268
فتوح الشام ( للواقدي )
قالوا: لأن رزق الله فينا الكبير والصغير ثم إنهم أخرجوا له جمجمتين عظيمتين فقالوا: أيها الملك هذه جمجمة رجل عادل سالم وهذه جمجمة رجل ظالم وكلاهما صار إلى هذا المصير ولم يغن عنهما الجمع والتدبير.
أما العادل فمسرور ريان وأما الظالم فنادم حيران فاز المتقي وخسر الشقي فاختر ما تراه قبل الحين أيها الملك لأنك قد ملكت النواصي ونفذ أمرك في الداني والقاصي واستخلفك الله في الأرض وأمرك بالقيام بالنفل والفرض فتذكر مرجعك ورمسك واعمل لنفسك واعلم أنه لا ينفعك جدك إذا قبضت روحك وأشتمل عليك لحدك فاترك أوامر الشيطان ودواعيه وخذ بأوامر الرحمن ونواهيه ولا يغريك النعيم فتبوء بالإثم العظيم اذكر أيها الملك ما فعل الشيطان بأبيك حين نصب له مكيدته وأدار عليه حيلته فنصب له فخ العداوة وغره فيه بحبة البر.
فقال قيس: أيها الملك أتدري من أولئك.
قال: لا.
قال: هم قوم مؤمنون قال الله عنهم في كتابه: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعملون} [الأعراف: 181]. وقد رآهم نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة عرج به فلما عاد أخبر أصحابه بهم قالوا: يا رسول الله أهم قوم مؤمنون بما أنزل عليك فأراد أن يعلمهم أن أمة محمد أفضل منهم فأنزل الله {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} [الأعراف: 811] فقال المقوقس لقيس بن سعد: يا أخا العرب ارجع إلى أصحابك وأخبرهم بما سمعت وبما رأيت وانظر فيما يستقر عندكم وبينكم.
فقال قيس: أيها الملك لا بد لنا منكم ولا ينجيكم منا إلا الإسلام أو أداء الجزية أو القتال.
فقال المقوقس: أنا أعرض ذلك عليهم واعلم أنهم لا يجيبون لأن قلوبهم قاسية من أكل الحرام.
حدثنا ابن إسحق رضي الله عنه حدثنا عبد الله بن سهل عن علي بن حاطب عن سليمان بن يحيى قال: إن الملك المقوقس كان من عادته أنه في شهر رمضان لا يخرج إلى رعيته ولا يظهر لأحد من أرباب دولته ولا أحد منهم يعلم ما كان يصنع وكانت مخاطبته لقيس بن سعد في أواخر شعبان سنة عشرين من الهجرة فخرج قيس من عنده ومضى إلى عمر بن العاص وحدثه بما كان منه.
قال ابن إسحق: وكان ولي عهد الملك ولده أسطوليس وكان جبارًا عنيدًا وأنه لما سمع ما تحدث به أبوه رأى ميله إلى الإسلام وعلم أنه لا يقاتلهم وربما أسلم وسلم إليهم ملكه صبر إلى أن دخل أبوه إلى خلوته التي اعتاد أن يدخلها ويختلي فيها كل سنة فجمع أرباب الدولة في الخفية لئلا يدري به أحد فيعلم أباه وقال لهم: اعلموا أنكم قد ملكتم هذا الملك وأن أبي يريد أن يسلمه إلى العرب لأنني فهمت من كلامه ذلك.
فقالوا: أيها الملك أنت تعلم أن هذا الأمر مرجعه إليك وأنت ولي عهده فاعمل أمرًا يعود صلاحه عليك وعلينا.
قال: فطلب صاحب شراب أبيه وأعطاه ألف دينار ووعده بكل جميل وأعطاه سمًا وقال له: ضعه في شرابه.
قال: ففعل الساقي ما أمر به وسقى الملك فمات فأتى الساقي إلى أرسطوليس وأعلمه أن أباه قد مات فذهب إليه ودفنه في الخفية وقتل الساقي وجلس على سرير الملك كأنه نائب عن أبيه إذا غاب كعادته في كل عام ولم يعلم أحد بموته هذا ما كان منه وأما عمرو بن العاص فإنه ارتحل من بلبيس ونزل على قليوب وبعث إلى أهل البلاد والقرى وطيب خواطرهم وقال لهم: لا يرحل أحد من بلده ونحن نقنع بما توصلونه إلينا من الطعام والعلوفة فأجابوا إلى ذلك وارتحل من قليوب ونزل على بحر الحصى فارتجت بنزولهم إليها ووقع التشويش فيهم وعلا الضجيج وأغلقوا الدروب والدكاكين ووقف أهل كل درب على دربهم بالسلاح ليحموا حريمهم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق