إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 7 يوليو 2014

227 فتوح الشام ( للواقدي )



227


فتوح الشام ( للواقدي )


فقال البترك‏:‏ صدق أيها الملك ليس هو من جنسنا ولا له علم ولا خبرة فعلام تسأله إنما هو بدوي يعلم بسكنى القفار وصحبة الأشرار والحكمة من بلادنا ظهرت وفي حكمائنا اشتهرت لأنها نبعت من اليونانيين ووعاها جدودنا السريانيون من أين للعرب حكمة يتوارثونها وعلوم يتدارسونها والفضائل كلها من علمائنا والعدل في ملوكنا الإسكندر وبطليموس وموريق ويوسطنيوس وأرمويل وأنطاميس وأرجاس وجرجس واسطوس واسطانيس وسارغورس النوصيدي وهو الذي بنى أنطاكية وسفليوس واريسا وكان نبيًا ملكًا ويلينوس وهو الذي بنى الرها ومنبج واسطبس وكان كاهنًا وهو الذي أخبر ملك زمانه أنه قد ولد مولود يخاطب الرب ويكون له شأن ونبأ عظيم يهلك على يديه أفلاطون وهو فرعون ومنا فلسطين الحكيم ومنا فجر العلوم ومنا منتهو وهو الذي بنى رومية الكبرى وباسمه ومنسطاليوس وهو الذي وضع الكتاب الأول الذي فيه حوزة الأرض بجبالها وبحارها وبنائها وصوانها ووصف أمة كل إقليم بألوانها وخواصها ووصف ما في كل إقليم من معدن ذهب أو فضة أو جوهر وأحصى عيون الأرض جميعها بأسمائها وجبالها وأوديتها وشعابها وغدرانها وعجائبها ومنا ايودروس القلنسب الرومي وهو الذي يقول‏:‏ لا حشرني الله مع الذين يقال لهم في الميعاد أدبروا مع إبليس وجنوده إلى النار ألم تطهر نفسك أيها المسكين الناظر في كتابي القاري الآبي من أدناس الدنيا وشهواتها المظلمة للنفوس المعوقة للحس الروحاني النوراني أن ترقى إلى عالم عليين فانظر في الحكمة فإنها سلم العالم الروحاني فمن عدمها فقد عدم القرب إلى بارئه ومصوره ومنشئه‏.‏

قال الواقدي‏:‏ إنما تكلم البترك‏.‏

بهذا الكلام بين يدي هرقل وهو يظن أنه يطعن في العرب ليسمع جبلة بن الأيهم حكمته وكان جبلة وولده حاضرين وكان بين البترك وبينه عداوة سببها أن البترك كان بنى له ديرًا عظيمًا وجعل له عيداُ في السنة تقصده الروم من كل مكان بالنذور والأموال والستور والشموع وإن ذلك كله برسم البترك قال فأعطى الملك لجبلة تلك الأرض التي فيها الدير فتغلب جبلة على الدير وبنى حوله مدينة وسماها باسمه وهي جبلة هذه‏.‏

حدثنا سليمان بن عامر عن منصور الجوني‏.‏

قال حجاج بن جريج أخبرني يحيى بن عمارة بن أبي الحسن‏.‏

قال‏:‏ لما سمع رفاعة بن مهير كلام البترك تبسم من قوله وقال‏:‏ أيها البترك لقد مدحت أقوامًا ليس لهم إلى الفضل سبيل ولا فيهم فاضل ولا نبيل ولا من وحد الملك الجليل الذي ليس له مثيل ولا عديل وما الفضل إلا لولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل الذي لهم البيت الحرام وزمزم والمقام والمشعر الحرام ومنهم التبابعة والأقيال والحماة والأشبار الذين ملكوا الأرض في الطول والعرض ومنهم الملك الصعب الإسكندر الذي ملك قرني الأرض ودخل الظلمات ودخل في طاعته أهل الأرض وبلغ مطلع الشمس ومغربها وأذل ملوكها وجعل له منهم جندًا وأعوانًا وسماه الله ذا القرنين ومنهم سبأ بن يعرب بن قحطان وشداد ين عاد وشديد بن عاد وعمرو ذو الأذقان وهو ابن سكسك والهدهد بن عاد ولقمان بن عاد وشعبان بن أكسير بن تنوخ وعباد بن رقيم وهاديل بن عتبان وكان يتكلم بالحكمة ومناجاة موسى بن جلهمة بن سياسة بن عجلان بن ياقد بن رخ وثمود بن كنعان ومنا سبأ بن يشجب وهو أول متوج منا ثم ولي بعده حمير ثم منا نبع وهو متوج ومنا وائل بن حمير متوج ومنا عاد بن حمير متوج ومنا نبي الله حنظلة بن صفوان من أهل الرس ومنا نفيل بن عبد المدان بن خشدم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود عليه السلام عاش خمسمائة سنة وهو الذي بنى المصانع واستخرج الكنوز وقاد الجيوش وورثه الله علم نبته حنظلة بن صفوان وقد ختم الله شرفنا ورفع قدرنا إذ جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم منا فنحن السادة وأنتم العبيد‏.‏

حدثنا سفيان عن عبد ربه‏.‏

قال‏:‏ أخبرها رحيم قال‏:‏ حدثنا الوليد بن زيادة عن حزام بن حكيم قال‏:‏ بلغني أن هذا الرجل يعني رفاعة بن زهير بن زياد بن عبيد بن سرية الجرهمي كان عالمًا بأنساب العرب وأخبارهم وملوكهم وكان طالع كتب هود وصالح وحنظلة عليهم السلام فلما تكلم بحضرة الملك هرقل بهذا الكلام أراد البترك أن يعجزه بسؤال يلقيه عليه فقال‏:‏ يا ذا الهمم العلية والقرائح الذكية بم تصل القلوب إلى نسيم العقل الروحاني وترقى إلى ملكوت اللاهوت والطيور الخفية الغائبة عن الأبصار بالأقطار وترقى في رياضات الألباب المصفاة من الأدناس والأفكار النورانية بصفو أكدار الأخلاق المحيطة بالأفكار من الهياكل الجسمانية‏.‏

فعند الصفو من مفارقة الكدر تعيش الأرواح عيشة الأبد الذي لا يصل إليه انحلال ولا اضمحلال فحينئذ يختلط العنصر بالعنصر ويطفو الصفو بالصفو ويرسب الكدر إلى الكدر فقال رفاعة بن زهير‏:‏ ما أصبت أيها البترك في مقالتك فقال‏:‏ ولم قال رفاعة‏:‏ كيف تدل القلوب إلى علام الغيوب وقد حجب عنها صواب المصيب أم كيف يتخلص الصفو من الكدر بغى تهذيب من الكفر وكيف تحلى الأفكار من غوامض الأسرار وهي في حجب الاغترار إذا تناهت الأهوال إلى مفازاتها وقربت الهمم من مواضعها وعادت الفكر إلى عناصرها وعادت متحركات الفكر إلى مساكنها وغاليات الأذهان إلى أماكنها فانحازت الأشكال عن الأشكال بلطف تأثير الهوى فيها وانكبت مشرفة عن هياكلها من أقطار عناصرها‏.‏

قال أيها البترك هذا كلام العرب الذي زعمت أن الحكمة ليست من أخلاقهم ولا تباع في أسواقهم ولقد كان ملك من ملوك اليمن اسمه سيف بن ذي يزن الذي بشر بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يتكلم بغوامض العلوم الحكمية ووشح بوشاح شكر النعمة ومن جملة ما قال فصيح من فصحائنا اسمه قس بن ساعدة هذه الأبيات‏:‏ ألا إننا من معشر سبقت لهم أياد من الحسنى فعوفوا من الجهل ولم ينظروا يومًا إلى ذات محرم ولا عرفوا إلا التقية في الفعل وفينا من التوحيد والفعل شاهد عرفناه والتوحيد يعرف بالعقل نعاين ما فوق السماء جميعها معاينة الأشخاص بالجوهر المجلي ونعلم ما كنا ومن أين بدؤنا وما نحن بالتصوير في عالم الشكل وإنا وإن كنا على مركز الثرى فأرواحنا في عالم النور تستجلي وما صعدت كي تستريح وإنما حقيقة ممثول وجلت عن المثل قال الواقدي‏:‏ قال أبو سعيد‏:‏ حدثنا شيبة بن أبي عبد الله بن عيسى عن لقية بن هند عن عبد الله بن ربيعة قال‏:‏ قلت لرفاعة بن زهير لما خلص من قبضة الروم يا عم كيف كان البترك يفهم ما تقول وتفهم ما يقول فقال‏:‏ يا بني ما رأيت أفصح من اللعين بلسان العربية ولقد سألت عن ذلك من عبد الله يوقنا فقال‏:‏ أما علمت أن ملوك الروم والبطارقة لا يستقيم ملكهم إلا أن قال الواقدي‏:‏ وكان لرفاعة بن زهير الجرهمي ولد جاهل‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق