إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 9 يوليو 2014

287 فتوح الشام ( للواقدي )



287


فتوح الشام ( للواقدي )


فقال الراهب‏:‏ إن أخباركم عندي في كل وقت وأعلمك أني رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وهو في قافلة قريش وأنا عند بحيرا فلما مات بحيرا انتقلنا إلى هذا الدير واعلموا أنه ما بقي من أرض الكنائس ولا بأرض العقبة ولا بأرض الرمادة أحد ولا ديار من راهب ولا قس إلا وقدم لزيارتي ويسألني عنكم وعن نبيكم ويقولون لي‏:‏ أنت كنت على طريقهم ورأيت نبتهم وشرحت لهم دينكم وأوصلتهم إلى ما ظهر من معجزات نبيكم صلى الله عليه وسلم ولقد جرى بيني وبين راهب منهم بالقرب مناظرة وقال لي‏:‏ إن النبي الذي بشر به عيسى المسيح ابن مريم ليس هذا فقلت له‏:‏ بلى هو والله النبي العربي‏.‏

فقال لي‏:‏ إننا سمعنا في العلم أن الرسول الذي يظهر من أرض الحجاز يعرج به إلى السماء وما سمعنا أن هذا عرج به فقلت‏:‏ بلى والله أنا سمعت بأنه عرج به إلى السماء وخاطب العلي الأعلى وأصبح فأعلم بذلك قريشًا ثم قال لخالد‏:‏ اعلم أن في وسط هذا الجبل ديرًا يقال له دير المسيح وقد استوى عليه بطريق ومعه جماعة وهو يقطع الطريق على قوافل العرب وأنه منذ زمان قطع الطريق على قافلة وفيها لشخص من بلادكم وهو مسلم فأخذ القافلة وعزى أهلها وأطلقهم وقبض على ذلك المسلم وأخذ ماله ووضعه عنده في العذاب الشديد والرجل يستجير فلا يجار ويقول له‏:‏ ما أطلقك حتى تكفر بالرحمن وتسجد للصلبان ثم إنه يأتيه بصورة من نحاس وعلى رأسه عمامة سوداء ويقول له هذه صفة نبيكم وينصبه قباله ويصمت فضلة كأسه على رأس هذه الصورة وذلك الرجل يستجير من فعاله‏.‏

قال‏:‏ فلما سمع خالد ذلك أخذ معه شرحبيل بن حسنة وعامر بن ربيعة ويزيد بن أبي سفيان وهاشم بن سعيد والقعقاع ورفاعة وترك بقية العسكر محيطة بالدير ومضوا إلى وسط الجبل فوجدوا الدير فوصلوا إليه وإذا بالبطريق قد أقبل ومعه وحش مذبوح وقد قصد إلى شجرة بالقرب من الدير وتحتها عين فنزل على العين وصاح بغلمانه فأتوا إليه وأضرموا النار وجعلوا يشوون له وهو يأكل ويشرب الخمر وقال لهم‏:‏ هاتوا المحمدي فأتوه برجل قد ركبه الذل وغلبه القهر فلما رآه قال له‏:‏ أنت قد غلبتني بتجلدك على العذاب وحق ديني لا أرفع عنك العقوبة حتى ترجع عن دينك إلى ديني فقال له‏:‏ اصنع ما بدا لك فإني أعلم أن الكل بمشيئة الله وبإرادته وإني صابر على مر البلاء وما أرجع عن دين محمد المصطفى‏.‏

قال فهم أن يقوم إليه يضربه فصاح به خالد بن الوليد وحمل عليه وطعنه فأخرج السنان من ظهره وقتلوا غلمانه وخلصوا المسلم ونزلوا على العين ولم يكن لأهل الدير شرب إلا من تلك العين فأشرف عليهم الرهبان من أهل الدير وقالوا‏:‏ ما نحن أهل سيف حتى نقاتلكم وقد نهاكم نبيكم عن قتل الرهبان فقال خالد‏:‏ سلموا لنا مال هذا البطريق وعياله وأطفاله ونحن نترككم في ديركم ففتحوا لهم وسلموا لهم جميع موجوداته وأخذوا الأسير وساروا وسأله خالد بن الوليد من أين أنت فقال‏:‏ أنا أمية بن حاتم أخو عدي وقد أخذني هذا في أواخر أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإني كنت طالب برقة مع قافلة ومعي بضاعة نأخذها وأخذني وكان أمر الله قدرًا مقدورًا قال‏:‏ فرجعوا عند أصحابهم ولم يأتوا القبط فما لحقوا أن ينزلوا عن خيولهم إلا والراهب صاح وقال لهم‏:‏ استعدوا للقاء عدوكم فإنهم قربوا منكم فتجهزوا للقاء العدو وإذا بهم قد أقبلوا وضجيج الأطفال وبكاء الناس وأنين الرجال وصراخ المأسورات وصياح القبط عليهم يسوقونهم من ورائهم وزئير الفرسان وهفيف الصلبان والعربيات تنادي بالويل والهوان وخولة بنت الأزور على مقدمة الأسارى وهي تقول‏:‏ جل المصاب وزاد الويل والحرب وكل دمع من الأجفان ينسكب ومادت الأرض مما قد بليت به حتى توهمت أن الأرض تنقلب لهفي على بطل قد كان عدتنا فيه العفاف وفيه الدين والأدب قد كان ناصرنا في وقت شدتنا أعني ضرار الذي للحرب ينتدب فيه الحمية والإحسان عادته فيه التعصب والإنصاف والحسب لو كان يقدر أن يرقى مراكبه كان العدو فني والحرب تلتهب أو كان خالد فينا حاضرًا وطنًا لزال عنا الذي نشكو وننتحب لو كان يسمع صوتي صاح بي عجلًا مهلًا فقد زال عنك البؤس والعطب قال‏:‏ فلما سمع خالد نداءها قال‏:‏ لبيك يا بنت الأزور قد جاءك انفرج وذهب عنك الحرج فأطبقوا على القبط فما كان ببعيد حتى قتلوا منهم سبعمائة وأسروا ألفًا وثلثمائة وخلصوا الأسرى وسلموا على ضرار وهنئوه بالسلامة وودعوا الراهب بعدما كتب له خالد كتابًا بأن له من طعام الإسكندرية صاعًا ولكل من سكن الدير من أهله وقبيلته ثم إنهم ساروا طالبين الإسكندرية وهم سائقون الأسرى من القبط بين أيديهم‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق