247
فتوح الشام ( للواقدي )
قال: فخضعت جوارح القوم حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجلت قلوبهم ودخلت الهيبة في قلب فلسطين حين سمع كلام عمرو.
فقال: صدقت في قولك كذلك الأنبياء تبعث من خير بيوت قومها على لسان ربها ثم قال له: يا عمرو وهل في أصحابك رجل بين كلامه سريع الجواب إذا سئل.
فقال له: اعلم أني والله أحب أن أمضي وآتيك بهم لتقف على صحة قولي ثم وثب وسار إلى عسكره وركب وأتى جيشه فحمدوا الله المسلمون على سلامته وباتوا يتحادثون فلما صلى عمرو بالناس صلاة الفجر أمرهم بالركوب إلى قتال عدوهم.
قال: فأسرعوا إلى ذلك واستووا على متون خيولهم واصطفوا للحرب والقتال.
قال الواقدي: حدثنا عروة بن زبد عن موسى مولى الحضرميين عن موسى بن عمران وابن الصباح لما كان يوم الحرب صف فلسطين جيشه ثلاثة صفوف وقدم المشاة وعدل الميمنة والميسرة ورفع الصليب أمامه وتقدم أمام الجيش فنظر عمرو إلى فلسطين وقد رتب عساكره وعزم على الحرب فهيأ المسلمين وصفهم صفًا واحدًا وجعل في الميمنة الحماة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم شرحبيل بن حسنة كاتب الوحي وصابوب بن جباية الليثي عن شماله وكان أحد فرسان المسلمين فبينما الناس كذلك إذ خرج فارس من الروم وعليه ديباج ودرع وجوشن وفي عنقه صليب من الذهب فحمل حتى خطى برمحه من الميمنة إلى الميسرة ومن الميسرة إلى الميمنة ثم إلى القلب ثم وقف بإزاء جيش المسلمين وركز رمحه بازائه وأخذ القوس بيده وفوق سهمها ورمى رجلًا من الميمنة فأثبت السهم فيه فجرحه ورمى آخر من الميسرة فقتله فنظر إليه عمرو وما قد صنع فصاح بالمسلمين: ألا ترون هذا العلج اللعين وما يصنع بقوسه.
فمن يكفينا أمره ويزيل عن المسلمين شره فخرج إليه رجل من ثقيف وعليه بردة دنسة وبيده قوس عربية قد فوق سهمها وخرج إلى العلج يريده فنظر إليه العلج وليس عليه شيء من الحديد يستره إلا فروة دنسة وما معه من السلاح غير القوس فازدرى به وبلبسه وأطلق سهمًا من كبد قوسه فوقع سهمه في صدره فاشتبك في الفروة ووقع غير مصيب وكان اللعين أرمى أهل زمانه.
ما رمى قط شيئًا إلا نفذ فيه فغضب لذلك وهم أن يرميه بسهم ثاني فامتعط الثقفي نبلة ورمى بها نحوه فلم يرها لصغرها وخفاء موقعها فاشتبكت النبلة في حلق العلج فخرجت من قفاه فما تمالك العلج إلا أن وقع صريعًا فأسرع الثقفي إلى جواده فأخذه واستوى على متنه ونزع بيضة المشرك عن رأسه وجعل يسحبه نحو جيش المسلمين فاستقبله ابن عم له وكلمه فلم يجبه من فرحه بما صنع.
ثم أقبل إلى عمرو فأعطاه إياه فنظرت الروم إلى فعل الثقفي فغاظهم ذلك وجعلوا يشيرون إلى السماء فعلمنا أنهم يقولون إن الملائكة تنصرنا قال: ونظر فلسطين إلى ذلك فعظم عليه وقال لبعض البطارقة: اخرج إلى هؤلاء العرب وحام عن دينك فخرج البطريق وعليه ديباجة خضراء ودرع حصين ومن تحت الدرع جوشن منيع وفي عنقه صليب من الذهب الأحمر ومعه غلام من ورائه يجنب جنيبة وعليه سيفه ودرقته فخرج حتى وقف بين الصفين فجعل يسأل القتال فلما نظر المسلمون إليه أقبلوا إليه ينظرون ولا يخرج إليه أحد.
فقال عمرو: معاشر العرب من يخرج إليه ويهب نفسه لله عز وجل فخرج إليه رجل من العرب وهو يقول: أنا أكون ذلك فقال عمرو: بارك الله فيما تريد وحمل صاحب المسلمين عندما خرج مصممًا واستقبله البطريق وجعلا يتجاولان ساعة وهما يتعانقان بالسيوف إلى أن خرجت لهما ضربتان فسبقه البطريق بالضربة فأخذها الرجل بالدرقة فقدها نصفين وكانت جلد بعير بطانة واحدة فلم يصل إليه من الضربة شيء وجعل الرجل ضربة في أثرها فقطعت البيضة وسلكها فتقهقر البطريق إلى ورائه ولم يصل إليه أذى فلما رجعت إليه روحه حمل على المسلم وضربه فجرحه جرحًا فاحشا فألوى إلى أصحاب فصاح به رجل من العرب: من وهب نفسه لا يرجع من بين يدي عدوه.
فقال الرجل: أكل كفاك هذه الضربة حتى توبخني إن الله ليلومني بأن ألقي بيدي إلى التهلكة ثم شد جراحه وعظم عليه ما قال ابن عمه فلما خرج قال له ابن عمه الذي خاطبه: ارجع فخذ هذه البيضة واجعلها على رأسك.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق