175
فتوح الشام ( للواقدي )
قال الواقدي: ولقد بلغمي أن المسلمين باتوا تلك الليلة كأنهم ينتظرون قادمًا يقدم عليهم من شدة فرحهم بقتال أهل بيت المقدس وكل أمير يريد أن يفتح على يديه فيتمتع بالصلاة فيه والنظر إلى آثار الأنبياء قال: فلما أضاء الفجر أذن وصلت الناس صلاة الفجر قال فقرأ يزيد لأصحابه {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا} [المائدة: 12]. الآية فيقال إن الأمراء أجرى الله على ألسنتهم في تلك الصلاة أن قرأوا هذه الآية كأنهم على ميعاد واحد فلما فرغوا من الصلاة نادوا: النفير النفير يا خيل الله اركبي.
قال: فأول من برز للقتال حمير ورجال اليمن وبرز المسلمون للحرب كأنهم أسود ضارية ونظر إليهم أهل بيت المقدس وقد انشرحوا لقتالهم فنشطهم ورشقوا المسلمين بالنشاب فكانت كالجراد فجعل المسلمون يتلقونها بدرقهم فلم تراى الحرب بينهم من الغد إلى الغروب يقاتلون قتالًا شديدًا ولم يظهروا فزعًا ولا رعبًا ولم يطمعوهم في بلدهم فلما غربت الشمس رجع الناس وصلى المسلمون ما فرض الله عليهم وأخذوا في إصلاح شأنهم وعشائهم فلما فرغوا من ذلك أوقدوا النيران واستكثروا منها لأن الحطب عندهم كثير فبقي قوم يصفون وقوم يقرأون وقوم يتضرعون وقوم نائمون مما لحقهم من التعب والقتل فلما كان الغد بادر المسلمون إليهم وذكروا الله كثيرًا وأثنوا عليه وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدمت رماة النبل وأقبلوا يرمون ويذكرون الله وهم يضجون إلى الله قال الواقدي: ولم يزل المسلمون على القتال عدة أيام وأهل بيت المقدس يظهرون الفرح وأنه ليس على قلوبهم من هم ولا جزع فلما كان اليوم الحادي عشر أشرفت عليهم راية أبي عبيدة يحملها غلامه سالم ومن ورائها فرسان المسلمين وأبطال الموحدين وقد أحدقوا بأبي عبيدة وخالد عن يمينه وعبد الرحمن بن أبي بكر عن يساره وجاءت النسوان والأموال وضج الناص ضجة واحدة بالتهليل والتكبير فأجابتهم القبائل ووقع الرعب في قلوب أهل بيت المقدس فانقلب كبارهم وعظماؤهم وبطارقتهم إلى البيعة العظمى عندهم وهي القمامة فلما وقفوا بين يدي جاثليقهم وكانوا يعظمونه ويبجلونه فلما سمعوا تلك الضجة دخلوا عليه ووقفوا بين يديه وخضعوا له وقالوا: يا أبانا قد قدم أمير القوم إلينا ومعه بقية المسلمين وهذه الضجة بسببه فلما سمع بتركهم وجاثليقهم تغير لونه وتغير وجهه وقال: هي هي.
قالوا: ما ذلك أيها البترك والأب الكبير.
قال: وحق الإنجيل إن كان قدم أميرهم فقد دنا هلاككم والسلام.
قالوا: وكيف ذلك قال: لأنا نجد في العلم الذي ورثناه عن المتقدمين أن الذي يفتح الأرض في الطول والعرض هو الرجل الأسمر الأحور المسمى بعمر صاحب نبيهم محمد فإن كان قد قدم فلا سبيل لقتاله ولا طاقة لكم بنواله ولا بد لي أن أشرف عليه وأنظر إليه وإلى صورته فإن كان إياه عمدت إلى مصالحته وأجبته إلى ما يريد وإن كان غيره فلا نسلم إليه قط لأن مدينتنا لا تفتح إلا على يد من ذكرته لكم والسلام ثم إنه وثب قائمًا والقسوس والرهبان والشمامسة من حوله وقد رفعوا الصلبان على رأسه وفتحوا الإنجيل بين يديه ودارت البطارقة من حوله وصعد على السور من الجهة التي فيها أبو عبيدة فنظر إلى المسلمين وهم يسلمون عليه ويعظمونه ثم يرجعون إلى القتال كأنهم الأسد الضارية فناداهم رجل ممن كان يمشي بين يدي البترك.
فقال: يا معاشر المسلمين كفوا عن القتال حتى نستخبركم ونسألكم.
قال فأمسك الناس عن القتال فنادهم رجل من الروم بلسان عربي فصيح: اعلموا أن صفة الرجل الذي يفتح بلدنا هذا وجميع الأرض عندنا فإن كان هو أميركم فلا نقاتلكم بل نسلم إليكم وإن لم يكن إياه فلا نسلم إليكم أبدًا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق