا رجلًا من كبارهم وعقلائهم حتى ننظر ما يريدون منا‏.‏

قال‏:‏ فركب القداح جواده وأقبل نحو جيش المسلمين فلما رأوه مقبلًا إليهم استقبله رجال من الأوس وقالوا له‏:‏ ماذا تريد‏.‏

قال لهم‏:‏ إن البطارقة يريدون رجالًا من عقلائكم ليخاطبوهم فيما يريد الله من صلاح شأن الجمعين‏.‏

قال فأخبروا يزيد بن ربيعة بما قال المتنصر‏.‏

فقال ربيعة بن عامر‏:‏ أنا أسير إلى القوم‏.‏
‏.‏
فقال يزيد‏:‏ يا ربيعة أنا أخاف عليك من القوم لأنك قد قتلت كبيرهم بالأمس‏.‏

فقال ربيعة ‏{‏قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وإني أوصيك والمسلمين أن تكون همتكم عندي فإذا رأيتم القوم غدروا بي فاحملوا عليهم ثم ركب جواده وسار حتى أتى جيش الروم وقرب من سرادق أميرهم‏.‏

فقال القداح‏:‏ عظم جيش الملك وانزل عن جوادك‏.‏

فقال ربيعة رضي الله عنه‏:‏ ما كنت بالذي أنتقل من العز إلى الذل ولست أسلم جوادي لغيري وما أنا بنازل إلا على باب السرادق وإلا رجعت من حيث جئت لأننا ما بعثنا إليكم بل أنتم بعثتم إلينا قال‏:‏ فأعلم القداح الروم بما تكلم به ربيعة بن عامر‏.‏

فقال بعضهم لبعض‏:‏ صدق العربي في قوله دعوه ينزل حيث أراد قال‏:‏ فنزل ربيعة على باب السرادق وجثا على ركبته وأمسك عنان جواده بيده وسلاحه معه‏.‏

فقال له جرجيس‏:‏ يا أخا العرب لم تكن أمة أضعف منكم عندنا وما كنا نحدث أنفسنا أنكم تغزوننا وما الذي تريدون منا‏.‏

فقال ربيعة‏:‏ نريد منكم أن تدخلوا في ديننا وأن تقولوا بقولنا وإن أبيتم تعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإلا فالسيف بيننا وبينكم‏.‏

فقال جرجيس‏:‏ فما منعكم أن تقصدوا الفرس وتدعون الصداقة بيننا وبينكم‏.‏

فقال ربيعة‏:‏ بدأنا بكم لأنكم أقرب إلينا من الفرس وإن الله تعالى أمرنا في كتابه بذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏‏.‏ قال جرجيس‏:‏ فهل لك أن تعقد الصلح بيننا وبينكم وأن نعطي كل رجل منكم دينارًا من ذهب وعشرة أوسق من الطعام وتكتبوا بيننا وبينكم كتاب الصلح لا تغزون إلينا ولا نغزوا إليكم‏.‏

قال ربيعة‏:‏ لا سبيل إلى ذلك وما بيننا وبينكم إلا السيف أو أداء الجزية أو الإسلام‏.‏

قال جرجيس‏:‏ أما ما ذكرت من دخولنا في دينكم فلا سبيل إلى ذلك ولو نهلك عن آخرنا لأننا لا نرى لديننا بدلًا‏.‏

وأما إعطاء الجزية فإن القتل عندنا أيسر من ذلك وما أنتم بأشهى منا إلى القتال والحرب والنزال لأن فينا البطارقة وأولاد الملوك رجال الحرب وأرباب الطعن والضرب‏.‏

قال جرجيس لأصحابه‏:‏ علي بأنفس صقالبة حتى يناظروا هذا البدوي في كلامه‏.‏

قال‏:‏ وكان الملك هرقل قد بعث معهم قسيسًا عظيمًا عارفًا بدينهم مجادلًا عن شرعهم‏.‏

قال‏:‏ فأتى الحاجب به فلما استقر به الجلوس قال له جرجيس‏:‏ يا أبانا أستخبر من هذا الرجل عن شريعتهم وعن دينهم‏.‏

فقال القسيس‏:‏ يا أخا العرب إنا نجد في علمنا أن الله تعالى يبعث من الحجاز نبيًا عربيًا هاشميًا قرشيًا علامته أن الله تعالى يسري به إلى السماء أكان ذلك أم لا قال‏:‏ نعم أسرى به وقد ذكره ربنا في كتابه العزيز بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا‏}‏‏.‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 1‏]‏‏.‏

 قال القسيس‏:‏ إنا نجد في كتابنا أن ربنا يفرض على هذا النبي وأمته شهرًا يصومونه يقال له شهر رمضان‏.‏

قال ربيعة‏:‏ نعم وقد قرأنا في القرآن العظيم ‏{‏شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 85‏]‏‏.‏ فقال القسيس‏:‏ إنا وجدنا في كتابنا أن من أحسن حسنة تكتب بعشرة‏.‏

قال ربيعة‏:‏ نعم قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 160‏]‏‏.‏ قال القسيس‏:‏ إنا نجد في كتابنا أن الله يأمر أمته بالصلاة عليه‏.‏

قال ربيعة‏:‏ نعم وقد قال الله في كتابه العزيز‏:‏ ‏{‏إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 56‏]‏‏.‏ قال‏:‏ فعجب القسيس من كلامه وقال للبطارقة‏:‏ إن الحق مع هؤلاء القوم‏.‏

فقال بعض الحجاب‏:‏ إذ هذا هو الذي قتل أخاك‏.‏

فلما سمع ذلك ازورت عيناه وغضب غضبًا شديدًا وهم أن يثب على ربيعة ففهم ربيعة ذلك منه فوثب من مكانه أسرع من البرق وضرب بيده إلى قائم سيفه وعجل جرجيس بضربة فجندله صريعًا قتيلًا ووثب على فرسه فركبها فأسرعت البطارقة إليه وهو راكب فحمل فيهم ونظر يزيد بن أبي سفيان إلى ذلك‏.‏

فقال للمسلمين‏:‏ إن أعداء الله قد غدروا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدونكم وإياهم فحمل المسلمون على المشركين واختلط الجيش بالجيش وصبرت الروم لقتال العرب فبينما هم في القتال أشرفت جيوش المسلمين مع شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر المسلمون إلى إخوانهم في القتال حملوا على القوم حملة صادقة وحكمت سيوفهم في قمم الروم‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 فتوح الشام ( للواقدي )


2

فتوح الشام ( للواقدي )

وصية أبي بكر قال المؤلف رحمه الله تعالى‏:‏ لقد بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام من ساعته يمشي على قدميه وحوله جماعة من الأصحاب منهم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين وخرجوا إلى ظاهر المدينة ووقع النداء في الناس وكبروا بأجمعهم فرحًا لخروجهم وأجابتهم الجبال لدوي أصواتهم وعلا أبو بكر على دابته حتى أشرف على الجيش فنظر إليهم قد ملئوا الأرض فتهلل وجهه وقال‏:‏ اللهم أنزل عليهم الصبر وأيدهم ولا تسلمهم إلى عدوهم ‏{‏إن الله على كل شيء قدير‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 20‏]‏‏.‏

وكان أول من دعاه أبو بكر يزيد بن أبي سفيان وعقد له راية وأمره على ألف فارس من سائر الناس ودعا بعده رجلًا من بني عامر بن لؤي يقال له ربيعة بن عامر وكان فارسًا مشهورًا في الحجاز فعقد له راية وأمره على ألف فارس ثم أقبل أبو بكر على يزيد بن أبي سفيان وقال له‏:‏ هذا ربيعة بن عامر من ذوي العلى والمفاخر قد علمت صولته وقد ضممته إليك وأمرتك عليه فاجعله في مقدمتك وشاوره في أمرك ولا تخالفه‏.‏

فقال يزيد‏:‏ حبًا وكرامة‏.‏

وأسرعت الفرسان إلى لبس السلاح واجتمع الجند وركب يزيد بن أبي سفيان وربيعه بن عامر وأقبلا بقومهما إلى أبي بكر رضي الله عنه فأقبل يمشي مع القوم‏.‏

فقال يزيد‏:‏ يا خليفة رسول الله الناجي من غضب الله من رضيت عنه لا نكن على ظهور خيولنا وأنت تمشي فإما أن تركب وإما أن ننزل‏.‏

فقال‏:‏ ما أنا براكب وما أنتم بنازلين وسار إلى أن وصل إلى ثنية الوداع فوقف هناك فتقدم إليه يزيد فقال‏:‏ يا خليفة رسول الله أوصنا فقال‏:‏ إذا سرت فلا تضيق على نفسك ولا على أصحابك في مسيرك ولا تغضب على قومك ولا على أصحابك وشاورهم في الأمر واستعمل العمل وباعد عنك الظلم والجور فإنه لا أفلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوهم ‏وإذا لقيتم القوم فلا تولوهم الأدبار {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير‏}‏ ‏[‏الأنفال:‏ 16]‏‏.‏

وإذا نصرتم على عدوكم فلا تقتلوا ولدًا ولا شيخًا ولا امرأة ولا طفلًا ولا تعقروا بهيمة إلا بهيمة المأكول ولا تغدروا إذا عاهدتم ولا تنقضوا إذا صالحتم وستمرون على قوم في الصوامع رهبانًا يزعمون أنهم ترقبوا في الله فدعوهم ولا تهدموا صوامعهم وستجدون قومًا آخرين من حزب الشيطان وعبدة الصلبان قد حلقوا أوساط رؤوسهم حتى كأنها مناحيض العظام فاعلوهم بسيوفكم حتى يرجعوا إلى الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقد استودعتكم الله ثم عانقه وصافحه وصافح ربيعة بن عامر وقال‏:‏ يا عامر أظهر شجاعتك على بني الأصفر بلغكم الله آمالكم وغفر لنا ولكم‏.‏

قال‏:‏ وسار القوم ورجع أبو بكر رضي الله عنه بمن معه إلى المدينة قال‏:‏ فجد القوم في السير فقال ربيعة بن عامر‏:‏ ما هذا السير يا يزيد وقد أمرك أبو بكر أن ترفق بالناس في سيرك فقال يزيد‏:‏ يا عامر إن أبا بكر رضي الله عنه سيعقد العقود ويرسل الجيوش فأردت أن أسبق الناس إلى الشام فلعلنا أن نفتح فتحًا قبل تلاحق الناس بنا فيجتمع بذلك ثلاث خصال‏:‏ رضاء الله عز وجل ورضاء خليفتنا وغنيمة نأخذها‏.‏

فقال ربيعة‏:‏ فسر الآن ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

قال‏:‏ فأخذ القوم في السير على وادي القرى ليخرجوا على تبوك ثم على الجابية إلى دمشق‏.‏

قال‏:‏ واتصل الخبر للملك هرقل من قوم من عرب اليمن المتنصرة كانوا في المدينة فلما صح عند الملك ذلك جمع بطارقته في عسكره وقال لهم‏:‏ يا بني الأصفر إن دولتكم قد عزمت على الانهزام ولقد كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتقيمون الصلاة وتؤثرون الزكاة التي أمركم بها الآباء والأجداد والقسس والرهبان وتقيمون حدود الله التي أمركم بها في الإنجيل لا جرم أنكم ما قصدكم ملك من ملوك الوشاة ونازعكم على الشام إلا وقهرتموه ولقد قصدكم كسرى بجنود فارس فانكسروا على أعقابهم والآن قد بدلتم وغيرتم فظلمتم وجرتم وقد بعث إليكم ربكم قومًا لم يكن في الأمم أضعف منهم عندنا وقد رمتهم شدة الجوع إلينا وأتى بهم إلى بلادنا وبعثهم صاحب نبيهم ليأخذوا ملكنا من أيدينا ويخرجونا من بلادنا ثم إنه حدثهم بالذي سمعه من طرسيسه‏.‏

فقالوا‏:‏ أيها الملك نردهم عن مرادهم ونصل إلى مدينتهم ونخرب كعبتهم قال‏:‏ فلما سمع مقالتهم وتبين اغتياظهم جرد منهم ثمانية آلاف من أشجع فرسانهم وأمر عليهم خمسة من بطارقتهم وهم البطاليق وأخوه جرجيس وصاحب شرطته ولوقا بن سمعان وصليب بن حنا صاحب غزة وكانت هذه الخمس البطارقة يضرب بهم المثل في الشجاعة والبراعة ثم تدرعوا وأظهروا زينتهم وصلت عليهم الأمة صلاة النصر‏.‏

فقالوا‏:‏ اللهم انصر من كان منا على الحق وبخروهم ببخور الكنائس ثم رشوا عليهم من ماء العمودية وودعوا الملك وساروا وأمامهم العرب المتنصرة يدلونهم على الطريق‏.‏

قال‏:‏ حدثني رفاعة عن ياسر بن الحصين‏.‏

قال‏:‏ بلغني أن أول من وصل إلى تبوك كان يزيد بن سفيان وربيعة بن عامر ومن معهما من المسلمين قبل وصول الروم بثلاثة أيام فلما كان في اليوم الرابع والمسلمون قد هموا بالرحيل إلى الشام إذ أقبل جيش الروم فلما رآه المسلمون أخذوا على أنفسهم وكمن ربيعة بأصحابه الألف وأقبل يزيد بأصحابه الألف ووعظهم وذكر الله تعالى‏.‏

وقال لهم‏:‏ اعلموا أن الله وعدكم النصر وأيدكم بالملائكة وقال الله تعالى في كتابه العزيز‏:‏ ‏{‏كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏‏.‏ وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الجنة تحت ظلال السيوف‏)‏‏.‏ وأنتم أول جند دخل الشام وتوجه لقتال بني الأصفر فكأنكم بجنود الشام وإياكم أن تطمعوا العدو فيكم وانصروا الله ينصركم فبينما يزيد يعظ الناس وإذا بطلائع الروم قد أقبلت وجيوشها قد ظهرت فلما رأوا قلة العرب طمعوا فيهم وظنوا أنه ليس وراءهم أحد فبربر بعضهم على بعض بالرومية وقالوا دونكم من يريد أخذ بلادكم واستنصروا بالصليب فإنه ينصركم ثم حملوا وتلقاهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهمم عالية وقلوب غير دانية ودار القتال بينهم وتكاثرت الروم عليهم وظنوا أنهم في قبضتهم إذ خرج عليهم ربيعة بن عامر رضي الله عنه بالكمين وقد أعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وحملوا على الروم حملة صادقة فلما عاينت الروم من خرج عليهم أنكسروا وألقى الله الرعب في قلوبهم فتقهقروا إلى ورائهم ونظر ربيعة بن عامر إلى البطاليق وهو يحرض قومه على القتال فعلم أنه طاغية الروم فحمل عليه وطعنه طعنة صادقة فوقعت في خاصرته وطلعت من الناحية الأخرى فلما نظرت الروم إلى ذلك ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار ونزل النصر على طائفة محمد المختار‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 فتوح الشام ( للواقدي ) أبو عبدالله بن عمر الواقدي الجزء الأول



1


فتوح الشام ( للواقدي )

أبو عبدالله بن عمر الواقدي 

يعد الكتاب من أهم الكتب في ذكر تواريخ الشام وذكر معاركها ويتكون الكتاب من جزأين بدأ في الجزء الأول بذكر وصية للجند وذكر المعارك ، وفي الجزء الثاني ذكر الفتوحات التي تمت في بلاد الشام.

الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

‏{‏إنا فتحنا لك فتحا مبينا‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 1‏]‏‏.‏

  إقبال الجند الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين‏.‏

قال الإمام الواقدي رحمه الله تعالى آمين‏:‏ حدثني أبو بكر بن الحسن بن سفيان بن نوفل بن محمد بن إبراهيم التيمي ومحمد بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد مولى هشام ومالك بن أبي الحسن وإسماعيل مولى الزبير ومازن بن عوف من بني النجار كل حدث عن فتوح الشام بما كان قالوا جميعًا‏:‏ إنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف بعده أبو بكر الصديق رضي الله عنه قتل في خلافته مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة وقاتل بني حنيفة وأهل الردة وأطاعته العرب فعزم أن يبعث جيشه إلى الشام وصرف وجهه لقتال الروم فجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وقام فيهم خطيبًا فحمد الله عز وجل وقال‏:‏ يا أيها الناس رحمكم الله تعالى اعلموا أن الله فضلكم بالإسلام وجعلكم من أمة محمد عليه الصلاة والسلام وزادكم إيمانًا ويقينًا ونصركم نصرًا مبينًا وقال فيكم اليوم كملت لكم الجهاد والصدام فليبادر إلى طاعة الملك العلام ثم كتب‏:‏ ‏{‏انفروا خفافا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله‏}‏‏.‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 41‏]‏ الآية ثم بعث الكتب إليهم وأقام ينتظر جوابهم وقدومهم وكان الذي بعثه بالكتب إلى اليمن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ فما مرت الأيام حتى قدم أنس رضي الله عنه يبشره بقدوم أهل اليمن وقال‏:‏ يا خليفة رسول الله وحقك على الله ما قرأت كتابك على أحد إلا وبادر إلى طاعة الله ورسوله وأجاب دعوتك وقد تجهزوا في العدد والعديد والزرد النضيد وقد أقبلت إليك يا خليفة رسول الله مبشرًا بقدوم الرجال وأي رجال وقد أجابوك شعثًا غبرًا وهم أبطال اليمن وشجعانها وقد ساروا إليك بالفراري والأموال والنساء والأطفال وكأنك بهم وقد أشرفوا عليك ووصلوا إليك فتأهب إلى لقائهم‏.‏

قال‏:‏ فسر أبو بكر رضي الله عنه بقوله سرورًا عظيمًا وأقام يومه ذلك حتى إذا كان من الغد أقبلوا إلى الصديق رضي الله عنه وقد لاحت غبرة القوم لأهل المدينة‏.‏

قال‏:‏ فأخبروه فركب المسلمون من أهل المدينة وغيرهم وأظهروا زينتهم وعلاهم ونشروا الأعلام الإسلامية ورفعوا الألوية المحمدية فما كان إلا قليل حتى أشرفت الكتائب والمواكب يتلو بعضها بعضًا قوم في أثر قوم وقبيلة في أثر قبيلة فكان أول قبيلة ظهرت من قبائل اليمن حمير وهم بالدروع الداودية والبيض العادية والسيوف الهندية وأمامهم ذو الكلاع الحميري رضي الله عنه‏.‏

فلما قرب من الصديق رضي الله عنه أحب أن يعرفه بمكانه وقومه وأشار بالسلام وجعل ينشد ويقول‏:‏ أتتك حمير بالأهلين والولد أهل السوابق والعالون بالرتب أسد غطارفة شوس عمالقة يردوا الكماة غدًا في الحرب بالقضب الحرب عادتنا والضرب همتنا وذو الكلاع دعا في الأهل والنسب دمشق لي دون كل الناس أجمعهم وساكنيها سأهويهم إلى العطب قال‏:‏ فتبسم أبو بكر الصديق رضي الله عنه من قوله ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ يا أبا الحسن أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا أقبلت حمير ومعها نساؤها تحمل أولادها فأبشر بنصر الله على أهل الشرك أجمعين‏)‏‏.‏

فقال الإمام علي‏:‏ صدقت وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنس رضي الله عنه‏:‏ وسارت حمير بكتائبها وأموالها وأقبلت من بعدها كتائب مذحج أهل الخيل العتاق والرماح الدقاق وأمامهم سيدهم قيس بن هبيرة المرادي رضي الله عنه فلما وصل إلى الصديق رضي الله جعل يقول‏:‏ صلوا على طه الرسول‏:‏ أتتك كتائب منا سراعًا ذوو التيجان أعني من مراد قال‏:‏ فجزاه أبو بكر رضي الله عنه وتقدم بكتائبه ومواليه وتقدمت من بعده قبائل طيئ يقدمها حارث بن مسعد الطائي رضي الله عنه فلما وصل هم أن يزجل فأقسم عليه أبو بكر رضي الله عنه بالله تعالى أن لا تفعل فدنا منه فصافحه وسلم عليه وأقبلت الأزد في جموع كثيرة يقدمها جندب بن عمرو الدوسي رضي الله عنه ثم جاءت من بعدهم بنو عبس يقدمهم الأمير ميسرة بن مسروق العبسي رضي الله عنه وأقبلت من بعدهم بنو كنانة يقدمهم غيشم بن أسلم الكناني وتتابعت قبائل اليمن يتلو بعضها بعضًا ومعهم نساؤهم وأموالهم فلما نظر أبو بكر رضي الله عنه إلى نصرتهم سر بذلك وشكر الله تعالى وأنزل القوم حول المدينة كل قبيلة متفرقة عن صاحبتها واستمروا فأضر بهم المقام من قلة الزاد وعلف الخيل وجدوبة الأرض فاجتمع أكابرهم عند الصديق رضي الله عنه وقالوا‏:‏ يا خليفة رسول الله إنك أمرتنا بأمر فأسرعنا لله ولك رغبة في الجهاد وقد تكامل جيشنا وفرغنا من أهبتنا والمقام قد أضر بنا لأن بلدك ليست بلد جيش ولا حافر ولا عيش والعسكر نازل فإن كنت قد بدلت فيما عزمت عليه فأمرنا بالرجوع إلى بلدنا وأقبل الجميع وخاطبوه بذلك فلما فرغوا من كلامهم قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا أهل اليمن ومن حضر من غيرهم‏.‏

أما والله ما أريد لكم الإضرار وإنما أردنا تكاملكم قالوا‏:‏ إنه لم يبق من ورائنا أحد فاعزم على بركة الله تعالى‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السبت، 28 يونيو 2014

141 والاخيرة مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


141 والاخيرة

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


  قال الراوي
‏:‏ وأقام المسلمون ثلاث سنين إلا أنهم يشنون الغارات على السواد والسواحل ومضى القعقاع بن عمرو وهاشم وأبو أيوب وعقبة بن نافع الفهري بألفي فارس وأغاروا على حد برقة ثم عادوا وهذا أحد الآراء في فتح المغرب‏.‏
قال الواقدي رضي الله عنه‏:‏ ولما طال الحصار والمكث على أهل البهنسا اجتمعت المسلمون عند خالد واستشاروه فيما يفعلونه وما يكون من الرأي فوثب عبد الرزاق الأنصاري وعبد الله بن مازن الداري وكعب بن نائل السلمي وأبو مسعود البدري وأبو سعيد البياضي وقالوا‏:‏ يا قوم قد وهبنا أنفسنا لله عز وجل ولعل أن يكون للإسلام فرج فاصنعوا منجنيقًا واملؤوا غرائر قطنا وقالوا يأخذ كل واحد منا سيفه وحجفته ويدخل في غرارة قطن فإذا كان الليل ونامت الحراس فألقونا على أعلى السور واحدًا بعد واحد والمعونة من الله في فتح الباب كما فتحتم قصر الشمع بمصر ودير النحاس وكما فعلتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاستصوبوا رأيهم فلما أصبحوا قطعوا الأخشاب وصنعوا منجنيقًا وصنعوا له حبالًا وأحضروا غرائر وملؤوها قطنًا والرجال داخلها وصبروا إلى الليل ودخل هؤلاء السادات رضي الله عنهم بعد أن ضربوا بالمنجنيق حجرًا بعد حجر فسقط على أعلى السور والبرج فشرعوا في رميهم منهم أبو مسعود البدري وعبد الرزاق إلى أن رموهم جميعهم وصاروا فوق أعلى السور ورتب خالد أصحابه على الأبواب وأما عبد الرزاق وأصحابه فلما صاروا بأعلى الجدار نزلوا إلى البرج فإذا هو مغلق والحراس نيام فنزلوا إلى الدهليز بين البابين فوجدوهما مغلقين موثقين فذبحوا البوابين عن أخرهم ووجدوا المفاتيح تحت رأس كبيرهم في جانب سريره فأخذوها وفتحوا الأبواب وإذا بالباب الثاني الذي ينتهي إلى القصر مسدود بالحجارة فاحتالوا على قلع حجر بعد حجر فقلعوها ورموا الأحجار وفتحوا الأبواب وكل ذلك في أقل من ساعة بمعونة الله عز وجل وصعدوا إلى البرج فعالجوه وفتحوه وقتلوا جماعة واستيقظ جماعة وثاروا عليهم وخافوا على الباب أن يؤخذ منهم وأن يحال بينهم وبينه وهو باب السور الذي بظاهر المدينة ففتحوه فصاحت الروم واستيقظ البطليوس وركب جواده وكان على حذر وركب المسلمون ودخلوا الباب وخرجت البطارقة والبطليوس من قصره وزحفت الروم إلى الباب وكان أول من قتل في ذلك اليوم عبد الرزاق وعنان بن مازن وكعب بن نائل السلمي بداخل الباب‏.‏
قال‏:‏ حدثنا قيس بن مازن الحميري عن عبادة بن سالم السكاكي عن أبي مسعود البدري وكان أول من فتح الباب‏.‏
قال ليس هو على هذه الصفة وأخبرنا سالم بن حامد عن أبي عبد الله عن أبي محمد الأنصاري عن عبد الله البدري قال‏:‏ كان أبو محمد الحسني يقرأ هذه الفتوح بالجامع الغزي العمري على الشيخ أبي عبد الله حتى بلغ إلى هنا وذكر الفتوح وفتح الباب وأن الرجال وضعت في الغرائر‏.‏
قال‏:‏ يا بني ليس الأمر كذلك فقد روي عن أبي مسعود وهو الصحيح عن فتح الباب قال‏:‏ إنهم قطعوا أخشابًا ونصبوا سلمًا للتسلق عاليًا علو جدار المدينة وصبروا إلى الليل وأسندوه إلى الجدار وتسلق منهم أربعون رجلًا ومنهم السبعة المذكورون وفتحوا الباب كما ذكرنا واستيقظ الروم وخرجوا إليهم بعد فتح الباب فكان السابق إليهم عبد الرزاق رضي الله عنه فقتلوه وقتلوا معه من ذكرنا أولًا وتسابق المسلمون إلى الباب فكان أول من دخل ضرار بن الأزور وهو يزعق ويقول هذه الأبيات‏:‏ الجن تفزع يوم الحرب من فزعي إذا أتيت الهيجا بلا جزع يا ويل من صنع الأرصاد يخدعنا ونحن جرثومة الأمكار والخدع لأرضين إلهي في جهادهم وقتل أبطالهم بالسيف والدرع يا ويل كلب العدا البطلوس إن وقعت عيني عليه لأرديه إلى النزع عيب علي إذا ما ألتقيه هنا وأفلق الرأس منه مرتدع ثم دخل من بعده خالد وهو يقول‏:‏ يا ويل بطلوس كلب البهنساء إذا لاقيته بطليق الحد معتدل إن لم أذقه بكاسات المنون هنا فلا سلمت ولا بلغت من أملي قال‏:‏ ثم دخل من بعده ذو الكلاع الحميري وهو يقول‏:‏ إني لمن حمير العالمين في النسب أهل الثنا والوفا والجود والحسب أسد غضافرة سود جحاجحة نردى الكماة غدًا في الحرب بالقضب الحرب عادتنا والطعن همتنا وذو الكلاع أنا عال على الرتب تبت يد الروم ما يدرون أن لنا صوارمًا تترك الأعضاء كالقصب قال‏:‏ ثم دخل من بعده الزبير بن العوام وهو يقول‏:‏ أيا بطليوس يا كلبًا لعينًا ويا نسل الطغاة الأرذلينا أتتك حماة دين الله حقًا وأولاد الجياد الخيرينا خيار الناس نسل بني نزار كرامًا في الأعادي قاطعينا إذا احتبك العجاج بهم تراهم بحولك كالسباع الضاربينا ولا منهم جبان قط يهزم ولا نذل فتلقاه حزينا أتيينا البهنساء بكل قرم شديد العزم في يوم النزال وجيش فاق في الآفاق طرا على الأعداء بالسمو العوالي قال‏:‏ ثم دخل من بعده عبد الله بن جعفر وهو يقول‏:‏ اليوم طاب الطعن في اللئام والضرب في الأعناق بالحسام وانصر الإسلام باهتمام ولم أزل عن سادتي أحامي أنا الشجاع الفارس الهمام مردى الأعداء في الحمام قال‏:‏ ثم دخل بعده الفضل بن العباس وهو يقول‏:‏ ألا إننا السادات من آل هاشم ليوثًا ذوي بطش شديد العزائم لنا تشهد الأبطال في كل معرك وتذكر عنا أهل كل المواسم إذا اشتدت الأهوال واستبق القنا رأيت لنا في ذاك فعل الضراغم قال‏:‏ ثم دخل من بعده الفضل بن أبي لهب وهو يقول‏:‏ لنحوك يا بطلوس عزمي قد طلب بحد حسام كالشهاب إذا انتدب يطير شرار النار من لمعانه بكف شجاع الخيل ابن أبي لهب لا أنثني يوم الهيج عن العدا بمهندي الصمصام إلا إذا قطع فالويل للبطلوس من سطواتنا لأفرقن بحد سيفي ما جمع قال‏:‏ ثم دخل من بعده المقداد بن الأسود وهو يقول‏:‏ أنا الكندي كالليث الشجاع وإني في العدا قد طال باعي وتشهد لي الرجال بكل حرب وللهيجاء منقاد الطباع فواثارات عبد الله إني عليه ذاهل حيران ناعي قال‏:‏ ثم دخل من بعده أبان بن عثمان وهو يقول‏:‏ نحن الليوث ذوو المعروف والكرم وفي المعامع يوم الحرب والهمم مجندلون العدا في كل معترك وقاهرون لهم كل مصطدم لا يعجبنك يا بطلوس جيشك في هذا المقام فمعنا الكل كالرخم قال‏:‏ ثم دخل من بعده مسلم بن عقيل وهو يقول‏:‏ ضناني الحرب والسهر الطويل وأقلقني التسهد والعويل فواثارات جعفر مع علي وما أبدى جوابك يا عقيل قال‏:‏ ثم دخل من بعده شرحبيل بن حسنة ثم القعقاع بن عمرو التميمي ثم مالك الأشتر ثم عبادة بن الصامت ثم أبو ذر الغفاري ثم أبو هريرة الدوسي ثم ابنه عبد الرحمن ثم معاذ بن جبل ثم شداد بن أوس ثم قيس بن هبيرة ثم أبو دجانة الأنصاري ثم جابر بن عبد الله ثم البراء بن عازب ثم النعمان بن بشير ثم سحب بن زيد أحد العشرة الكرام رضي الله عنهم‏.‏
قال‏:‏ ثم الأنصار يتلو بعضهم بعضًا بهمم وعزائم‏.‏
قال‏:‏ ثم خرجت الروم وقاتلت قتالًا شديدًا وتواثبت جماعة من الأمراء مثل الزبير بن العوام وابنه عبد الله وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى باب البحر واقتتلوا قتالًا شديدًا وتقدم عبد الرحمن والزبير إلى الباب والروم على أعلى السور ونزل عن جواده وصلى ركعتين والحجارة تتساقط عليه وهو لا ينزعج لذلك وتقدم هو والفضل وعبد الرحمن بن أبي بكر إلى الباب وجعلوا السلاسل من فوق وصعدوا إلى أعلى إلبرج وهدموا الشرافات ووضعوا السيف في الحراس وفتحوا الباب ووثب شرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو ذر الغفاري وأبو أيوب الأنصاري إلى باب قندوس ووثب المسيب بن نجيبة الفزاري والقعقاع بن عمرو والأمير عياض بن غانم الأشعري إلى باب الجبل وفتحوا الأبواب واقتتلوا قتالًا شديدًا وقاتلت الروم قتال الموت إلى أن طلعت الشمس وارتفعت وقاتل عدو الله البطليوس قتالًا شديدًا وقتل رجالًا وجندل أبطالًا واقتتلوا في الأزقة والشوارع وبين الأبواب وتقدم خالد وهو يصيح‏:‏ واثارات سليمان وطعنه طعنة صادقة في صدره فأطلع السنان يلمع من ظهره فوقع يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار فلما رأى الروم ذلك ولوا الأدبار وتبعهم المسلمون يقتلون وبأسرون وينهبون وقتل من الروم نحو ثلاثين ألفًا بوسط البلد وأسر منهم عشرون ألفًا وأنشد خالد يقول‏:‏ وبالبهنسا الغرا أبيدت جيوشنا ثلاث سنين بابها ليس يفتح ثماني آلاف عداد جيوشنا وكل همام عن ثمانين يرجح فما فتحت إلا وقد صار جيشنا ثلاثة آلاف عداد تسحسح ولم أر في أرض الصليب كمثلها ولا جيشها لما على السور يسرح ولا مر لي يوم كمثل حروبها لأن بها البطلوس ليث مبجح وكان له جيش وعدة جيشه ثمانون ألفًا بالحديد توشحوا وكف غلبناهم ثمانين مرة يخادعنا البطليوس عنهم فنصفح ثلاث مرار نحن نفتح بابها وترتد للكفر الذميم وتجنح وقد تعب الهندي يوم فتوحها وكلت أيادينا وفي الروم نذبح إلى أن ملأنا البر والبحر منهم وقد شبعت أسد الفلا وترنحوا وولت ثلاثون الألوف شواردًا وعشرون ألفًا منهم قد تجرحوا فمنهم قضى نحبًا ومنهم بها طغى ومنهم أناس في المقابر روحوا وبطلوسهم ذاك النهار قتلته وقد كان مقدام الجيوش مرجح فبادرته في الحال حتى تركته صريعًا عليه الغانيات تنوح وعاجلته في الرأس مني بضربة فأضحى بها شطرين ملقى ومطرح وعاد بسيف ابن الوليد مجندلًا تمر به كل الحوادث تفلح ولما فني بطلوسهم صار جمعهم كما شبه أغنام وغاب المسرح وقد كان في بحر الهياج مغلغلًا تولى سرايا قومنا منه مرح فلله ما أعداه قد كان فارسًا يفوق على جيش عظيم ويرجح وقد فرحت أكبادنا وترنمت لعمرك والأكباد بالنصر تفرح أقمنا بأرض البهنسا بعد فتحها ثلاثين يومًا للمساجد نصلح ورحنا فتحنا الهند والسند كله وأسيافنا في الغمد لله تسبح وفي كل أرض عسكر قد تركته يقسمون دين الحق والحق يوضح وهذا كلام ابن الوليد الذي جرى فكن سامعًا معنى الذي لك أشرح فما مثله في معمع الحرب سيد ولا مثله في جوهر النظم أفصح ومن بعد ذا صلوا على أشرف الورى نبي له كل البرية تجنح عليك سلام الله ما لاح بارق وما غرد القمري إذ الصبح يطفح وأصحابه والآل والعترة التي أقاموا لدين الله والشرك زحزحوا قال الراوي‏:‏ وصار المسلمون يصعدون إلى البيت ويأخذون الرجال من بين حريمهم من الروم ويقتلونهم حتى كلت سواعدهم من الذبح وجرى الدم في الأزقة وصارت القتلى في الشوارع والأسواق مطروحين وخرجت إليهم النصارى والقبط وهم يبكون ويقولون‏:‏ نحن أهل ذمتكم ونحن عوام وتجار وسوقة وكلنا مغلوبون على أمرنا وقتل خيارنا بأسيافكم وبقية الأمراء ويقولون هؤلاء قد صاروا رعيتنا وليس لهم بطش فتركوهم وقالوا بشرط أن تدلونا على من أخفى نفسه في المغاير والمخابي ومن فر من الباب الشرقي وغرق في الماء فدلوهم على الجميع ولم يزالوا يقتلون ذلك اليوم كله وفي اليوم الثاني استدعوا بنجارين يعملون عربات لحمل القتلى من المسلمين وأخذوا دواب أهل السواد من البقر تسحب العربات والفلاحون عملوا عليها وصاروا يضعون كل ثمانية وستة وعشرة في حفيرة ويردون عليهم الرمل حتى صاروا تلالًا وشهروا قبورهم ووضعوهم بدروعهم وثيابهم وعمائهم رضي الله عنهم وأخذوا ألواح رخام وكتبوا عليها أسماءهم وأنزلوها في مدافن قبورهم ورجعوا إلى قتلى أهل البلد فواراهم أهلهم في قبورهم وكان جملة من قتل من المسلمين في ذلك اليوم نحو أربعمائة وأزيد الأعيان منهم صاغر بن فرقد وعبد الله بن سعيد وعبد الله بن حرملة وعبد الله بن النعمان وعبد الرزاق الأنصاري وعبد الرحيم اللخمي وأبو حذيفة اليماني وأبو سلمة الثقفي وأبو زياد اليربوعي وأبو سليمان الداراني وابن أبي دجانة الأنصاري وأبو العلاء الحضرمي وأبو كلثوم الخزاعي وأبو مسعود الثقفي وهاشم بن نوفل القرشي وعمارة بن عبد الدار الزهري ومالك بن الحرث وأبو سراقة الجهني والبقية من أخلاط الناس وقتل عند سوق التمارين نحو عشرين ودفنوا هناك وعند سوق الصابون جماعة كثيرة وقريبًا من العطارين في جانب القبور نحو أربعين وقريبًا من البحر اليوسفي جماعة عند السور رضي الله عنهم‏.‏
قال الراوي‏:‏ ولما وارى المسلمون شهداءهم صعدوا إلى قصر البطليوس وإلى قصور البطارقة ودورهم ومقاصيرهم فوجدوا فيها من آنية الذهب والفضة ما لا يوصف ومن المتاع والحلي والحلل واللآلئ والنمارق والجواهر والبسط والوسائد والمساند واقتتلت الروم على بغلة محملة عند باب السر فغلبهم المسلمون عليها وأخذوها فإذا عليها صندوقان فيهما أحجار معادن فاشترى رجل من المسلمين من بيت المال حجرًا بستة آلاف دينار فباعه على غشوميته بمائة ألف دينار وأخذوا بساط البطليوس وكان مثل بساط كسرى سداه حرير وذهب مرضع بالمعادن فأرسلوه مع الخمس إلى المدينة فجعل لعلي بن أبي طالب فيما حصل له من البساط عشرون ألف دينار وغنمت المسلمون غنائم كثيرة من أواني الذهب والفضة وغير ذلك‏.‏
قال الراوي‏:‏ حدثنا عون بن عبيدة عن عبد الحميد بن أبي أمية‏.‏
قال‏:‏ هدم المسلمون القصر والكنيسة وتلك الدور وفتحوا خزائن البطليوس واستخرجوا جميع ما فيها من الذهب والفضة وغير ذلك ولم يتركوا فيها شيئًا أبدًا وقسم خالد الغنيمة بين المسلمين فكان للفارس عشرة آلاف مثقال من الذهب وألف أوقية من فضة ومن الثياب والملبوس وغير ذلك ما لا يوصف ولما دخلوا الكنيسة ورأوا تصاويرها وقناديلها الذهب والفضة والستور والحرير المنقوشة والأعمدة وغير ذلك تعجبوا وقرأ خالد ‏{‏ما اتخذ الله من ولد‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 116‏]‏‏.‏ الآية وقال‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله فصاح المسلمون بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وقرأ عياض الأشعري ‏{‏كم تركوا من جنات وعيون‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 25‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وأورثناها قومًا آخرين‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 28‏]‏‏.‏ وأخربوا تلك البيعة وجعلوا بجانبها مسجدًا على أعمدة من الرخام مسقوف عليها بتلك الأخشاب وهو الجامع الأول قبل بناء حسن بن صالح هذا الجامع الآن وبقية الأخشاب والحجارة جعلوا منها مساجد وربطًا‏.‏
قال الواقدي‏:‏ حدثنا عبد الحميد عن قيس بن مهران عن أبي جعدة‏.‏
قال‏:‏ بمدينة البهنسا أربعون رباطًا ومن المساجد ما لا يعد وأخربت الصحابة تلك المعالم وبنوا دورًا لأنفسهم واختطوا بها أماكن وشوارع وأقام خالد ومن معه بمدينة البهنسا يصلحون المساجد والربط ويخرجون المعالم شهرًا كاملًا ثم أخرج الخمس وأرسله لعمرو بن العاص ومن معه من المسلمين وهو نازل بمصر على قدر سهامهم وقال له‏:‏ أرسل الخمس مع أبي نعيم الأنصاري والفضل بن فضالة وأبي دجانة إلى عمر بن الخطاب وهو بالمدينة فلما ورد الكتاب إلى عمرو بن العاص فرح بذلك فرحًا شديدًا ثم كتب عمرو لعمر كتابًا مع أبي نعيم صحبة كتاب خالد وسير معه ثلاثين صحابيًا حتى دخل المدينة ودخل على عمر بن الخطاب فوجد عنده جماعة وقد أخرج لهم قصعًا ومناسف من ثريد فلما رآنا عانقنا وتهلل وجهه فرحًا وجلسنا كلنا نأكل وهو قائم على رؤوسنا متكئ على عصا رسول الله فلما فرغنا من الأكل ناولته الكتابين فقرأهما وفرح فرحًا شديدًا ونادى في الناس الصلاة جامعة فخطب وحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
وقرأ عليهم الكتابين واستدعى بالصحابة وقسم عليهم الغنيمة ولم يترك لأهله درهمًا ولا دينارًا ولا ثوبًا رضي الله عنه وأخذني ومضى إلى بيته بيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأدخلني إليه فإذا فيه فراش من أدم حشوه ليف ووسائد من صوف وقطيفة واحدة فجلست‏.‏
فقال لأم كلثوم‏:‏ هل عندك شيء من التمر‏.‏
قالت‏:‏ لا إلا اللبن الحامض‏.‏
قال‏:‏ ذلك لي وإن عندنا ضيفًا فحضرت بعكة من سمن وقليل من عسل وفطير مع جارية فأكلت قليلًا من المذكور وأخرجت الباقي لأصحابي وشرعت أحدثه عن البطليوس وهو تارة يبكي وتارة يضحك من فعله ويبكي على من قتل من المسلمين والأمراء وخرجنا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وجاءت الناس يهرعون ويسألون عن أهاليهم منا فأخبرنا عمن مات ومن قتل فضج الناس وأهل المدينة بالبكاء وعلت الأصوات على من قتل وجاء الناس لعلي ولعقيل ولبني هاشم يعزونهم فيمن قتل وأقمنا بالمدينة سبعة أيام ورجعنا إلى مصر بكتاب عمر إلى خالد فأمره بالمسير إلى الصعيد‏.‏
قال الراوي‏:‏ هذا ما جرى لهؤلاء‏.‏
وأما خالد رضي الله عنه فإنه بعد شهر ترك أناسًا من الصحابة بأرض البهنسا من جميع القبائل وخرج بألفي فارس إلى أرض ألصعيد وكانت القبائل من بني هاشم وبني المطلب وبني مخزوم وبني زهرة وبني نزار وبني جهينة وبني مزينة وبني غفار والأوس والخزرج ومذحج وفهر وطيء وخزاعة وكان الأمير عليهم مسلم بن عقيل وأحاطوا بالمساكن وجعلوا بالمدينة أسواقًا وشوارع وسكن أكثر الصحابة في جانب البحر اليوسفي وخلوا من الآخر إلى الجانب الغربي شارعًا واحدًا لأجل أن تسبح دوابهم في البحر وأقام مسلم بن عقيل واليًا عليها إلى خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فتولى محمد بن جعفر بن أبي طالب بعده ومضى مسلم وترك أولاده وإخوته بها ولم يزل في المدينة حتى قتل في خلافة الحسن في الكوفة رضي الله عنه وأقام محمد بن جعفر إلى خلافة علي رضي الله عنه وتولى عليها بعده علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنه إلى خلافة معاوية وكان عبد العزيز بن مروان الأموي واليًا وتولى بعده طاهر بن عبد الله وكانت قريش والأشراف بالجهة الغربية ويقال لها حارة الأشراف وكان لكل قبيلة حارة‏.‏
قال أبو المنهال‏:‏ لما فتحت مدينة البهنسا حانت آهلة بالجند فاجتمعت السوقة والمتسببون من أهل البلد وكانوا أربعين ألفًا‏.‏
قال الواقدي‏:‏ حدثنا حامد بن المزيد عن أبي صالح عن ابن نوفل المرادي‏.‏
قال‏:‏ كان بمدينة البهنسا أربعمائة بقال حين فتحها يبيعون البقل وغيره وكانت مدينة عظيمة فلما وقع بين بني أمية وبني هاشم ما وقع أخرجوا منها جماعة واختل أكثرها‏.‏
قال‏:‏ وتسلسل إليها جماعة من العربان حتى جاء الحسن وإخوته في خلافة بني العباس فعمر جامعًا وأكثر من الزوايا والربط وأقام بها حتى مات‏.‏
قال‏:‏ ورجعنا إلى سياق الحديث وخرج خالد بمن معه إلى الصعيد ولم يزل يفتح مدينة بعد مدينة إلى آخر الصعيد إلى عدن وسواكن وليس مقصدنا في هذا الكتاب إلا فتوح البهنسا خاصة التي عليها مدار فضائل السادة الشهداء لأن بتربتها خمسة آلاف صحابي وحضر فتح البهنسا نحو سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زيارتها تعظم الأجور وقد زارها جماعة من العراق مثل بشر الحافي وسري السقطي ومالك بن دينار وسحنون وزارها من أقصى المغرب أبو مدين وشعيب وأبو الحجاج وأبو عبد الله وزارها الفضيل بن عياض وروي أن إقليم البهنسا أكثر بركة من جميع الأرض كلها وكان عمرو بن العاص رضي الله عنه يقول‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ليس بعد مكة والمدينة والأرض المقدسة والطور أرض مباركة إلا أرض مصر والبركة هي في الجانب الغربي‏)‏‏.‏
قال‏:‏ ولعلها البهنسا وكان علي بن الحسن يقول‏:‏ إنه ليس بأرض مصر بالوجه القبلي أرض مباركة ولا أكثر بركة من أرض البهنسا وكان أبو علي النوري إذا أتى أرض البهنسا وأتى الجبانة ينزع ثيابه ويتمرغ في الرمل ويقول‏:‏ يا لك من بقعة طالما ثار غبارك في سبيل الله وكان أبو علي الدقاق إذا مر بجبانة البهنسا يقول‏:‏ يا لك من بقعة ضمت أعضاء رجال وأي رجال طالما عرقت وجوههم في سبيل الله وقتلوا في سبيل الله ومرضاته‏.‏
وقيل الحسن بن صالح‏:‏ لم اخترت هذه البلدة على غيرها‏.‏
قال‏:‏ كيف لا آوي إلى بلد أوى إليها روح الله وكلمته وينزل على جبانتها كل يوم ألف رحمة ولما ولى عبد الله بن طاهر مصر تجهز وأتى إلى البهنسا فلما قرب من الجبانة ترتجل عن جواده وترجل من معه وكان الوالي عليها عبد الله بن الحسن الجعفري فخرج ماشيًا وسلم عليه ولما وصل إلى الجبانة قال‏:‏ السلام عليكم يا أحياء الدارين وخير الفريقين ثم التفت إلى أصحابه وقال‏:‏ إن هذه الجبانة ينزل عليها كل يوم مائة رحمة لو أنها تزف
بأهلها إلى الجنة ومن زارها تتساقط عنه ذنوبه كما يتساقط الورق من على الشجر في يوم ريح عاصف فكان عبد الله بعد ذلك كل يوم يخرج حافيًا فيزورها حتى مات ودفن رحمه الله‏.‏
قال الراوي‏:‏ حدثني رجل من أرض البهنسا من أهل الخير والصلاح يسمى عبد الرحمن بن ظهير‏.‏ قال‏:‏ كان لي جار مسرف على نفسه ومات ودفن قريبًا من الشهداء الذين بالجانب الغربي فبينما أنا نائم تلك الليلة فرأيته وإذا عليه ثياب من السندس الأخضر وعليه تاج من الجواهر وهو في قبة من نور وحوله جماعة لم أر أحسن منهم وجهًا ولا ثوبًا متقلدين بسيوف وهو بينهم فسلمت عليهم وقلت له‏:‏ يا هذا لقد سرني ما رأيت من حالك‏.‏ فقال‏:‏ يا هذا لقد نزلت بجوار قوم يحمون النزيل في الدنيا من العار وكيف لا يحمونه في الآخرة من النار وقد استوهبوني من العزيز الغفار غافر الذنوب والأوزار وأسكنني جنات تجري من تحتها الأنهار‏.‏
قال ذو النون المصري رضي الله عنه‏:‏ كنت في كل سنة آتي إلى البهنسا وأزور الجبانة لما رأيت في ذلك من الأجر والثواب فحصل لي في سنة من السنين عارض منعني من زيارتها فبينما أنا نائم ليلة من الليالي إذ رأيت رجالًا لم أر أحسن منهم وجوها ولا أنقى ثيابًا على خيول شهب وبأيديهم رايات خضر ووجوههم تتلألأ أنوارًا فسلموا علي وقالوا‏:‏ قد أوحشتنا يا ذا النون في هذه السنة وإن لم تزرنا زرناك‏.‏ فقلت لهم‏:‏ من أنتم‏.‏ فقالوا‏:‏ نحن الشهداء الأخيار أصحاب محمد المختار بالبهنسا كنا بأرض الروم لنصرة المسلمين على أعداء الله الكافرين فمررنا بك لنسلم عليك وننظر ما سبب انقطاعك عنا‏.‏ قال‏:‏ في أي أرض أنتم‏.‏ قالوا‏:‏ نحن سكان جبانة البهنسا ولك علينا حقوق الزيارة لأنك من أهل الإشارة‏.‏ فقال لهم‏:‏ يا سادتي إني لا أعود وحبل الوصال بيننا ممدود وما كنت أعلم أنكم تعلمون من زار وما كنت أظن في نفسي أنني بهذا المقدار‏.‏ قالوا‏:‏ يا ذا النون أما تعلم ‏أن الشهداء {أحياء عند ربهم يرزقون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 69‏]‏‏.‏ وبهذا نطق الكتاب المكنون ثم تركوني ومضوا فاستيقظت وفي قلبي لهب النار فطوبى لمن قال المؤلف‏:‏ ولقد وضعت في هذا الكتاب كل نادرة عجيبة وحكاية غريبة وهو كتاب كامل المعاني والبيان عظيم القدر والشأن لا يفهمه إلا ذوو البصائر والألباب ولا يعقله إلا أهل الخطاب ولا يقرؤه إلا أهل الذوق والمعرفة فهو كالزهر في الرياض لمن اقتطفه نفع به مالكه وكاتبه وقارئه ومستمعه والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين‏.


أنتهى

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

140 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )



140


مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

فإذا فتحنا الأبواب دخلوا إلينا فانتدب منهم مائة رجل من خيار القوم عنهم عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومسلم بن عقيل وزياد بن أبي سفيان وأخوه حبار والمسيب بن نجيبة وأخوه والمقداد بن الأسود ورافع وأبو رزين العقيلي ومثل هؤلاء السادات وقد اقتصرنا في أسمائهم خوف الإطالة ورتب خالد رضي الله عنه عبد الله بن جعفر والزبير بن العوام وابنه عبد الله والفضل بن العباس والفضل بن أبي لهب وضرار بن الأزور ومثل هؤلاء مقابل الباب وصبروا إلى غروب الشمس وأتوا إلى ذلك السرب ودخلوا إليه في الماء كل واحد بسراويله وسيفه وكان أولهم الأمير خالد وكل من دخل يدع سيفه وحجفته مع صاحبه حتى يدخل ويأخذهما حتى دخل ثمانون رجلًا ورجع عشرون لم يسعهم السرب وضاق عليهم فولوا وهم متأسفون لما فاتهم من الشهادة والفتح وتواثبت الأمراء المذكورون وأخفوا نفوسهم تحت الجدار إلى جزء من الليل فتبادروا إلى الباب فوجدوه موثقًا من داخله فعالجوا الأقفال والروم سكارى ففتحوا الباب افتحوا كل من وجدوه في دهليز الباب وكانوا ستين رجلًا ثم علوا على السور وجماعة منهم أخذوا المفاتيح ففتحوا الباب وثاروا على الروم فقتلوا جماعة منهم في أعلى البرج وقتلوا بطريق البرج وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فأجابهم المسلمون بمثل ذلك ودخلوا من الباب إلى سوى المدينة وتبادرت جماعة إلى القصر فلما أحس عدو الله بذلك وأن المسلمين ملكه عليه الأبواب وضع منديلًا في عنقه وخرج وهو يقول‏:‏ الأمان الأمان وفعل جماعة كذلك فأبى خالد ووضع السيف فيهم وقاده أسيرًا وقال له‏:‏ يا عدو الله لا أمان لك عندي إلا أن تسلم وقبض على جماعة من بطارقته ووضع السيف فيهم وقتل من الروم نحو ثلاثة آلاف وقتل من المسلمين في تلك الليلة في وسط البلد مائة وأربعة وثمانون رجلًا قريبًا من سور المدينة وعند الأبواب وعند القصر وجاء عياض ومعه جماعة من الأمراء فشكا إليهم أهل البلد وقالوا‏:‏ الأمان فرق لهم الأمير عياض وصار عدو الله يتملق بين أيديهم فغلبوا على رأي خالد حتى صالحهم على ألف مثقال من الذهب الأبريز وألف ألف أوقية من الفضة البيضاء وعشرة آلاف وسق من البر والشعير والجزية من العام القابل وخالد لا يطمئن قلبه إلى شيء من ذلك وغلب الأمراء على رأيه وجاؤوه وقالوا له‏:‏ لقد أضر بنا هذا المقام بهذا البلد فما نراك إلا أشفق منا علينا ونرى من الرأي أن ترسل إلى عمرو وتعلمه بذلك وهذا الكلب وجماعته موثقون إلى أن يجيء الجواب فلما بلغه ذلك رد لهم الجواب أنهم يستوثقون منه بالأيمان ويأخذون منه ما صالحهم عليه ويتركونه ومن صاح الغوث الغوث فاتركوه وإلا نفر منكم أهل الصعيد ففعل خالد وقلبه نافر وأطلقه بعدما استوثق منهم بالأيمان في كتبهم المذكورة وأطلقوه وشرط عليهم أن لا ينزل عندهم أحد إلا من يقبض المال فخرجوا إلى ظاهر المدينة وبقي عنده فضالة بن زيد السلمي وعون بن ساعدة الكندي ومقوم بن سعيد الجهني ومائتان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج الميرة والعلوفة وصار كل يوم يركب ويتودد إلى الأمراء ووهب وأعطى ولم يترك أميرًا إلا خادعه حتى طابت نفوسهم عليه إلا خالدًا والفضل بن العباس والمقداد وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والزبير بن العوام فإنهم لم تطب نفوسهم إليه وأقاموا شهرين على ذلك وأرسل جميع الغلال إلى خزينته في هذا الزمن وخزن ما يحتاج إليه واستدعى بكبار قومه ومن يثق به واتفق رأيهم على قتل المسلمين والغدر بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبروا إلى أن مضى جزء من الليل وهجم على المسلمين على حين غفلة في ألف بطريق وأوثقهم كتافًا وجعل في أفواههم الأكر وفتح الأبواب وأدخلهم المدينة وهجم على المسلمين ووضع السيف فيهم وهم رقود فما انتبهوا إلا والسيف يقطع في نحورهم وكانت وقعة عظيمة وثار خالد بمن معه وكان الزبير راقدًا فسمع الصياح‏.‏
فقال دهينا ورب الكعبة ثم ركب وركبت معه زوجته وقاتلت النساء قتالًا شديدًا وعدو الله تارة يكر ميمنة وتارة يكر ميسرة والسيف يعمل والرجال تقتل وكانت ليلة شديدة وصار خالد يقول‏:‏ يا قوم أما قلت لكم فما سمعتم لخالد والتجأ زياد بن أبي سفيان وأخوه هبار وميسرة بن مسروق وفضالة بن عبد شمس وعقيب بن يعقوب وعبادة بن تميم وجندبة الكلبي إلى تل هناك وأحاط بهم طائفة من الروم من كل مكان فقاتلوا قتالًا شديدًا وانحدر زياد رضي الله عنه من التل وتبعه أصحابه فأحدقت بهم الروم وداروا بهم كدوران السور بالمعصم وقتلوا زيادًا وجميع من ذكرنا من الأمراء وقاتلت نسيبة الأنصارية أم أبان وأسماء ابنة أبي بكر ونعمانة ابنة المنذر ونظائرهن في تلك الليلة قتالًا شديدًا وقتل جماعة من المسلمين وأتى خالد وحمل عليهم وجعل يقلب الميمنة على الميسرة والميسرة على الميمنة قال وأطبق عليهم هو وجميع الأمراء فهزموهم إلى الأبواب وقد قتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب عدو الله وتحصن هو وقومه وغلقوا الأبواب ولما أصبح أمر بالحصار وأمر بإحضار المأسورين وصعد بهم إلى أعلى البرج وضرب رقابهم فشق ذلك على المسلمين وصعب عليهم ما فعل عدو الله بأصحابهم وأتى خالد رضي الله عنه ومعه بقية الأمراء إلى مكان المعركة فوجدوا الشهداء مطروحين ووجدوا زيادًا رضي الله عنه وفيه عشرون طعنة بالرمح وأربعون ضربة بالسيف وإلى جانبه أخوه هبار وفي رأسه عشرون ضربة بالسيف وواحدة في فخذه فقطعته فبكى خالد عليهم بكاء شديدًا وبكى عليهم سائر الأمراء والأبطال المسلمين ونعاهم الأمير خالد بهذه الأبيات وهي له خصوصًا‏:‏ هوام دموعي كالسحائب تهمع وقلبي من فقد الأحبة يفزع وأظلمت الدنيا على نور عبرتي وكاد فؤادي بالجوى يتقطع لفقد زياد أحرق البين مهجتي وغاب صوابي وهو في الأرض يصرع لقد كان في بحر المعامع صائلًا يزلزل أركان العدا ويضعضع وقد كان مقدام الفوارس كلها بكل مكان للأعادي مقمع لحى الله يومًا فيه حانت وفاته وأجفانه مع أسهم الدمع تدمع أيا سيدًا من آل هاشم لم يزل له رتبة بالمجد والجود ترفع يعز علينا أن نراك معفرًا ورأسك من فوق الجنادل تسفع بجانبك الهبار أضحى مهبرًا طريحًا على رأس الثرى وهو مطبع ألا لعن الرحمن بطلوس قومه وألعنه مع كل قوم تجمع لقد غدر السادات من آل هاشم نجومًا وأقمارًا على الناس تطلع وصلوا عليهم وواروهم في حفرهم إلى جانب التل فإذا هم ثمانون أميرًا وثلمائة وسبعون رجلًا ختم الله لهم بالشهادة‏.

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ