269
فتوح الشام ( للواقدي )
قال: أما عمرو بن العاص فإنه أمر أهل اليمن ومن معه من العربان أن يحدقوا بالبلد وأن أهل ثم إن عمرًا أراد أن يرسل إلى صاحب مصر رسولًا وكان عنده غلام له من أهل الرملة وكان اسمه وردان وكان يعرف سائر الألسن فقال له عمرو: يا وردان إنني أريد أن أرسلك إلى هؤلاء القبط فإنك تعرف بلسانهم ولا تظهر لهم أنك تعرفه فقال: سمعًا وطاعة فقال: أريد أن أكتب معك كتابًا وهم أن يكتب وإذا برسول أرسطوليس قد أقبل وقال: يا معاشر العرب إن ولي عهد الملك يريد منكم أن تبعثوا له رجلًا منكم ليخاطبه بما في نفسه فلعل الله أن يصلح فات بينكم.
فقال عمرو ليزيد بن أبي سفيان ولهاشم الطائي ولعبد الله بن جعفر الطيار وللنعمان بن المنذر ولسعيد بن وائل: اعلموا أني قد ضربت على ملوك الروم ولست أرى من يتكلم مثلي وما يسير إلى هؤلاء إلا أنا فإني أريد أن أرد القوم وأنظر حالهم وما هم فيه من القوة وأن لا يخفى علي شيء من أمرهم فقالوا: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوي الله عزمك وما عندنا إلا النصيحة للدين والنظر في مصالح المسلمين فافعل ما أردت تعان.
فمال لشرحبيل: قد قلدتك أمور المسلمين فكن مكاني حتى أمضي إلى القوم وآتيكم بما فيه.
فقال له شرحبيل: الله يوفقك ويسددك.
قال: فلبس عمرو ثوبًا من كرابيس الشام وتحته جنة صوف وتقلد بسيفه وركب جواده وسار ومعه غلامه وردان وسار الثلاثة إلى قصر الشمع وإذا هم بالمواكب مصطفة والعساكر واقفة وهم بالدروع والجواشن والعدد وقد أظهروا ما أمكنهم من القوة فلما وصلوا إلى قصر الملك أخبروا أرسطوليس أن رسولك أتى بواحد من العرب فأمرهم بإحضاره فدخل عمرو راكبًا وهو متقلد بسيفه فأراد الحجاب أن ينزلوه عن جواده فأبى وأن يأخذوا سيفه فأبى وقال: ما كنت بالذي أنزل عن حصاني ولا أسلم سيفي.
فإن أذن صاحبكم أن أدخل على حالتي وإلا رجعت من حيث أتيت فإننا قوم قد أعزنا الله بالإيمان ونصرنا بالإسلام فما لنا أن ننزل لأهل الشرك والطغيان وأنتم طلبتمونا ونحن لم نطلبكم فأعلموا الملك بما قاله.
فقال أرسطوليس: دعوه يدخل كيف شاء فخرجوا إليه وقالوا له: ادخل كيف أردت فدخل عمرو وهو راكب حتى وصل إلى قبة الملك ورأى السريرية والحجاب وقوفا والبطارقة وهم في زبنة عظيمة فلما رأى عمرو ذلك تبسم وقرأ {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [الشورى: 36].
قال: وقال قصر الملك قد بناه الريان بن الوليد بن أرسلاووس وهو الذي استخلف يوسف على مصر بعد العزيز.
ثم خرب وأقام خرابًا خمسمائة سنة وما بقي إلا أثره فلما بعث عيسى وانتشرت دعوته ورفعه الله إليه وافترقت منه فرقًا وادعوا فيه ما ادعوا من الإلهية وتقول الكذب ولي مصر رجاليس بن مقراطيس بنى ذلك القصر الخراب وهو في وسط قصر الشمع وإنما سمي قصر الشمع لأنه لا خلو من شمع الملوك فلما بناه أحضر الحكماء الذين كانوا قد بنوا في برية أخميم كان المقدم عليهم قربانس.
فقال لهم: إني قرأت كثيرًا من الكتب التي أنزلت على الأنبياء من الله وقرأت صحف موسى ورأيت أن الله يبعث نبيًا قوله حق ودينه صدق أخلاقه طاهرة وشريعته ظاهرة وقد بشر به المسيح فما تقولون فيه فقال قربانس حكيم: إن الذي قرأته هو الصحيح.
قال: فثم من يخالف ذلك.
قالوا: نعم.
قال الحكيم: أريد أن أصنع تمثالًا من الحكمة ونجعله بيتًا للعبادة ونجعل على هيكلها تماثيل يكون وجوهها مما يلي التمثال بأعلى قصرك.
فإذا جاء وقت مبعث هذا النبي يحول كل تمثال وجهه عن صاحبه.
وأما الذي يجعل على الكنيسة.
فإنه عند مبعث النبي العربي يقع على وجهه ويكون موضع عبادة القوم وإقامة شرعهم.
قال: فأخذوا في عمل الحكمة وأقاموا التماثيل على ما ذكرنا فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم حول كل شخص وجهه عن صاحبه وسقط الذي كان على سطح الكنيسة وهو الجامع اليوم.
وأما التمثال العالي فبقي على حاله بأعلى القصر فلما دخل عمرو بجواده سمعوا من التمثال صوتًا عظيمًا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق