289
فتوح الشام ( للواقدي )
قال الواقدي: فلما وصلت الهدية والكتاب عنده على أرباب دولته وقال لهم: ما ترون فيما كاتبكم به صاحب مصر والإسكندرية فقالوا له: أيها الملك ما زالت الملوك يستنصر بعضها ببعض والذي أشار إليه هو الحق وأن العرب إذا ملكت ملك القبط فلا بد لهم منا والعبور إلى بلادنا فابعث إليه بنجدة ونكون نحن وهو يدًا واحدة فالمسيح يعطي النصر لمن يشاء فأجابه إلى ذلك وأمر ابن أخيه أسطفانوس أن يمضي في أربعة آلاف وأمره أن يسير لمعاونة صاحب إسكندرية ثم إنه أرسل خادمه إلى عالم أرضهم والمشار إليه في علم النصرانية وهو البترك واسمه سطيس وكان عمره مائة وعشرين سنة وكان تلميذ زيروسا وزيروسا تلميذ مرقس ومرقس تلميذ يوحنا ويوحنا أحد حواري عيسى المسيح وكان هذا البترك سطيس مؤمنًا بالله وموحدًا وسمع بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته وهو مؤمن من قبل مبعثه وظهوره حتى بلغته أخباره صلى الله عليه وسلم وأنه مات فبكى لموته ولزم زاوية الحزن ولم يظهر خبره لأحد مدة من الزمان وقد بنى له صومعة وانفرد بها وجعلها على قارعة الطريق فما مرت به قافلة إلا واستخبرها عنه ويسأل عمن جلس بعده للمسلمين خليفة.
فقالوا: أبو بكر الصديق وبلغه موته وولاية عمر ثم بلغه فتوح الشام وقدوم الصحابة إلى مصر وفتحها فلما أرسل صاحب مصر يستنجد صاحب برقة وأرسل أخاه أرسل هذا البترك في مركب يبشره بقدوم أسطفانوس إلى نصرته فلما وصل إليه وبشره فرح بذلك وقال: يا أبانا أريد من أنعامك أن تسير إلى هؤلاء العرب وتختبر دينهم ونبيهم وتدعوهم إلى الصلح وتعلمهم أن في أيدينا جماعة منهم أخذناهم من ساحل الرملة وقد أنفذت بهم إلى دير الزجاج فإن أرادوا أصحابهم أطلقناهم لهم ونعطيهم شيئًا من مالنا واعقد لنا لهم الصلح بأنهم لا يرجعون إلينا ولا يتعرضون لنا.
فقال البترك: سأفعل ذلك وإني قد قرأت في الكتب السالفة فوجدت فيها أن الله يبعث نبيًا من أرض تهامة تعرض عليه مفاتيح الأرض وكنوزها فلا يلتفت إليها ولا يعيرها نظره ولا يختار إلا الفقر على الغنى وأن أصحابه يتبعون سنته وأنا أستخبر حالهم قبل سيري إليهم.
فقال الملك: وكيف تستخبر حالهم يا أبانا.
قال: أيها الملك أرسل بغلة من مراكبك وعليها مركب من ذهب وهو مرضع بالمعادن وتأمر غلمانك أن يسيروا بها ويرسلوها نحو عسكر المسلمين فإن أخذوها فنعلم أنهم يحبون الدنيا ولا يريدون الآخرة وإن ردوها فنعلم أنهم يطلبون ما عند الله.
فقال ففعلوا ذلك وأرسلوها كانوا في حندس النيل وكان في الحرس شرحبيل بن حسنة فلما رأى البغلة وما عليها من الزينة ضحك وقال: إن أعداء الله يريدون اختبارنا ومعرفة أحوالنا إن كنا نطلب الدنيا أو الآخرة فوالله ما منا من يميل إلى ما يفنى وإنما بغيتنا فيما يبقى ثم قرأ {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [الحديد: 20]. ثم أمسك بعنان البغلة وأطلقها نحو عسكر القبط.
قال فلما رأوها صلبوا على وجوههم وقال الملك: والله بهذا نصروا وخذلنا الله إن أبي كان على بصيرة من أمرهم ثم أمر البترك وسطيس أن يتوجه إليهم فمضى فلما قرب منهم رأى أقوامًا قد هجروا الدنيا فمنهم القارئ ومنهم الذاكر لباسهم الصوف صغيرهم يوقر كبيرهم وكبيرهم يرحم صغيرهم وصوت أحدهم لا يعلو على الآخر الذكر كلامهم والقرآن شعارهم والتقوى لباسهم والخوف من الله أنيسهم فلما دخل على عسكرهم سأل عن أميرهم وصاحبهم فدلوه على موضع خالد فقصده فلما وصل إليه وجده في ذكر الدين والقيامة فنزل عن بغلته ووقف أمامه وأومأ إليه بالسجود فمنعه خالد.
فقال له: أنت أمير هؤلاء القوم قال: كذا يزعمون أني أميرهم ما دمت على الحق واتباع العدل والإنصاف والخوف من الله محسنًا للمحسنين منهم مشدادًا على المسيئين منهم فمتى حدت عن هذه الأشياء فلا إمارة لي عليهم.
فقال البترك: أنتم والله القوم الذين بشر بكم عيسى ابن البتول وإن الحق معكم لا يفارقكم قال: فأمره خالد بالجلوس فجلس وقال: يا معاشر العرب أخبروني عن نبيكم.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق