154
فتوح الشام ( للواقدي )
الشعار
قال عبد الرحمن: وكان خالد أمامنا في حملته ونحن من ورائه وكان شعارنا: يا محمد يا منصور أمتك أمتك فلم يزل خالد في حملته ونحن من ورائه حتى وصل إلى الديرجان وكان قائمًا في موضعه الذي أقامه فيه ماهان معه صليب من الجوهر ومعه أصحابه ينتظرون حملته فيحملون معه فلما وصلت خيل خالد إلى موضعه.
قال له البطارقة: أيها الملك أما أن لك أن تحمل فنحمل معك أو تولي فقد خالطتنا خيل العرب.
فقال لأصحابه: اعلموا أن يوم السوء لا أحبه ولا أحب أن أراه ولا أحضره وقد أحضرني الملك إلى هذا الموقف وأنا كارهه ولكن لقوا وجهي ورأسي في هذا الثوب حتى لا أرى الحرب.
قال: فلقوا وجهه ورأسه في ثوب ديباج والناس يقتتلون حتى انهزمت الروم بين أيدي المسلمين ووصلوا إلى الديرجان وهو ملفوف الرأس فحمل عليه ضرار بن الأزور فقتله.
قال الواقدي: وكان من أحسن صنع الله تعالى بالمسلمين أن جرجير وقناطير اختلفا وتنازعا وكان جرجير في الميمنة مع الأرمن وقناطير في الميسرة تحته فقال جرجير لقناطير: احمل على العرب فما هذا وقت الوقوف فقال قناطير: تأمرني أن أحمل وكيف لا تحمل أنت فقال جرجير لقناطير: وكيف لا آمرك وأنا أمير عليك.
فقال قناطير: كذبت أنت أمير وأنا أمير عليك وفوقك وأنت مأمور لي بالطاعة فاختلفا وغضب جرجير من قول قناطير فحمل على المسلمين حملة شديدة وكانت حملته على كنانة وقيس وخثعم وجذام وقضاعة وعاملة وغسان وهم يومئذ فيما بين الميسرة والقلب فكشف الروم المسلمين حتى زالت عن مصافهم ولم يبق منهم إلا أصحاب الرايات فقاتلوا من يليهم قتالًا شديدًا وركب الروم أكتاف المسلمين المنهزمين إلى أن دخلوا معهم إلى معسكرهم فاستقبلهم النساء بالعمد يضربن وجوه الخيل ويرمين وجوهها بالحجارة وينادين بهم إلى أين تنهزمون يا أهل الإسلام عن الأمهات والأخوات والبنين والبنات أتريدون أن تسلمونا للأعلاج.
قال منهال الدوسي: فلقد كانت النساء أشد علينا غلظة من الروم فرجع المسلمون عن الهزيمة ونادى بعضهم بعضًا {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} [العصر: 3] وعطفوا على الروم عطفة عظيمة.
قال وكان قتامة بن أيشم الكناني أمام المسلمين يضرب في عراض المشركين تارة بالسيف وتارة بالرمح حتى كسر ثلاثة رماح وهو يقول: سأحمل في الروم الكلاب النوابح وأضربهم ضربًا بحد الصفائح وأرضي رسول الله خير مؤمل نبي الهدى للدين أشرف ناصح قال الواقدي: ثم حمل حتى كسر سيفين وجعل كلما كسر رمحًا أو سيفًا يقول: من يعيرني سيفًا أو رمحًا في سبيل الله وأجره على الله ثم نادى: يا معاشر قيس خذوا نصيبكم من الأجر والصبر فإن الصبر في الدنيا عز ومكرمة وفي الآخرة رحمة وفضيلة {اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200].
قال: فأجابه قومه ونشطوا للقتال.
قال قتامة بن أيشم الكناني: فما رأيت مثل حملة قناطير وقومه ولقد ختلطوا بنا واختلطنا بهم.
قال: ورجع خالد من دهمته ومعه ألفان من أصحابه وقد وضعوا السيوف في الروم وقتلوهم قتلًا ذريعًا والقتل لا يبين فيهم لكثرتهم وأقبل خالد على الناس من كرته فرأى الناس يقولون جزى الله قتامة بن الأيشم خيرًا عن الإسلام شكره وجزاه خيرًا.
قال: وأقبلت ذرعة ابنة الحارث منحدرة عن التل وهي تقول: ما فعل خالد حتى وقفت بين يديه وقالت: يا ابن الوليد أنت من العرب الكرام وإنما الرجال بأمرائها فإن ثبتوا ثبتت الرجال معهم وإن انهزموا انهزمت الرجال معهم فقال لها خالد: ما كنت من المنهزمين وما كنا إلا نقاتل في الأعلاج.
فقالت: قبح الله وجه عبد ينظر إلى أميره ثابتًا وهو منهزم عنه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق