261
فتوح الشام ( للواقدي )
قال: فوقفت بعدما كنت جالسًا وقلت: إن صاحبي وسيم قسيم معتدل القامة بعيد الهامة بين كتفيه شامة وله علامة كالقمر إذا برز صاحب خشوع وديانة وعفة وصيانة صادق اللهجة ووضح البهجة أشم العرنين واضح الجبين سهل الخدين رقيق الشفتين براق الثنايا بعينيه دعج وبحاجبيه زجج وصدره يترجرج وبطنه كطي الثوب المدبج له لسان فصيح ونسب صحيح وخلق مليح قال: والملك ينظر في النمط فلما فرغت قال: صدقت يا عربي هكذا صفته فبينما هو يخاطبني إذ نصبت الموائد وأحضروا الطعام فأمرني أن أتقدم فامتنعت فتبسم وقال: وقد علمت ما أحل لكم وحرم عليكم ولم أقدم لك إلا لحم الطير.
فقلت: إني لا آكل في هذه الصحاف الذهب والفضة فإن الله قد وعدنا بها في الجنة قال: فبدلوا طعامي في صحاف فخار فأكلت.
فقال: أي طعام أحب إلى صاحبك.
فقلت: الدباء يعني القرع فإذا كان عندنا شيء منه آثرناه على غيره.
فقال: ففي أي شيء يشرب الماء فقلت: في قعب من خشب.
قال: أيحب الهدية قلت: نعم فإنه قال صلى الله عليه وسلم: (لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت). قال: أيأكل الصدقة.
قلت: لا بل يقبل الهدية ويأبى الصدقة وقد رأيته إذا أتي بهدية لا يأكل منها حتى يأكل صاحبها.
فقال الملك: أيكتحل.
قلت: نعم في عينه اليمنى ثلاثًا وفي اليسرى اثنتين وقال: (من شاء اكتحل أكثر من ذلك أو أقل) وكحله الإثمد وينظر في المرآة ويرجل شعره ويستاك.
فقال المقوقس: إذا ركب ما الذي يحمل على رأسه فقلت: راية سوداء ولواء أبيض وعلى اللواء مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله.
فقال: أله كرسي يجلس عليه أو قبة.
قلت: نعم له قبة حمراء تسع نحو الأربعين.
قال: فما الذي يحب من الخيل.
قلت: الأشقر الأرتم الأغر المحجل في الساق وقد تركت عنده فرسًا يقال لها المرعد.
قال: فلما سمع كلامي انتخب من خيله فرسًا من أفخر خيول مصر الموصوفة وأمر به فأسرج وألجم فأعده هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فرسه المأمون وأرسل معه حمارًا يقال له عفير وبغلة يقال لها دلدل وجارية اسمها بريرة وكانت سوداء وجارية بيضاء من أجمل بنات القبط اسمها مارية وغلام اسمه محبوب وطيب وعود وند ومسك وعمائم وقباطي وأمر وزيره أن يكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا يقول فيه: باسمك اللهم من المقوقس إلى محمد.
أما بعد: فقد وصل إلي كتابك وفهمته وأنت تقول: إن الله أرسلك رسولًا وفضلك تفضيلًا وأنزل عليك قرآنًا مبينًا فكشفنا يا محمد خبرك فوجدناك أقرب داع إلى الله وأصدق من تكلم بالصدق ولولا أنني ملكت ملكًا عظيمًا لكنت أول من آمن بك لعلمي أنك خاتم النبيين وإمام المرسلين والسلام عليك ورحمة الله وبركاته مني إلى يوم الدين.
قال: وسلم الكتاب والهدية إلي وقتلني بين عيني وقال: بالله عليك قبل بين عيني محمد عني هكذا ثم بعث معي من يوصلني إلى بلاد العرب وإلى مأمني.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق