192
فتوح الشام ( للواقدي )
فأما الذي قاتلهم فخسر فهل لكم أن تسيروا إلى أمير المؤمنين ونساله الصلح ونصالح عن مدينتنا وندفع إليه ما أحب من أموالنا فإن ظفر المسلمون بالبطريق يوقنا نكن نحن آمنين غير وجلين منهم ونقر عينا من بأسهم وإن صالح يوقنا القوم نكن نحن قد سبقناه إلى الصلح وإن غلب ورجع سالمًا لم نبلغه ولم نعلمه واستوى رأيهم على ذلك فخرج منهم ثلاثون رجلًا من رؤسائهم وسلكوا طريقًا غير طريق يوقنا حتى أشرفوا على عسكر المسلمين فنادوا: الغوث الغوث وكان العرب قد علمت أن الغوث بالرومية هو الأمان وقال لهم الأمير: فمن سمعتموه يقولها فلا تعجلوا عليه بالقتل لئلا يطالبكم الله يوم القيامة وعمر بريء منه فكان العرب يعرفونها فمما سمع المسلمون منهم ذلك أسرعوا إليهم وأوقفوهم بين يدي أبي عبيدة.
فقال خالد: يوشك أن هؤلاء يطلبون الصلح والأمان لأنفسهم وهم أهل حلب.
قال أبو عبيدة: أرجو ذلك إن شاء الله تعالى وإن صالحوني صالحتهم وهو لا يعلم ما أصابه من الحرب الشديد والقتل العتيد وكان قدومهم عليه ليلًا والنيران تضرم بين يديه وكان في العسكر رجال قيام في صلاتهم يتلون القرآن فجعل بعضهم يقول لبعض بهذه الفعال ينصرون علينا فلما سمع الترجمان مقالهم أخبر أبا عبيدة بما قد تناجوا بينهم.
فقال أبو عبيدة: إنا قوم قد سبقت لنا العناية من ربنا وإنا رجال لا نريد من الله ورسوله بدلًا ولن نجزع من قتال الأعداء فأخبرهم الترجمان بذلك ثم قال لهم: من أنتم.
قالوا: نحن سكان حلب من تجارها وسوقتها ورؤسائها وقد جئنا نطلب منكم الصلح.
فقال أبو عبيدة: فكيف نصالحكم وقد بلغنا أن بطريقكم قد صمم على قتالنا وقد حصن قلعته وجعل فيها ما يقوته سنين واتخذ الجند وأكثر من ذلك وما لكم عندنا صلح.
فمالوا: أيها الأمير إن صاحبنا قد خرج من عندنا يريد حربكم وقتالكم.
قال أبو عبيدة: ومتى خرج.
قالوا: خرج سحرًا ونحن من بعده وسلكنا طريقًا غير طريقه وإنا نرجو أنه هالك لا محالة لأنه ركب البغي ولم يرض بالصلح وقد أطاع هواه فقد وقع في شرك الردى فلما سمع أبو عبيدة بخروج البطريق خاف على طليعته منه.
فقالا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هلك والله كعب ومن معه إنا لله وإنا إليه راجعون ثم أطرق إلى الأرض فقالوا لبعض مشايخ أهل حلب: كلم لنا الأمير في الصلح قالت فكلمه.
فقال أبو عبيدة بضجر: لا صلح لكم عندنا قال فخاف الشيوخ على أنفسهم وقالوا: إنا قد اجتمع عندنا من القرى والرساتيق خلق كثير فإن صالحتمونا عمرنا لكم الأرض وكنا لكم عونًا على عمارتها وعشنا في ظلكم أيام عدلكم وإن أنتم أبيتم ذلك فر الناس عنكم وطلبوا أقصى البلاد وشاع الخبر عنكم أنكم لا تصالحون فلا يبقى حولكم أحد.
قال فأعلمه الترجمان بما قالوا فجعل ينظر إليهم وإذا قد برز من القوم وصاح رجل أحمر الوجه وكان من حكماء الروم فصيحًا بلسان عربي.
فقال: أيها الأمير اسمع ما ألقيه إليك من العلم الذي أنزل الله في الصحف على الأنبياء.
قال أبو عبيدة: قل لنسمع فإن كان حقًا علمناه وإن كان غير حق لا نسمعه ولا نعمل به وكان اسمه دحداح.
فقال: أيها الأمير إن الله سبحانه وتعالى أنزل على أنبيائه يقول: أنا الرب الرحيم خلقت الرحمة وأسكنتها في قلوب المؤمنين وإني لا أرحم من لا يرحم من أحسن أحسنت إليه ومن تجاوز تجاوزت عنه ومن عفا عفوت عنه ومن طلبني وجدني ومن أغاث ملهوفًا أمنته يوم القيامة وبسطت له في رزقه وباركت له في عمره وأكثرت له أهله ونصرته على عدوه ومن شكر المحسن على إحسانه فقد شكرني وإنا قد أتيناك ملهوفين خائفين فأقل عثراتنا وآمن روعاتنا وأحسن إلينا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق