249
فتوح الشام ( للواقدي )
فركزها شرحبيل فوقفت كالنخلة وغاصت في حجر كأنها منه فتفاءل بالنصر وخرج إلى لقاء قيدمون والمسلمون يدعون له بالنصر على عدوه فلما رآه البطريق ضحك من زيه وكان للملعون صوت عال وهو ضخم من الرجال وكان شرحبيل نحيف الجسم من كثرة الصيام والقيام بالليل والبطريق في ميدانه فحمل كل واحد منهما على صاحبه واختلفا بضربتين وكان السابق شرحبيل فلم يعمل السيف في لامة البطريق شيئًا وثبت السيف في بيضته وحمل قيدمون على شرحبيل فشجه ثم تجاولا على الجوادين.
قال سعيد بن روح: وكان ذلك اليوم كثير البرد والسحاب فبينما هما في المعركة إذ نزل المطر كأفواه القرب قال: فنزلا عن الجوادين وجالا يتصارعان في وسط الطين وذلك أن قيدمون حمل على شرحبيل فضرب يده في مراق بطنه فاقتلعه من الأرض ورمى به على ظهره ثم استوى على صدره وهم أن ينحره فنادى شرحبيل: يا غياث المستغيثين فما استتم كلامه حتى خرج إليه فارس من الروم وعليه لامة مذهبة ومن تحته جواد من عتاق الخيل فقصد موضع البطريق وشرحبيل فظن قيدمون أنه إنما خرج ليعطيه جواده ويعينه فلما قرب منهما ترتجل وأمال البطريق برجليه عن صدر شرحبيل وقال: يا عبد الله قد أتاك الغوث من غياث المستغيثين فوثب شرحبيل قائمًا ينظر إليه متعجبًا من قوله وفعله وكان الفارس متلثمًا ثم جرد سيفه وضرب البطريق ضربة قطع رأسه وقال: يا عبد الله خذ سلبه.
فقال شرحبيل: والله ما رأيت أعجب من أمرك وإني رأيتك جئت من عسكر الروم فقال: أنا الشقي المبعد أنا طلحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب على الله وزعم أن الوحي كان ينزل عليه من السماء فقلت له: يا أخي {إن رحمة الله قريب من المحسنين} [الأعراف: 56]. وقد وسعت رحمته كل شيء ومن تاب وأقلع وأناب قبل الله توبته وغفر له ما كان منه والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (التوبة تمحو ما قبلها) أما علمت يا ابن خويلد أن الله سبحانه وتعالى لما أنزل على نبيه {ورحمتي وسعت كل شيء} [الأعراف: 156]. طمع فيها كل شيء حتى إبليس فلما نزل قوله تعالى: {فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة} [الأعراف: 156] قالت اليهود: نحن نؤتي الزكاة ونتصدق فلما نزل قوله تعالى: {والذين هم بآياتنا يؤمنون} [الأعراف: 156] قالت اليهود: نحن مؤمنون بما أنزل الله في الصحف والتوراة فأراد الله أن يعلمهم أنها خاصة بأمه محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} [الأعراف: 157] فقال طلحة بن خويلد: ما لي وجه أرجع إلى الإسلام وهم أن يسير على وجهه فمنعه شرحبيل وقال له: يا طلحة لست أدعك تمضي بل ترجع معي إلى العسكر قال: ما يمنعني من المسير معك إلا الفظ الغليظ خالد بن الوليد وإني أخاف أن يقتلني فقلت: يا أخي إنه ليس معنا وهذا الجيش لعمرو بن العاص قال: فرجع معي فلما قربنا من المسلمين تبادروا إلينا وقالوا: يا شرحبيل من هذا الرجل معك.
فلقد صنع معك جميلًا قال: ولم يعرفوه لأنه كان متلثمًا بفضل عمامته.
فقلت: هذا طلحة بن خويلد الذي ادعى النبوة فقالوا: أو تاب ورجع إلى الله.
فقال: أنا تائب إلى الله سبحانه وتعالى.
قال شرحبيل: فأتيت به إلى عمرو بن العاص فسلم عليه وبش في وجهه ورحب به.
قال: حدثنا حسان بن عمر الربعي عن جده أن طلحة بن خويلد لما ادعى النبوة وجرى له ما جرى من الحرب مع خالد بن الوليد رضى الله عنه وسمع أن خالدًا قتل مسيلمة الكذاب وقتل الأسود العبسي أيضًا لأنه قال إنه نبي فخاف طلحة على نفسه من خالد فهرب بالليل ومعه زوجته للشام واستجار برجل من آل كلب فأجاره الكلبي وأنزله في داره وكان الكلبي مؤمنًا وبقي عنده مدة أيام إلى أن استخبره عن حاله فحدثه طلحة بجميع أحواله مع خالد بن الوليد ووقائعه معه وكيف ادعى النبوة فغضب الكلبي لكلامه وطرده من جواره فأقام طلحة بالشام وقد تاب من أمره فلما بلغه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد قبض قال: ذهب من جردت السيف في وجهه فمن ولي بعده.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق