226
فتوح الشام ( للواقدي )
قال المؤلف: حدثني جابر بن عمران الدوسي ونحن في أرض يقال لها البلاط إذ جاء معن بن أوس من آل مخزوم ولقد تركه أبو عبيدة في المقدمة فجاء برجل من الروم فقال لأبي عبيدة: خذ هذا إليك فهو يزعم أنه رسول فاستخبره أبو عبيدة في السر.
فقال: أنا رسول إليك بكتاب.
فقال: ممن.
قال: من يوقنا ومن أسير لكم بأنطاكية يقال له ضرار بن الأزور فأخذ أبو عبيدة الكتاب وقرأه على من يعز عليه فبكوا من أبيات ضرار وبلغ الخبر أخته فأتت إلى أبي عبيدة وقالت: يا أمين الأمة اسمعني أبيات أخي فقرأ البعض عليها ولم يتمها فاسترجعت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فوالله لآخذن بثأره إن شاء الله تعالى وحفظ الناس أبيات ضرار وتداولوها بينهم فكان أشد الناس عليه حزنًا خالد بن الوليد.
قال الواقدي: حدثنا عبد الملك بن محمد عن أبيه حسان بن كعب عن عبد الواحد بن عون عن موسى بن عمران اليشكري عن عامر بن يحيى عن أسد بن مسلم عن دارم بن عياش أن أهل حازم فتحوا قلاعًا كثيرة وحصونًا منها الراوندات وما سواها من قورص وباسوطا ولم يزل أبو عبيدة سائرًا بالمسلمين إلى أن نزل على جسر الحديد وبلغ الخبر هرقل فتمكن الخوف من قلبه وأمر بطارقته بالتأهب للقتال ونصب سرادقاته مما يلي جسر الحديد وضربت الملوك خيالها وفتح الملك هرقل خزائن السلاح وفرقها على رجاله وأبطاله وخلع على يوقنا وقال له: أيها الدمستق قد وليتك على جيشي هذا كله فكن أنت مدبره وسلم إليه صليبًا كان في بيعة القيسان لا يخرجونه إلا في الأيام العظام عندهم وقال له: أيها الدمستق قدم هذا الصليب بين يديك واعتمد على نصرته فهو ينصرك فأخذه وسلمه إلى ولده وأمره أن يحمله بين يديه فعندها ركب الملك هرقل إلى كنيسة القيسان ومعه الملوك والحجاب حتى يصلي صلاة النصر فلما وصلوا وصلى الملك جلس وأمر بإحضار المائتين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقربهم قربانًا فقبل يوقنا يده وقال له: يا عظيم الروم ما ولاك الله على البلاد والعباد إلا وقد علم أن عقلك يسع ذلك وقد قال ديسقور الحكيم: إن العقل مرقى جليل وصاحبه نبيل لأنه عز الإنسان ومصباح الأنام واعلم أيها الملك أن العرب قد قصدتنا بعددها وعديدها وقد نزلوا على جسر الحديد ولا بد لنا من القتال والمصاف معهم ولا ندري على من تكون الدائرة فإن قتلت هؤلاء الأسرى ووقع أحد منا بأيديهم فإنهم لا يبقون عليه والصواب تركهم إلى أن نرى ما يؤول من أمرنا فإن أسروا من أصحابنا أحدًا أو من أعياننا نفاديه فقال أرباب الدولة: صدق الدمستق في قوله قال البترك أيها الملك أحضرهم إلى هذه الكنيسة فإنها أحسن كنائس بلدنا وأمر النساء والبنات يتزين ويحضرن هنا فإذا هم نظروا إلى نسائنا وحسنهن وجمالهن وطيب رائحتهن مالت أنفسهم إليهن فيرجعون إلى ديننا فيكون ذلك وهنا على المسلمين.
قال: فأمر بذلك فلما حضروا رفعت القسوس أصواتهم بقراءة الإنجيل فرفع المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير وقالوا: كذب الجاحدون وضلوا ضلالًا بعيدًا ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله وكان في الأسرى رجل من اليمن من فضلائهم وعلمائهم ممن علم علم الحميريين وقرأ الكتب السالفة وكان اسمه رفاعة بن زهير يقول الشعر وينظم الكلام وأنه لما نظر الكنيسة ملآنة بأهل الكفر ورآهم يعظمون الصلبان ويسجدون للصور قال: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله كذب العادلون عن الله أصحاب الشيطان ولا إله إلا الله الواحد الرحمن الذي ليس له أب محسوب وأنه فرد صمد لا إلى شيء منسوب ليس له ضد ولا ند ولا حد أوجد الموجودات وصور المخلوقات وخلق الكائنات ودبر الأرض والسموات أول لا افتتاح لوجوده وآخر لا عدم لشهوده لا يموت ولا يفنى ولا يزول ولا يبلى لا شريك له ولا وزير له ولا صاحب له ولا مشير له ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال فاضطربت الكنيسة لقوله ومالت القسوس بعكاكيزها إليه فأشارت الحجاب إليهم أن لا يكلموه ويتركوه فتفرقوا عنه.
فقال له الملك هرقل: ما اسمك يا أخا العرب.
قال: أيها الملك وما تريد من اسمي ولست من جنسكم فتستخبروني.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق