221
فتوح الشام ( للواقدي )
ثم إن أبا عبيدة دعا بضرار بن الأزور وضم إليه مائتي فارس وأمره أن يشن الغارة فركب ضرار وكان معهم سفينة مولى رسول الله عين ولم يزل ضرار سائرًا هو ومن معه ومعهم رجال من المعاهدين يدلونهم على الطرق حتى وصلوا إلى مرج دابق وكان وقت السحر فقال لهم المعاهد: ارفقوا على خيولكم فنزلوا وأراحوها بقية يومهم وليلتهم حتى إذا كان وقت السحر فما شعروا إلا وجبلة كبسهم فلما وقع الصياح ركب ضرار وركب معه نحو مائة فارس وأما المائة الأخرى فقد دهمتهم خيول المتنصرة فلم يتمكنوا من الركوب فقاتلوا رجالًا فنفرت خيولهم ووصل إليهم عدوهم حتى إنه قتل كل واحد خصمه وتكاثرت عليهم الخيل فأسروا المائة وأما ضرار فإنه صاح بالمائة الثانية وقال: يا فتيان العرب إن أعداءكم قد هاجموكم على حين غفلة منكم وهم عرب مثلكم وهذه أفضل الساعات عند الله فقووا عزمكم ولا تفشلوا فأنتم تعلمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجنة تحت ظلال السيوف) وقد قال الله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249].
قال ميسرة بن عامر: وكان من جملة من حضر معنا في مرج دابق ربيعة بن معمر بن أبي عوف وهو ابن عمر بن ربيعة الشاعر وكان ربيعة من فصحاء العرب لا يتكلم إلا بالسجع كلامه ينظم بحسن مقاله وكنا نصغي إليه إذا سجع ونحفظ منه فلما سمع ضرارًا وهو يحرضنا.
قال: يا فتيان العرب لن تنالوا الجنة إلا بالصبر على المكاره ووالله لن يدخلها من هو للجهاد كاره: ولله في عرض السموات جنة ولكنها محفوفة بالمكاره وأعلى الدرجات درجة الشهادة فارضوا عالم الغيب والشهادة فهذا الجهاد قد قام على ساقه وكسد النفاق في أسواقه واختفى بنفاقه في أنفاقه أما أنتم أصحاب نبي العصر ولم يئستم من الثبات والنصر.
بشروا روح المصطفى بثباتكم وقووا العزم بصفاء نياتكم وإياكم أن تولوا الأدبار فتستوجبوا غضب الجبار واعلموا أن النصر والثبات جندان منصوران فمن طلب دار البقا هان عليه الملتقى فصححوا طلبتكم تنالوا رحمة ربكم وحققوا حملتكم تنالوا بغيتكم واطعنوا النحور تنالوا الحور وتسكنوا القصور وقوموا الأسنة تنالوا الجنة واعتمدوا على الصبر تنالوا النصر وإياكم أن توافقوا الكفار في حالهم واعدلوا عن طريق قولهم.
قال العالم بحالهم وفعلهم {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} [النور: 55].
قال سمرة بن غانم: والله لقد دهشت أنفسنا بقوله وحملنا على المتنصرة وضرار ينشد: ألا فاحملوا نحو اللئام الكواذب لترووا سيوفًا من دماء الكتائب وردوا عن الدين المعظم في الورى وارضوا إله العرش رب المواهب فمن كان منكم يبتغي عتق ربه من النار في يوم الجزا والمآرب فيحمل هذا اليوم حملة ضيغم ويرضي رسولًا في الورى غير كاذب قال الواقدي: ثم حمل ضرار ونحن من ورائه وبذلنا نفوسنا وروينا سيوفنا ورماحنا من المتنصرة وجرى الحرب بما لا يوصف وضرار فيهم كأنه النار في الحطب اليابس وجبلة بن الأيهم يتعجب من حملاته وضرباته فأمر قومه أن يقصدوا جواده بسهامهم ففعلوا ذلك فانصرع الجواد ووقع ضرار فتكاثروا عليه وأخذوه أسيرًا وأخذوا بقية أصحابه وساروا يريدون أنطاكية فالتقوا بيوقنا وابنة الملك كما ذكرنا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق