146
فتوح الشام ( للواقدي )
قال الواقدي
: وكان ماهان لما سمع كلام البطريق الذي رآه في المنام أمره أن يكتمه وأما قيس بن هبيرة وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فأخذا سلاحهم وأسلابهم ورجعًا إلى المسلمين فدفعا السلب إلى أبي عبيدة فقال هو لكما ومن قتل فارسًا فله سلبه فكذا عهد إلينا عمر بن الخطاب فأخذا السلب ووقف قيس في موضعه الذي أقامه خالد فيه ورجع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى ميدان الحرب فجال بين الصفين وكان قد ركب أشهب البطريق الذي قتله فرآه لا ينبعث تحته كما عهد من خيل العرب فرجع وغيره من تحته بفرس غيره وحمل على ميمنة الروم فشوش صفوفهم وقتل منهم فارسين ورجع فحمل على القلب ثم انثنى على الميسرة فرشق بالسهام فخرج إليه علج من علوج الروم فما جال غير ساعة حتى قتله فخرج إليه آخر فقتله.
فقال خالد: اللهم ارعه بعينك واحفظه فإن عبد الرحمن قد اصطلى اليوم الحرب بنفسه ثم إن خالدًا صاح به: يا عبد الرحمن بحق شيبة أبيك وبيعته إلا رجعت إلى مكانك فرجع حين أقسم عليه قال حزام بن غنم: قلت لرجل ممن شهد اليرموك: أكانت النساء معكم مشاهدات القتال.
قال: نعم إحداهن أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام وخولة بنت الأزور ونسيبة بنت كعب وأم أبان زوجة عكرمة بن أبي جهل وعزة بنت عامر بن عاصم الضمري مع زوجها مسلمة بن عوف الضمري ورملة بنت طليحة الزبيري ورعلة وأمامة وزينب وهند ويعمر ولبنى وأمثالهن رضي الله عنهن فلقد كن يقاتلن قتالًا يرضين به الله ورسوله.
نساء المسلمين في المعركة قال الواقدي: حدثني عبد الملك بن عبد الحميد وكان قد شهد وقعة اليرموك وقال: أولها شرر نار وآخرها ضرام الحرب وإن كل يوم يأتي من القتال أصعب من اليوم الآخر قال عمرو بن جرير: فشهدنا في اليوم الأول حربًا يسيرًا وذلك أن ماهان أمر عشرة من الصفوف أن تحمل على المسلمين بعد أن قتل عبد الرحمن من قتل وحمل المسلمون عليهم فالتقت الرجال بالرجال فنظر أبو عبيدة وكان واقفًا إلى ماهان ولم يحمل على المسلمين فعلم أن الأمر يصعب فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وجعل يتلون قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173]. قال: ولم يزل الحرب بين الفريقين من قيام الشمس في قبة السماء إلى أن همت بالغروب ولم ينفصل الجمعان حتى فرق الليل بينهم فحينئذ افترق الجمعان وهم ما يعرفون إلا بالشعار وخرج كل قوم من العرب يهتفون بشعارهم وينادون بأنسابهم ورجعت كل فئة إلى مكانها واستقبل المسلمين نساؤهم فصارت تجعل المرأة مربطها تمسح به عن وجه زوجها وتقول له: أبشر بالجنة يا ولي الله وبات المسلمون في خير وسرور وأوقدوا النيران وذلك أن القتل في أول يوم لم يتبين في الفريقين بل قتلى من الروم يسير ومن المسلمين عشرة رجلان من حضرموت أحدهما يقال له مازن والثاني يقال له صارم وثلاثة من عسفان رافع ومجلي وعلي وواحد من الأنصار وهو عبد الله بن الأخرم وثلاثة من بجيلة وواحد من مراد وهو سويد ابن أخي قيس بن هبيرة فحزن عليه قيس لما فقده فعلم أنه في القتلى فخرج قيس وخرج معه رجال من قومه حتى أتوا موضع المعركة وفتشوا عليه فلم يروه فلما هم بالرجوع نظر إلى نار قد أقبلت من جهة الروم يطلبون مكان الوقعة وهم يطلبون بطريقًا كان معظمًا عندهم.
فقال قيس لجماعته: أخمدوا ناركم فوالله لآخذن بثار ابن أخي من هؤلاء القوم فال: فأخمدوا نارهم ورقدوا بين القتلى وتأهبوا للقتال وإذا بالروم قد أتوا وهم نحو مائة وهم في زينة عظيمة وآلة وعدة وكان مع قيس سبعة من قومه فقالوا له: إن القوم مائة ونحن سبعة وقد تولانا التعب.
فقال قيس: ارجعوا أنتم وإني والله أطنب الموت لا أريد غيره وأجاهد في الله حق جهاده فعجبوا من قوله ووقفوا معه وقفة الكرام وأقبلت الأعلاج يريدون المعركة ويدورون بين القتلى وقد وقفوا بالعلج وهو الذي برز أولًا وقتله ابن أبي بكر الصديق فلما احتملوه وولوا يريدون عسكرهم صاح فيهم قيس من ورائهم وتابعه أصحابه بالصياح فذهلوا ورموا البطريق ووضع المسلمون السيف فيهم وجعلوا يقتلون ما قتلا ذريعًا وكان قيس إذا ضرب فيهم يقول: هذا عن ابن أخي قال: فقتل منهم ستة عشر رجلًا وقتل أصحابه أكثر القوم وانفلت الباقون فلما فرغ قيس من القوم عاد يطلب ابن أخيه نحو عسكر الروم فسمع أنينا فأقبل نحوه فإذا هو أبن أخيه سويد بن بهرام المرادي فلما عرفه بكى فقال: ما أبكاك يا ابن أخي فقال: يا عماه إني تبعت القوم فرجع إلي واحد منهم وطعنني في صدري وإني لأعالج منها أمرًا عظيمًا وهؤلاء الحور العين في حذائي ينتظرون خروج روحي قال: فبكى قيس وقال: يا ابن أخي لكل أجل كتاب ولعل أن يكون في أجلك طول فقال: هيهات والله يا عم أفتقدر أن تحملني إلى عسكر المسلمين فأموت هناك قال أجل قال: ثم احتملته على ظهري وأقبلت به إلى عسكر المسلمين وقصدت به إلى رحله وسجيته وسمع أبو عبيدة بمجيء قيس فأتى إليه ورأى الغلام يجود بنفسه فجلس عند رأسه وبكى وبكت المسلمون فقال له أبو عبيدة: كيف تجدك يا ابن أخي.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق