299
فتوح الشام ( للواقدي )
قال: حدثنا عاصم عن رويم عن ابن جبير قال: إنما طلب أبو ثوب الغيث واقتصر عليه لأنه كانت له مزرعة بالبعد من النيل ولا يقدر أن يسقيها ولا يصل إليها ماء وكانت قد أشرفت على الهلاك واليبس وكانت منه ببال وكان قد غرس فيها من جميع الثمار والأشجار وصنع لها مصانع تمتلئ بماء المطر فيسقيها وقت الحاجة إليها وكان المطر قد أمسك عنها والمصانع نشفت فلما خرج يزيد إلى البحر توضأ وصلى ركعتين ثم رفع رأسه نحو السماء وقال: اللهم إنك قد أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالإجابة فقلت وأنت أصدق القائلين: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186]. وقد دعوت كما أمرت فاستجب كما وعدت يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدًا ولا يحصيه غيرك.
قال ابن جبير: لقد بلغني ممن أثق به أن يزيد بن عامر ما برح يدعو حتى ارتفع السحاب من الجو ووقف وقفة الخاضع ورفع جناح السائل المتواضع وارتفعت سحابة وتألقت والرعد يصول حولها صولة الغاضب وهو لها بصوت البرق يزجر بصلصلة وقعقعة وهرير وهو على ذلك سيره ومسيره وقد أحاطت بالسحابة ملائكة الرحمة متمنطقة بنطاق الخدمة يسوقونها من خزائن رحمته ويجذبونها بأزمة القهر إلى ملك أبديته وهو واضع أجنحة عبوديته موسوم بوسم {ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته} [الرعد: 13]. والركام يسري ويسرع إسراع الوجل يسبح من يسجد لجلاله {فترى الودق يخرج من خلاله} [النور: 43]. فإذا هي أشرقت وتكاملت بالماء ووسقت والبروق من أركانها قد انشقت وهبت عليها رياح فذرته من مواضع خزائن رحمته {وهو الذي يرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته} [الأعراف: 57]. فعندها تفتح مغاليق أبوابها وترفع ستر حجابها فهمت بدموع أشجانها على أيدي خزانها فتستبشر الأرض عند ورودها وتنتظم عقود الزهر عند ورودها في جيد وجودها وتخرج كنوز ذخائرها {فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها} [الروم: 50].
قال: ونزل المطر يسكب بقية يومهم وليلتهم فلما كان من الغد حضر يزيد بن عامر مجلس أبي ثوب وقال له: كيف رأيت صنع الله الصانع المتكفل بأرزاق العبيد.
قال: فضحك أبو ثوب وقال: إن سحركم لعظيم وإن مكركم لجسيم وإن سحركم يفعل أكثر من هذا.
فقال: إنما ذلك رحمة من الله قد أبر من أقسم باسمه عليه فلما رأى نزول المطر وظهرت بركات صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على سبيل المكر: الآن تحققت أن دينكم الحق وقولكم الصدق وأنا مؤمن بالله ومصدق برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوف أعرض دين الإسلام على أهل جزيرتي وأصحابي وأهلي وأبني المساجد وآمر بالمعروف وأنهي عن المنكر.
فقال يزيد: إن أنت فعلت ذلك رشدت وإن نافقت فإن ربك لبالمرصاد ثم خرج منه عنده هو ومن كان معه شطا وغلمانه ومضوا إلى دمياط إلى البامرك وحدثوا بما كان من أبي ثوب.
فقال: والله لقد خدعكم بخديعته ورماكم بسهم مكيدته.
فقال يزيد بن عامر: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} [آل عمران 54] فما لبثوا أيامًا قلائل حتى وصل الخبر أن أبا ثوب جمع من سائر الجزائر وهو قادم عليهم فلما سمع البامرك بذلك قال ليزيد بن عامر: ما الذي ترى من الرأي في أمر هذا العدو فقال يزيد: نستعين بالله ونتوكل على الله ومن قاتلنا قاتلناه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق