إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 7 يوليو 2014

235 فتوح الشام ( للواقدي )


235

فتوح الشام ( للواقدي )


ولقد قال قسيس حكيم بلاد الذكر المشهور بحكمته وهو الذي وضع المنار الأعظم في يوم كبير كان بين بلاد الجرامقة وبلاد الأنجار وهي مسيرة اثني عشر يومًا ولا يصل إلى أرضها إلا بعد عناء كبير فاحتفر لها بئرًا ووضع في وسطها عمودًا على رأس حجر يدور من صنعة حكمتها يسمع له من حدة النداء من حوله ويرشح له بقدر ما يملأ ذلك الجرن العظيم فإنه قال‏:‏ لا تسع بقدمك إلى من يراك دونه فتصغر عنده واجعل عز نفسك في مقابلة كبرياء عجبه فإن عزة النفوس تقابل جاه الملوك ولا تصنع صنيعك لغير مستحقه لأنها تجلب عليك لسوء من قبل ذلك فإن ذلك الإحسان لا يزكو إلا عند ذوي الأصول فإنه يندمج عند السفهاء والأرذال لا تصنع إليهم النصيحة فإنك أنت تطلب منفعته وهو يريد هوى نفسه بأذيتك وقد جننا من مائة فرسخ وأكثر إلى خدمة رجل يرى أننا قد قصدنا داره وتاج عزه وأننا نحن من جملة خدمه وأن نور العقل المجوهر للحس يمنعني من اتباع الجهل المظلم للحواس وأن نفسي تأبى ذلك والعز محل جليل ومقام نبيل والذل وبيل وصاحبه قليل وقد عولت أن أسير إلى هؤلاء العرب واختبر ملتهم فإنها هي الملة الواضحة بالحق المؤيدة بالصدق ومن كان عليها أمن في معاده من الهول الأكبر فما أنتم قائلون‏.‏

قالوا‏:‏ أيها الملك وكيف تطيب نفسك بترك دينك وملكك وعزك وتتبع هؤلاء وهم لا فضل لهم ولا عندهم حكمة‏.‏

فقال فلنطانوس‏:‏ أما الحكمة البالغة فعندهم مقرها وفي نفوسهم موطنها‏.‏

لأن نور توحيدهم صفى أذهانهم ونور إيمانهم ببركة صاحبهم المسمى في علوم الغيوب لأن مغناطيس حكمته الربانية جذب جوهر عقولهم إلى متابعته والاقتداء بشريعته ومن أراد أن يلقى عالم عليين فلا يقعد على صفحة أرض الجهل‏:‏ أما علمتم أن النور أنور من الظلمة والموت نهار الحياة‏:‏ قال‏:‏ فلما سمعوا قوله قالوا‏:‏ أيها الملك نحن ما نمنعك من عز دائم يخرجنا من الذل ومهابة الغلبة فإذا كنت تطلب بنا طريقًا يؤدي إلى البقاء ويذهب بالشقاء فالحق اتباع الحق ونفي الباطل فنحن لك وبين يديك‏.‏

قال‏:‏ فخذوا على أنفسكم فإذا كانت ليلة غد ركبنا كأنا نطوف حول البيت نحرسه ونطلب جيش العرب‏.‏

قال‏:‏ ففعلوا ذلك وأخذ فلنطانوس في أمره‏.‏

قال ابن وهب وابن صالح عن أبي موسى الأشعري‏.‏

قال‏:‏ لما عزم أن يسير إلى جيش المسلمين أتى إليه يوقنا برسالة الملك هرقل فلما أدى الرسالة وهم بالقيام قال له فلنطانوس من أنت من الحجاب‏.‏

قال‏:‏ أنا يوقنا صاحب حلب‏.‏

قال‏:‏ وكيف تركت بلدك‏.‏

قال‏:‏ استولت عليها العرب وحدثه بحديثه‏.‏

فقال فلنطانوس‏:‏ وما الذي ظهر لك من هؤلاء العرب‏.‏

قال‏:‏ أيها الملك إني دخلت في دينهم واطلعت على أمرهم وكشفت سرهم فرأيت القوم لا يستمعون إلى الباطل ولا يحيدون عن الحق ولا ينامون الليل من كثرة اجتهادهم ولا يتكلمون بغير ذكر ربهم ينصفون المظلوم من الظالم ويواسي غنيهم فقيرهم الأمراء منهم في زي المساكين والعزيز والذليل عندهم سواء‏.‏

فقال له فلنطانوس‏:‏ فإذا وقفت على سرهم ورأيت فضلهم فما منعك أن تقيم عندهم وبينهم‏.‏

فقال يوقنا‏:‏ منعني من ذلك صحة ديني وصحبة قومي لأني لم أر فراقهم‏.‏

قال فلنطانوس‏:‏ إن النفوس الزكية الباقية إذا رأت الحق جذبها جاذب اليقين إلى حضرة طلب الإخلاص من المعيشة الذميمة إلى أن ترقى إلى أعلى عليين‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق