267
فتوح الشام ( للواقدي )
ذكر فتح مدينة مصر
قال ابن إسحق الأموي رضي الله عنه: لما ورد المنهزمون على الملك وأخبروه بما تم عليهم وعلى ابنته.
ضاق صدره وبقي متفكرًا فيما يصنع وليس له نية في القتال مع الصحابة فبينما هو متفكر إذ جاءه البشير بقدوم ابنته وما معها فخف عنه بعض ما كان يجده فلما دخل عليه قيس رفع مجلسه فوق الملوك والحجاب وأرباب دولته وكانوا قد اجتمعوا يهنئونه بابنته فلما حضر قيس بن سعد سأله الملك عن أشياء لعل أصحابه أن تلين قلوبهم إلى الإسلام.
فقال: يا أخا العرب أخبرني عن صاحبكم ما الذي كان يركب من الخيل قال: الأشقر الأرتم المحجل في الساق وكان اسمه المترجل.
فقال: لقد بلغنا أنة كان لا يركب إلا الجمال.
فقال قيس: إن الله أكرم الإبل وشرفها قال لها: كوني فكانت وأخرج ناقة من الصخر وخص بها العرب من دون غيرهم من بني آدم وكان يركبها لكونها قد جعلها الله مباركة تقنع بما تجد وتصبر على الحمل الثقيل والسير الشديد وتصبر على الماء أيامًا وقد ذكرها ربنا في قوله في كتابه العزيز فقال: {وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27] وقال: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} [الحج: 36].
ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزواته غزوة بدر كان معه مائة ناضح من الإبل وكانمعه فرسان يركب أحدهما المقداد بن الأسود الكندي ويركب الآخر مصعب بن عمير وإنا لقينا قريشًا في عددها وعديدها فهربوا ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصحابه يتعاقبون في الطريق وكان عليه الصلاة والسلام وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب وغيرهم يتعاقبون شامخًا وكان أيها الملك يركب الحمار الذي أهديته إليه ويردف وراءه معاذ بن جبل وعلى الحمار ركاب من نيف وخطامه ليف واعلم يا ملك القبط أنه كان يخصف نعله ويرفع ثوبه ويقول: (من رغب عن سنتي فليس مني) وكان قميصه من القطن قصير الطول والكفين ليس له أزرار ولقد أهدى إليه ذو يزن جبة اشتراها له قومه بثلاثة وثلاثين بعيرًا فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة وأهدى له جبة من الشام فلبسها حتى تخرقت وخفين فلبسهما حتى تخرقا وكان له رداء طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعات ونصف وكان له ثوب خز يلبسه للوفد إذا قدموا عليه وكان أفصح الناس إذا تكلم بكلمة يرددها ثلاثًا وكلما رأى قومًا سلم عليهم ورأيته كلما تحدث تبسم في حديثه وكان إذا اجتمع إليه أصحابه وأراد أن ينهض.
قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك قلنا: يا رسول الله إن هذه الكلمات اتخذتهن عادة.
قال: أمرني بهن جبريل وأخرجت لنا زوجته لما قبض كساء وإزارًا غليظين وقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق هذين.
فقال المقوقس: هذه والله أخلاق الأنبياء فطوبى لمن اتبعه فإن أمته هي الأمة الموصوفة في الإنجيل فقال بعض من حضر: أيها الملك ما تكون أمة عند الله أفضل من هذه الأمة وهم نحن فغضب الملك من قوله وقال: وبأي شيء أنتم أفضل عند الله أبأكلكم الحرام وارتكابكم الآثام وصنعكم المنكرات وتجنبكم الحسنات وظلمكم في الرعية وميلكم إلى الدنيا أين أنتم من قوم عبر عليهم الإسكندر فرآهم ليس بينهم قاض ولا حاكم ولا أمير قائم عليه ولا فيهم من يختص بالغنى دون أخيه بل هم سواء في كل ما هم فيه أكلهم وشربهم واحد غير متناف ولا متضاد وملبسهم غير متناف ولا متباعد فتعجب الإسكندر منهم وسأل الأكابر منهم عما رآه من أحوالهم.
فقالوا: أيها الملك إنا وجدنا جمجمة وعليها مكتوب: يا ابن آدم ما خلقت إلا من التراب وقد خلوت بما قدمت إما صالحًا فيسرك وإما طالحًا فيضرك فتندم حيث لا ينفعك الندم ولم يكن لك إلى الدنيا مرجع فطوبى للكيس العاقل الذي ليس ببليد ولا غافل يتزود إلى ما إليه يصير ولا يلقي الاتكال على التقصير فبادر إلى الخير قبل الموت واغتنم حياتك قبل الفوت وكأنك بالحي وقد هلك وترك كل ما ملك فلما قرأنا هذا اعتبرنا أيها الملك بهذه الموعظة البالغة ولبسنا أثوابها السابغة فقال: ما بال مساجدكم شاسعة نائية وقبوركم دانية فقالوا: أما مساجدنا فبعيدة ليكثر الأجر بكثرة الخطا وقبورنا قريبة لنذكر الموت فننتهي عن الخطأ فقال: ما لي أرى أبوابكم بغير غلاق.
قالوا: لأننا ما فينا خائن ولا سارق.
فقال: ما لي لا أرى فيكم أميرًا ولا حاكمًا.
فقالوا: لأننا ما فينا معتد ولا ظالم.
فقال: ما لي لا أرى فيكم معسرًا ولا فقيرًا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق