إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 9 يوليو 2014

278 فتوح الشام ( للواقدي )


278

فتوح الشام ( للواقدي )


قال عامر بن هبار‏:‏ وكان من لطف لله بنا أن الرهبان الذين بالدير لما سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض‏:‏ يجب علينا أن نأخذ لنا منهم صلحًا فنكون آمنين من غائلتهم ولا نبرح من ديرنا هذا‏.‏
فقال أكبرهم‏:‏ إن أنتم فعلتم ذلك فإننا لا نعلم من ينصر الفريقين أصحابنا أم العرب فان كان النصر لأصحابنا خفنا من هذا القس أن يعلم بنا الملك أننا صالحنا المسلمين بغير أمره فإنه يقتلنا وإن هذا اللعين تعلمون أنه على غير منصبنا وهو في كل يوم يكفرنا لأنه نسطوري ونحن يعقوبية فإن أنتم أردتم صلح هؤلاء العرب فدونكم وهذا القس فاقبضوا عليه وسلموه لهم وخذوا منهم أمانًا‏.‏
قال‏:‏ ففعلوا وقبضوا عليه وأشرفوا علينا وقالوا لنا‏:‏ بحق ما تحقدون من دينكم أنتم من أصحاب محمد أم لا‏.‏

فإنا قد قبضنا على هذا اللعين ونريد أن فسلمه لكم وأنكم تعطوننا أمانًا فإنا قوم لا نعرف حربًا ولا قتالًا‏.‏

فقال لهم مالك الأشتر‏:‏ يا هؤلاء أما ما زعمتم من صلحنا فإنا نصالحكم وما كان أمرنا بالذي يخفى ولا نرضى بالكذب فإنه أشنع شيء عندنا ولا سيما أن الإسلام يمنعنا من استعماله ولو أن السيف على رأس أحدنا إذا سئل عن دينه أجاب به وتكلم بوحدانية الله تعالى ونحن من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولكم الأمان وهذا أمان الله ورسوله‏.‏

قال‏:‏ فلما سمع الرهبان من مالك ذلك نزلوا وفتحوا الباب وسلموا لنا القس‏.‏

فقال له خالد‏:‏ يا عدو الله أردت أمرًا وأراد الله خلافه ثم إنه عرض عليه الإسلام فأبى وقال‏:‏ أنا هربت منكم من الشام ثم أوقعني المسيح لي أيديكم وما أظن إلا أن المسيح مسلم فافعل ما أردت فضربوا عنقه‏.‏

قال عامر بن هبار‏:‏ وخرج إلينا أهل الدير بأجمعهم ومعهم الطعام والعلوفة فأكلنا وأقمنا عندهم إلى الليل‏.‏

فقال شيخهم الذي أشار عليهم بقبض القس الرومي لخالد‏:‏ أيها السيد إني قد تفرست فيك الشجاعة فبألله من أنت من أصحاب محمد فقال‏:‏ أنا خالد بن الوليد المخزومي‏.‏

فقال‏:‏ أنت وحق ديني الذي فتحت بلاد الشام وأذللت ملوكها وبطارقتها وإن صفتك عندي ثم إنه دخول الدير وأتى ومعه سفط ففتحه وإذا فيه بين أوراقه ورقة وفيها صفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وزيه وصورته وصورة أبي عبيدة وصورة خالد بن الوليد والسيف في يديه مشهور‏.‏

قال‏:‏ ما زلت أسمع أخبارك كلها فلم عزلك عمر بن الخطاب وولى غيرك فقال خالد‏:‏ اعلم أن عمر هو الإمام وهو الخليفة ومهما أمرنا فلا نخالفه فإن الله أمرنا بذلك في كتابه فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏‏.‏ فطاعته فرض علينا لأنه يحكم بالعدل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإنا قد وجهنا إليه خمس الغنائم من الفتوح كلها من الأموال فما ازداد في الدنيا إلا زهدًا ولا إثر الدنيا على الآخرة بل مجلسه على التراب ولبسه المرقعة ويمشي في سوق المدينة متواضعًا راجلًا فالتواضع لباسه والتقوى أساسه والذكر شعاره والعدل في الرعية دثاره وما زال يعطف على اليتيم ويرفق بالأرملة والمسكين ويرفد أبناء السبيل فظ في دين الله غليظ على أعداء الله قائم بشعائر الله لا يستحي من الحق ولا يداهن الخنق‏.‏

فقال القس‏:‏ أكانت له الهيبة على عهد نبيكم‏.‏

قال خالد‏:‏ نعم سمعت سعد بن أبي وقاص يقول‏:‏ استأذن عمر فأذن له فدخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك‏.‏

فقال عمر‏:‏ أضحك الله سنك يا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏عجبت من هؤلاء اللواتي كن ضدي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب‏)‏‏.‏

فقال عمر‏:‏ أنت أحق أن يهبنك وقال لهن‏:‏ يا عدوات أنفسكن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن‏:‏ نعم أنت فظ غليظ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك فجًا غيره‏)‏‏.‏ قال فلما سمع القس ذلك قال‏:‏ بركة نبيكم عادت على إمامكم وعليكم‏.‏

فقال خالد‏:‏ وما يمنعك من الدخول في ديننا‏.‏

فقال‏:‏ حتى يشاء صاحب هذه الخضراء ثم قال لخالد‏:‏ أريد أن أعطيكم من صلبان هذا الدير حتى تكمل حيلتكم‏.‏

قال وأخرج لهم صلبانا كثيرة فأخذها خالد ودفعها لرفاعة بن قيس وبشار بن عون وتزيوا بزي الذين قتلوهم من آل غسان وارتحل خالد بعدما وكل بالدير عشرة من أهل وادي القرى لئلا يخرج أحد بأخبارهم ويقربوا للملك بذلك‏.‏

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق