257
فتوح الشام ( للواقدي )
أما والله لقد دخلت يومًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على سرير مرمل بشريط وليس بين جلده وبين الشريط شيء وقد أثر الشريط في نعومة جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيت ذلك بكيت.
فقال لي: يا عمر ما الذي أبكاك.
فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر يعيشان في ملك الدنيا وأنت رسول الله بهذه المثابة.
فقال: يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة.
قال عرفجة: فسلمت إليه الكتاب فلما قرأه تهللت أسارير وجهه.
قال عرفجة: ثم نزلت على خالتي عفراء بنت أبي أيوب الأنصاري وبت عندها ليلتي فلما أصبحت لم أقدر أن أقابل عمر بذلك الزي فأعطيت الثوب والعمامة لخالتي فباعتهما وتصدقت بثمنهما على فقراء المدينة قال: وسرت إلى عمر وعلي وثوب من كرابيس الشام كان تحت ثيابي فلما رآني تبسم في وجهي وقال: يا ابن مازن ما فعلت بديباجتك.
قلت: يا أمير المؤمنين باعتها خالتي وتصدقت بثمنها على المسلمين فقرأ عمر {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} [البقرة: 197]. ثم إنه كتب إلى أبي عبيدة يقول: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح أما بعد: فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وقد فرحت بما فتح الله على المسلمين وما وعدنا به رسول الله من كنوز قيصر وسيفتح علينا من كنوز كسرى والحمد لله على ذلك كثيرًا وقد بلغني أن بادية الأعراب قد استلذوا الدنيا وزينتها وقد نصبت لهم شباك محبتها وقد تمسكوا بذيل غرورها ونسوا نعيم الجنة وقصورها ورفلوا في ثياب الديباج والخز وأكلوا الحلواء وخبز الحنطة ولهاهم ذلك عن الآخرة وقد بلغني يا ابن الجراح أنهم قد تهاونوا بالصلاة ونسوا المفترضات فجرد عليهم عتاق الخيل ذوات الهمم وأغلظ عليهم ولا تكن لهم خاملًا فيطمعوا فيك ومن أخل منهم بشيء مما فرض عليهم فأقم فيهم حدود الله واعلم بأنك راع ومسؤول عن رعيته.
قال الله عر وجل: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} [الحج: 41]. وقد قال فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبو عبيدة أمين هذه الأمة). فأعط الأمانة حقها ومن ترك صلاته فاضربه عليها ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه.
فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه اشتغالًا بالصلاة وبعظمة الله وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل يقول: إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زارني فيها عمارها بالعبادة فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني فحق على المزور أن يكرم زائره). وقال صلى الله عليه وسلم: (جميع المفترضات افترضها الله علي في الأرض إلا الصلاة فإن الله افترضها علي في السماء). وإذا قرأت بكتابي هذا فأمر عمرو بن العاص أن يتوجه إلى مصر بعسكره ويقدمهم عامر بن ربيعة العامري ومشايخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضي بهم عند مشورته وأنفذ من قدرت عليه من الأرض ربيعة وديار الجد بن صالح والله أسأل أن يكون لكم عونًا ومعينًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وسلم الكتاب إلى عجرفة بن مازن وأمر له بنفقة من بيت المال.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق