274
فتوح الشام ( للواقدي )
قال: لما كبس ابن المقوقس جيش المسلمين ورجعت دائرة السوء عليه وقتلوا عن آخرهم وبلغه الخبر بكى على ابن عمه وحلف بما يعتقده من دينه أنه لا بد له أن يأخذ بثأرهم ثم إنه أمر أرباب دولته أن يجتمعوا بالكنيسة المعلقة في داخل قصر الشمع فاجتمعوا فجلس على سرير عند المذبح وقام فيهم خطيبًا.
فقال: يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية اعلموا أن ملككم عقيم وبلدكم عظيم وهذه بلاد الفراعنة ممن كان قبلكم وقد ملكها عدة ملوك ممن احتوى على الأقاليم وملكها مثل الملك المعظم من آل حمير ومثل مستفان والبستق والملحان وهو بأني هذه الأهرام ونمروذ بن كنعان ولقمان بن عاد وذي القرنين الملك العظيم وانقضى ملكهم منها ورجع إلى سبأ وأرضها وحضرموت وقصر عمان ثم تولى هذه الأرض القبط من آبائكم وأجدادكم أطسليس وبلينوس والريان بن الوليد وهو الذي استخلص يوسف لنفسه والوليد وهو المكنى بفرعون وبعدهم طبلهاوس ثم جدي راعيل ثم أبي المقوقس وجميع ملوك الأرض تحسدنا على ملك مصر وهؤلاء العرب الطماعة وليس في العرب أطمع منهم فإني أراكم قد كسلتم وفشلتم عن لقائهم فطمعوا فيكم وفي ملككم كما طمعوا في ملك الشام وانتزعوه من أيدي القياصرة فقاتلوا عن أموالكم وحريمكم وأولادكم وأما أنا فواحد منكم واعلموا أن الملك المقوقس قد أمرني بلقاء هؤلاء العرب وقال: إنه لا يظهر إليهم حتى أرى ما يظهر من قومي وأرباب دولتي فما تقولون وما الذي اجتمع عليه رأيكم.
فقالوا: أيها الملك إنما نحن عبيد هذه الدولة وغلمانها فإنها قد استعبدت رقابنا بنعمتها وإحسانها ونحن نقاتل لمحبتها فإما أن نرزق النصر من المسيح وإما أن نموت فنستريح.
قال: فشكر قولهم وخلع على أكابرهم وقال لهم: اخرجوا واضربوا خيامكم ظاهر البلد مع القوم وطاولوهم بالمبادرة إلى أن يأتي إلينا نجدة من ملك النوبة والبجاوة فأجابوا إلى ذلك وأمروا غلمانهم بأن يضربوا الخيام خارج البلد فضربوها مما يلي النور والرصد.
قال ابن إسحق: وفي ليلتهم تلك جاءتهم الأخبار بأنه وقع بين ملك النوبة وملكالبجاوة حرب وأنه ما يجيبكم منهم أحد وأخرجوا للملك أرسطوليس سرادقًا معظمًا وسط جيش القبط.
قال: وأخذ المسلمون على أنفسهم وأقبلوا يحرضون بعضهم ويحرسون قومهم بالنوبة فكان عمرو في أول الليل يطوف حول العسكر ومعاذ إذا انتصف الليل ويزيد بن أبي سفيان في آخر الليل والنور على عسكرهم والإيمان لائح عليهم وأصواتهم مرتفعة بالقرآن وبذكر الله وبالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم قال ابن إسحق: فلما وصل كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة وقرأه على المسلمين قال لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان ما ترى من الرأي.
فقال: إذا كان أمير المؤمنين أمرك أن تنجد عمرو بن العاص فأنجده.
فقال أبو عبيدة: إن الطريق إلى مصر بعيد وإن أنا أرسلت جيشًا كبيرًا خفت عليه من بعد الطريق ومن المشقة فقال خالد: كم جهدك أن ترسل.
قال: أربعة آلاف فارس.
فقال خالد: إن الله كفاك ذلك.
قال: وكيف ذلك يا أبا سليمان.
قال: إن عزمت على ما ذكرت فابعث أربعة من المسلمين فهم مقام أربعة آلاف فارس.
فقال أبو عبيدة: من الأربعة.
قال خالد: أنا أحد الأربعة والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر ومالك بن الحرث فلما سمع أبو عبيدة ذلك تهلل وجهه وقال: يا أبا سليمان افعل ما تراه فدعاهم خالد وأعلمهم بما عزم عليه فقالوا: سمعًا وطاعة.
فقال: خذوا على أنفسكم فنحن نسير هذه الليلة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق