148
فتوح الشام ( للواقدي )
قال الواقدي: وبقي ماهان سبعة أيام أخر بعد الوقعة الأولى لم يقاتل المسلمين ولم يقاتلوه وبعث أبو عبيدة برجل من عيونه ينظر ما الذي أخر الروم عن القتال فغاب الرجل يومًا وليلة ثم عاد وأخبر أبا عبيدة أن ماهان قد كاتب الملك وهو منتظر الجواب فقال خالد بن الوليد: ما تأخر ماهان عن قتالنا إلا وقد وقع الفزع في قلبه فازحف بنا إليهم.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: لا تعجل فإن العجلة من الشيطان.
قال الواقدي: وكان أبو عبيدة رجلًا لين العريكة يحب الرفق فلما كان في اليوم الثامن نظر ماهان إلى تلهف أصحابه على الحرب والقتال فعزم أن يلقى بهم المسلمون وقد فرح بنشاطهم فدعا برجل من المتنصرة من لخم وقال له: اذهب فادخل هؤلاء العرب وتجسس لي أخبارهم وانظر ما عندهم قال: فمضى اللخمي حتى دخل عسكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام فيهم يومًا وليلة يطوف في عسكرهم وليس أحد من المسلمين ينكره وهم آمنون وليس لهم همة إلا إصلاح شأنهم والصلاة والقرآن والتسبيح وليس فيهم عدوان ولا ظلم ولا أحد يتعدى على أحد وقصد الموضع الذي فيه أبو عبيدة رضي الله عنه فنظر إليه كأنه أضعفًا ضعيف في العرب ساعة يجلس على الأرض وساعة ينام عليها فإذا كان وقت الصلاة قام وأسبغ الوضوء وأذن المؤذنون وصلى بالناس ونظر المتنصر إلى المسلمين.
وهم يصنعون كصنعه.
فقال المتنصر: إن هذه طاعة حسنة ويوشك أنهم ينصرون قال فرجع إلى ماهان وحدثه بما رأى من القوم وما عاينه وقال: أيها الملك إني جئتك من توكل يصومون النهار ويقومون الليل ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر رهبان في الليل ليوث بالنهار ولو سرق واحد منهم ولو كان كبيرهم قطعوه ولو زنى رجموه لا يغلب هواهم على الحق بل الحق عندهم غالب وأميرهم كأضعف من فيهم إلا أنه مطاع عندهم إلى قام قاموا وإن قعد قعدوا مناهم القتال وشهوتهم النزال ومرادهم أن يموتوا شهداء في قتالكم ما تأخروا عن قتالكم إلا ليكون البغي منكم إذا بدأتموهم فقال ماهان: هؤلاء القوم منصورون غير أني قد وجدت حيلة أعملها عليهم فقال المتنصر: ما الحيلة أيها الملك فقال ماهان: ألست زعمت أنهم لا يبدأون بالقتال حتى نقاتلهم فنكون نحن الباغين قال: نعم.
قال: فإنا لا نطلب الحرب بل نطول بيننا وبينهم وندهمهم على حين غفلة دون عدة منهم ولا أخذ حذرهم فعسى أن نظفر بهم.
قال: ثم إن هامان جمع الملوك وجعل يعقد لهم الرايات والصلبان حتى عقد ستين ومائة صليب تحت كل صليب عشرة آلاف وكان أول صليب عقد لقناطير وكان نظيره في الرتبة وأمره أن يكون في الميمنة.
ثم عقد صليبًا للديرجان وضم إليه الأرمن والنجد والنوبة والروسية والصقالبة.
ثم عقد لابن أخت الملك صليبًا على الإفرنج والهرقلية والقياصرة واليرفل والدوقس وعقد لجبلة بن الأيهم عقدًا وضم إليه المتنصرة من لخم وجذام وغسان وضبة وأمره أن يكون على المقدمة وقال: أنتم عرب وأعداؤنا عرب والحديد لا يقطعه إلا الحديد ثم فرق الأعلام في أجناد عسكره.
فما انفجر الفجر وبان الصباح وأضاء بنوره ولاح حتى فرغ من تعبية جيوشه وترتيب طلائعه وأمر بمضرب له فضرب على كثيب عال على جانب اليرموك يشرف منه على العسكرين وأوقف عن يمينه ألف فارس عتاة حماة الروم شاكين السلاح وعن يساره كذلك وهم الملكية وأصحاب السرير وأمرهم باليقظة.
وقال: أي كرب يكون على العرب أعظم من هذه فإنكم على تعبيه وهم على غير أهبة فإذا طلعت الشمس ورأيتم المسلمين على غير تعبية فاحملوا عليهم من كل جانب ومكان فما هم في عسكرنا إلا كالشامة البيضاء في جلد الثور الأسود.
هكذا سمعت إياد بن غالب الحميري يذكر وكان من المعمرين.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق