143
فتوح الشام ( للواقدي )
قال الواقدي: فلما وصى الضحاك بن قيس أصحاب الرايات بقول أبي عبيدة بالطاعة لخالد بن الوليد رضي الله عنه جعل خالد يسير بين الصفوف ويقف على كل راية ويقول: يا أهل الإسلام إن الصبر قد عزم إن شاء الله تعالى على صحبتكم والفشل والجبن سببان من أسباب الخذلان فمن صبر كان حقًا على الله نصره على عدوه لأن الله معه ومن صبر على حد السيوف فإنه إذا قدم على الله تعالى أكرم منزلته وشكر له فعله وسعيه والله يحب الشاكرين قال وما زال خالد رضي الله عنه يقول هذا الكلام لأهل كل راية حتى مر بجماعة الناس.
ثم إن خالدًا جمع إليه خيل المسلمين من أهل الشدة والصبر ومن شهد معه الزحف فقسمهم أربعة أرباع فجعل على أحدهم قيس بن هبيرة المرادي وقال له: أنت فارس العرب فكن على هذه الخيل واصنع كما اصنع وجعل على الربع الآخر ميسرة بن مسروق العبسي وأوصاه بمثل ذلك ودعا عامر بن الطفيل على الربع الثالث وأوصاه بمثل ذلك ووقف خالد مع عسكر الزحف.
قال الواقدي: فلم تطلع الشمس إلا وقد فرغوا من تعبية صفوفهم للحرب.
وأما ماهان الأرمني فإنه أمر الروم بالزينة والأهبة للحرب ففعلوا ذلك إلا أن المسلمين كانوا أسرع في التعبية.
قال: وزحف الروم إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر الروم إلى تعبيتهم فكان عسكر المسلمين صفوفًا كالبنيان المرصوص وكأن الطير تظلهم والصفوف متلاصقة والرماح مشرعة مشتبكة.
قال: فلما رأى الروم ذلك داخلهم الفزع والجزع وألقى الله الرعب في قلوبهم ثم إن ماهان عبى عسكره فجعل العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام في مقدمة الصفوف وجعل عليهم جبلة وقدم أمامهم صليبًا من الفضة وزنه خمسة أرطال وهو مطلي بالنصب وفي أربعة أركانه أربع جواهر تضيء كأنها الكواكب.
قال الواقدي: حدثني سنان بن أوس الربعي.
قال: حدثني عدي بن الحارث الهمذاني وكان ممن حضر الفتوح من أولها إلى آخرها.
قال: وكانت الصفوف التي صفها ماهان ثلاثين صفًا كل صف منها مثل عسكر المسلمين كله وقد أظهر ماهان بين الصفوف القسوس والرهبان وهم يتلون الإنجيل ويترنمون وأكثر من الوايات والأعلام والصلبان فلما تكاملت صفوفهم وإذا ببطريق عظيم الخلقة قد برز وعليه درع مذهب ولامة حرب مليحة وفي عنقه صليب من الذهب مرصع بالجوهر وتحته فرس أشهب وكان البطريق من عظماء الروم ممن يقف عند سرير الملك فلما برز جعل يرطن بكلام الروم بصوت كالرعد فعلم المسلمون أنه يطلب البراز فتوقف المسلمون عن الخروج إليه فصاح خالد وقال: يا أصحاب رسول الله هذا العلج الأغلف يدعوكم لقتاله وأنتم تتأخرون فإن لم تخرجوا إليه وإلا خرج خالد وهم بالخروج وإذا بفارس قد خرج من المسلمين على برذون أشهب عظيم الخلقة يشبه برذون المشرك وعلى المسلم لامة حسنة وعدة سابغة وقصد نحو البطريق فلم يكن في رجال خالد من يعرف الفارس الذي خرج فقال خالد لهمام مولاه: اخرج إلى هذا الفارس وانظر من هو من المسلمين ومن أي العرب هو ومن قومه: فمضى همام يهتف به وقد هم أن يقرب من البطريق فصاح به من أنت يا ذا الرجل من المسلمين رحمك الله فقال: أنا روماس صاحب بصرى فلما أخبر خالد به.
قال: اللهم بارك فيه وزد في نيته فلما صار بإزاء العلج كلمه بلسانه فقال الرومي وقد عرفه: يا روماس كيف تركت دينك وصبأت إلى هؤلاء القوم فقال روماس هذا الدين الذي دخلت فيه دين جليل شريف فمن تبعه كان سعيدًا ومن خالفه فقد ضل.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق