177
فتوح الشام ( للواقدي )
فقلت: وما تكون هذه النبلة مع علو هذا الجدار وما الذي تصنع في هذا العلج وعليه هذه اللامة اللامعة فأقسم بالله لقف وقعت هذه النبلة في فيه فتردى إلى أسفل برجه فسمعت للقوم ضجت عقيمة وجولة هائلة فعلمت أنه قتل قال ولم يزل أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالًا شديدًا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر فلما نظر أهل بيت المقدس إلى شدة الحصار وما نزل بهم من المسلمين قصدوا القمامة ووقفوا بين يدي بتركهم وسجدوا بين يديه وعظموه وقالوا له: يا أبانا قف دار علينا حصار هؤلاء العرب ورجونا أن يأتينا مدد من قبل الملك ولا شك أنه اشتغل عنا بنفسه من أجل هزيمة جيشه وأنهم أشهى منا للقتال وأنهم من يوم نزلوا علينا لم نخاطبهم بكلمة واحدة ولم نجبهم احتقارًا منا لهم والآن قد عظم علينا الأمر وإنا نريد منك أن تشرف على هؤلاء العرب وتنظر ما الذي يريدون منا فإن كان أمرهم قريبًا أجبنا إلى ما يريدون ويطلبون وإن كان صعبًا فتحنا الأبواب وخرجنا إليهم فإما أن نقتل عن آخرنا وإما أن نهزمهم عنا فأجابهم البترك إلى ذلك واشتمل بلباسه وصعد معهم على السور وحمل الصليب بين يديه واجتمع القسوس والرهبان حوله وبأيديهم الأناجيل مفتحة والمباخر حتى أشرف على المكان الذي فيه أبو عبيدة فنادى منهم رجل بلسان فصيح العربية: يا معاشر العرب إن عمدة دين النصرانية وصاحب شريعتها قد أقبل يخاطبهم فليدن منا أميركم فأخبروا أبا عبيدة بمقالهم فقال: والله إني لأجيبه حيث دعاني ثم قام أبو عبيدة وجماعة من الأمراء والصحابة ومعه ترجمان فلما وقف بإزائه قال لهم الترجمان: ما الذي تريدون منا في هذه البلدة المقدسة.
ومن قصدها يوشك أن الله يغضب عليه ويهلكه فأخبره الترجمان بذلك.
فقال: قل لهم نعم إنها شريفة ومنها أسري بنبينا إلى السماء ودنا من ربه كقاب قوسين أو أدنى وأنها معدن الأنبياء وقبورهم فيها ونحن أحق منكم بها ولا نزال عليها أو يملكنا الله إياها كما ملكنا غيرها.
قال البترك: فما الذي تريدون منا.
قال أبو عبيدة: خصلة من ثلاث: أولها أن تقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله فإن أجبتم إلى هذه الكلمة كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا.
قال البترك: إنها كلمة عظيمة ونحن قائلوها إلا أن نبيكم محمدًا ما نقول إنه رسول.
قال أبو عبيدة: كذبت يا عدو الله إنك لم توحد قط وقد أخبرنا الله في كتابه أنكم تقولون المسيح ابن الله: لا إله إلا الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
قال البترك: هذه خصلة لا نجيبكم إليها فما الخصلة الثانية.
فقال أبو عبيدة: تصالحوننا عن بلدكم أو تؤدون الجزية إلينا عن يد وأنتم صاغرون كما أداها غيركم من أهل الشام.
قال البترك: هذه الخصلة أعظم علينا من الأولى وما كنا بالذي يدخل تحت الذل والصغار أبدًا.
فقال أبو عبيدة: ما نزال نقاتلكم حتى يظفرنا الله بكم ونستعبد أولادكم ونساءكم ونقتل منكم من خالف كلمة التوحيد وعكف على كلمة الكفر.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق